الفصل الخامس و العشرون : الأمير المدفون
( شمال شرق الصين شتاء ١٨١٤م )
---
تسللت أشعة الشمس الذهبية عبر الغيوم المتفرقة، لتلقي بظلالها الطويلة على السهول الشاسعة التي امتدت أمام الثلاثة. كانت الصين، الأرض التي طالما حلم ليان بالعودة إليها، ترحب بهم بمشهد لم يكن يتوقعه. بمجرد أن وطأت أقدامهم الأرض، بدت الأجواء مشحونة، فالهواء نفسه كان يحمل رائحة غريبة من القمع واليأس. على طول الطريق الرئيسي، اصطفت مجموعات لا حصر لها من قوافل نقل البضائع، لكن ما أثار دهشتهم هو أن كل هذه القوافل كانت تحمل شعارات يابانية، وعليها حراسة مشددة من الساموراي المدججين بالسلاح. كانت سيوفهم تلمع تحت أشعة الشمس، ووجوههم الخالية من التعابير تعكس قسوة لا ترحم.توقف ليان وأولكامبور وجانغ لي على حافة الطريق، يراقبون المشهد بصمت. التفت ليان إلى رفيقيه، وعلامات الجدية تعلو وجهه. "القتال ليس في صالحنا الآن،" قال بصوت خفيض، "عددهم يفوقنا بكثير، ومواجهتهم هنا ستكون انتحاراً. يجب أن نتسلل، نصل إلى المكان الذي وضعت فيه الخطة مع ذلك الشخص. السرية هي مفتاحنا الوحيد." أومأ أولكامبور وجانغ لي بالموافقة، فخبرتهما في المعارك علمتهما أن الشجاعة لا تعني التهور. قرروا الابتعاد عن الطريق الرئيسي المزدحم، واتجهوا بأحصنتهم نحو المسارات الجانبية.مع كل ميل يقطعونه، كانت المناظر تتغير من حولهم. اختفت القوافل اليابانية الصاخبة، وحلت محلها قرى صامتة، تحمل آثار الدمار في كل زاوية. كانت البيوت محطمة، والجدران متصدعة، والسقوف منهارة. بدا وكأن الزمن قد توقف فيها، وأن الحياة قد غادرتها منذ زمن بعيد. كانت هذه القرى، التي كانت يوماً ما نابضة بالحياة، قد تحولت إلى أشباح بفعل الغارات اليابانية المتكررة.
---
رأوا حقولاً مهجورة، ومزارع محروقة، وأشجاراً مقطوعة. كانت رائحة الدخان لا تزال عالقة في الهواء، تذكرهم بالفظائع التي ارتكبت هنا. في إحدى القرى، وجدوا بقايا سوق صغير، حيث كانت الأكشاك مبعثرة، والبضائع متناثرة على الأرض. لم يروا أي أثر للسكان، وكأنهم قد تبخروا في الهواء، تاركين وراءهم صمتاً مطبقاً لا يقطعه سوى حفيف الرياح.كانت قلوبهم تنقبض ألماً مع كل مشهد يرونه. كانت هذه القرى شهادة حية على وحشية الاحتلال، وعلى الثمن الباهظ الذي تدفعه الصين. شعر ليان بغضب يتأجج في داخله، غضب لم يكن يعرفه من قبل. كانت هذه المشاهد تزيد من إصراره على تحقيق هدفه، على تحرير هذه الأرض من براثن الظلم.
---
استمروا في طريقهم، يتجنبون أي احتكاك، يراقبون محيطهم بحذر شديد. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب عندما وصلوا إلى تل مرتفع، يطل على سهل واسع. كانت المزرعة التي وصفها كايجي تقع في الأسفل، تبدو هادئة ومنعزلة. ترجلوا من أحصنتهم، وساروا بخطوات حذرة نحو المزرعة. كان كايجي، الرجل العجوز الذي طالما سمع عنه ليان، يحرث أرضه بهدوء.اقترب ليان منه بخطوات سريعة. "يا أيها العجوز! ها قد عدت!" صاح ليان بصوت عالٍ، ممزوجاً بالفرح والترقب. توقف كايجي عن حرث الأرض، ورفع رأسه ببطء. كانت نظراته تتفحص ليان، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "يا ليان الأحمق،" قال كايجي بصوت هادئ، لكن فيه لمسة من العتاب، "لقد تأخرت. خطتنا الخاصة بجبل التنين لن تنجح الآن." شعر ليان بلسعة خفيفة من الإحباط، لكنه كان يتوقع ذلك. "أعلم ذلك،" أجاب ليان بصوت خفيض، "لقد حدث الكثير في غيابي." أومأ كايجي برأسه. "دعنا نتحدث في الداخل،" قال كايجي، "سأحضر بعض الشاي."كان كوخ كايجي بسيطاً، لكنه كان ينضح بالدفء والهدوء.
جلس الثلاثة حول طاولة خشبية صغيرة، بينما كان كايجي يحضر الشاي. بعد أن قدم كايجي الشاي، بدأ ليان في سرد قصته. أخبره عن سجنه، وعن الأحداث التي أدت إلى مقتل الشوغن. كانت عينا كايجي تتسعان مع كل كلمة. عندما انتهى ليان من سرده، تنهد كايجي بارتياح. "مقتل الشوغن؟" قال كايجي بصوت مذهول، "هذا خبر عظيم! قد يخفف هذا من القمع في الصين، ويفتح لنا باباً جديداً للمقاومة."ثم حان الوقت للسؤال الذي طالما أرّق ليان. "يا كايجي،" قال ليان بصوت جاد، "أخبرني، ما هي هوية عشيرتي؟ ذات يوم، أخبرني عجوز يدعى كاين..." قبل أن يكمل ليان جملته، اتسعت عينا كايجي فجأة، وظهرت على وجهه علامات الصدمة. "كاين؟" قال كايجي بصوت يكاد يكون همساً، "أيزال حياً؟" كانت المفاجأة واضحة في صوته. "لا،" أجاب ليان بحزن، "لقد ذهبنا بالسفينة وضربتنا العاصفة، ووجدنا أنفسنا في الشواطئ السيبيرية. لم نجد كاين، فسنضع في عين الاعتبار أنه مفقود." تنهد كايجي بعمق. "حسناً،" قال كايجي، "في الأساس، كنت أعتقده ميتاً.""يا كايجي،" تابع ليان، "أصحيح أن كاين هو أخ لجدي، وهو الناجي الوحيد من أسر عشيرة وي في عام 1750م؟" "أهو أخبرك بذلك؟" سأل كايجي. "نعم،" أجاب ليان. "نعم،" أكد كايجي، "هو الناجي الوحيد." كانت هذه الكلمات بمثابة صدمة لأولكامبور وجانغ لي، اللذين كانا يستمعان بصمت. ثم طرح ليان السؤال الأهم. "من هي عشيرة وي يا كايجي؟" سأل ليان، وعيناه مثبتتان على كايجي، ينتظر الإجابة التي ستكشف عن هويته الحقيقية.التفت كايجي إلى ليان، وعلى وجهه بعض من الحزن والأسى. "عشيرة وي هي العشيرة الحاكمة للولاية،" قال كايجي بصوت خفيض و أكمل "الصين و كوريا و اليابان هي تحت حكم ايدو و هي مقسمة لولايات و عشيرة وي هي حاكمة الرواية الصينية و لكي يسيطر اليابانيون تماما على الحكم قرروا الغدر بوي و جعلهم عشيرة للعبيد هذه حقيقة سرية تحت كتب التاريخ"، كانت هذه،الكلمات بمثابة صاعقة نزلت على رؤوس أولكامبور وجانغ لي، اللذين كانا ينظران إلى ليان بصدمة لا تصدق. ليان، رفيقهم الذي ظنوا أنه مجرد محارب صيني، كان أميراً يابانياً! "وكنا ننتظرك حتى نبدأ المقاومة الحكومية،" تابع كايجي، "إذاً، هذا هو سبب خسائر الصين المتتالية منذ عام 1765م، وهو العام الذي سجن فيه كاين، الحاكم الشرعي للصين. وأنا من المفترض أن أكون هو الحاكم الشرعي.""نعم،" أكد كايجي، "أنت هو أمير الصين الحالي.
" كانت هذه الكلمات بمثابة تتويج لليان. نظر أولكامبور وجانغ لي إلى ليان بصدمة، ثم إلى بعضهما البعض. كانت عيناهما تتسعان، ووجوههما تعكس ذهولاً لا يوصف. وقف ليان ببطء، وشعور بالمسؤولية يغمره. "إذاً،" قال ليان بصوت قوي، "سأقود الصين من جديد من هذا الكوخ. وعندي لك بعض المهام يا كايجي، أريدك أن تسويها."
في هذه الأثناء....
في اليابان، كان لورد ساتو يعاني من جراحه. كانت يده المقطوعة تؤلمه بشدة، لكن الألم الجسدي لم يكن شيئاً مقارنة بالألم الذي كان يشعر به في روحه. لقد خسر معركته أمام ليان، لكنه لم يخسر روحه القتالية. توافد الأطباء من كل مكان في اليابان لمداواته، لكن جراحه كانت عميقة. على الرغم من إصابته، تم تعيين لورد ساتو شوغناً لليابان. كانت هذه المفارقة تزيد من مرارته، فقد وصل إلى أعلى منصب في البلاد، لكنه كان يشعر بالنقص. نظر إلى يده المقطوعة، وتذكر ليان. "وجدت متعتي في القتال مع ليان،" قال في ذاته، "وأقسم أني لن أتركه إلا وأنا قاطع رأسه." كانت هذه الكلمات بمثابة نذر، نذر بالانتقام، نذر بالدم. كانت المعركة بين ليان وساتو قد بدأت للتو، وكانت نهايتها غير واضحة. كانت الجمرة تحت الثلج قد بدأت تشتعل، وستحرق كل من يقف في طريقها.