الفصل السادس والعشرون: صدى الحقيقة

( شمال شرق الصين شتاء ١٨١٤م )

---

في كوخ كايجي المتواضع، الذي تحول فجأة إلى مركز ثقل لمصير أمة، كانت الأجواء مشحونة بترقب ممزوج بالأمل. بعد أن استوعب أولكامبور وجانغ لي الصدمة الأولى من حقيقة ليان المذهلة، تحولت نظراتهما من الذهول إلى إجلال عميق. كان ليان، أمير الصين الجديد، يجلس قبالة كايجي، الذي كان يرتشف شايه بهدوء، وكأن كل هذه التحولات الكبرى لا تثير فيه سوى ابتسامة خفيفة. قطع كايجي الصمت قائلاً بصوته الهادئ الذي يحمل وقار السنين: "حسناً إذاً يا سيدي الأمير،" كانت الكلمة الأخيرة تخرج منه بتقدير واضح، "علينا أن نبحث عن قائد المقاومة لكي نحصل على جيش للمساعدة." رفع ليان حاجبه، وعيناه تلمعان بفضول ممزوج بالتصميم. "ومن هو قائدهم؟" سأل ليان، متوقعاً اسماً لم يسمع به من قبل. ابتسم كايجي ابتسامة خفيفة، وكأنما يستمتع بهذا اللغز الصغير. "شخص بينك وبينه قرابة، ولكنك لم تره يوماً. اسمه كيمورا تاي، وهو يكبرك بما يقارب سبع سنوات." كانت هذه المعلومة تثير دهشة ليان، فالعلاقات العائلية كانت دائماً جزءاً غامضاً من ماضيه. "وعلينا التحرك الآن،" أضاف كايجي بجدية، "قبل أن يقوم بأي حركة متهورة. كيمورا تاي شاب مندفع، وشجاعته قد تتحول إلى تهور في ظل هذه الظروف."وهكذا، بدأ الثلاثة رحلة البحث عن كيمورا تاي. كانت الأيام كالتحدي القاتل حيث قادتهم المسارات الوعرة عبر قلب الصين المحتلة. كان كايجي قد وصف لهم ملامح عامة للمنطقة التي يُعتقد أن كيمورا تاي يختبئ فيها، لكن العثور على مخيم سري في هذه الأراضي الشاسعة كان أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش. في اليوم الأول، وبينما كانوا يتتبعون آثاراً خفية في غابة كثيفة، صادفوا مجموعة من الفلاحين الصينيين الذين كانوا يختبئون في كهف مهجور. كانت وجوههم شاحبة، وعيونهم تحمل قصصاً من الخوف والجوع. اقترب منهم أولكامبور بحذر، محاولاً طمأنتهم بابتسامته الودودة. "هل رأيتم أي حركة غير عادية في هذه المنطقة؟" سألهم. تردد الفلاحون في البداية، فالثقة كانت سلعة نادرة في هذه الأيام. لكن عندما رأوا ليان، الذي كان يحمل في عينيه مزيجاً من القوة والتعاطف، بدأت قلوبهم تتفتح. أخبروه عن دوريات الساموراي المتكررة، وعن القرى المجاورة التي تعرضت للنهب والحرق. كانت قصصهم تزيد من غضب ليان، وتؤكد له أن مهمته ليست مجرد استعادة عرش، بل هي تحرير شعب بأكمله. قدم لهم جانغ لي بعض المؤن التي كانت بحوزتهم، بينما كان ليان يستمع باهتمام لكل كلمة، يرسم في ذهنه خريطة للمقاومة المحتملة.في اليوم الثاني، وبينما كانوا يعبرون نهراً ضيقاً، تعرضوا لكمين من قبل مجموعة صغيرة من الساموراي. كانت هذه المواجهة اختباراً لمهاراتهم، وفرصة لليان ليظهر قدراته القيادية. لم يكن ليان يقاتل بتهور، بل كان يخطط لكل حركة، مستفيداً من خبرة أولكامبور القتالية ومهارة جانغ لي في التخفي. كانت المعركة سريعة وحاسمة، حيث تمكنوا من التغلب على الساموراي دون خسائر تذكر. بعد المعركة، جلس أولكامبور يتفحص خريطته القديمة، التي كانت مليئة بالخطوط والرموز التي لا يفهمها أحد سواه. كان أولكامبور، بصفته محارباً قديماً، يمتلك حاسة سادسة لاكتشاف المخاطر، وقدرة فريدة على قراءة التضاريس. "هذه المنطقة وعرة،" تمتم أولكامبور، "لكنها توفر غطاءً ممتازاً لأي مخيم سري. يجب أن نكون حذرين، فالساموراي قد يكونون قد زرعوا جواسيسهم في كل مكان." كان جانغ لي، الذي كان يتميز بالهدوء والترقب، يراقب الأفق بصمت، وعيناه تلمعان بذكاء. كان جانغ لي يفضل العمل في الظل، يجمع المعلومات ويحلل المواقف قبل اتخاذ أي قرار. كانت هذه الصفات تجعله رفيقاً لا يقدر بثمن في هذه الرحلة الخطيرة.في اليوم الثالث، قادتهم آثار أقدام خفيفة إلى منطقة جبلية وعرة. كانت المسارات ضيقة وملتوية، تتطلب منهم جهداً كبيراً. في هذه الأثناء، لاحظ ليان وجود علامات غريبة على الأشجار، وكأنها رموز محفورة بعناية. كانت هذه الرموز تبدو مألوفة له بطريقة ما، وكأنها جزء من ذاكرة بعيدة. حاول ليان تذكر مصدر هذه الرموز، لكنها كانت تتلاشى في ذهنه مثل حلم بعيد. كان هذا التحدي الجسدي والنفسي يزيد من إصرار ليان على إيجاد كيمورا تاي، فقد كان يشعر بأن مصيره مرتبط بهذا الرجل الغامض. في اليوم الرابع، وبينما كانوا يتوقفون للاستراحة في قرية صغيرة مهجورة، وجدوا بعض المخطوطات القديمة التي كانت تتحدث عن أسطورة جبل التنين، وعن المقاومة التي ستنهض من رماد الاحتلال. كانت هذه المخطوطات تزيد من حماس ليان، وتؤكد له أن نبوءة جده لم تكن مجرد حلم، بل كانت حقيقة تنتظر من يحققها.في اليوم الخامس، وبينما كانوا يقتربون من المنطقة التي حددها كايجي، بدأت علامات وجود مخيم تظهر بوضوح. كانت هناك آثار أقدام حديثة، وبقايا نيران، وبعض الأدوات المتناثرة. كانت هذه العلامات تزيد من حماسهم، وتؤكد لهم أنهم على وشك الوصول إلى هدفهم. كان ليان يشعر بتيار من الطاقة يتدفق في عروقه، وكأن القدر يدفعه نحو هذا اللقاء المصيري. كانت هذه الأيام الخمسة بمثابة رحلة داخلية لليان، حيث اكتشف فيها جوانب جديدة من شخصيته، وتأكد من عزيمته على قيادة شعبه نحو الحرية. كانت هذه الأحداث الجانبية، على بساطتها، قد أثرت في ليان ورفيقيه، وجعلتهم أكثر استعداداً للمواجهة الكبرى التي تنتظرهم.

---

في صباح اليوم السادس، وبعد بحث مضنٍ، وجد ليان وأولكامبور وجانغ لي كيمورا تاي في مخيم مخفي بعناية فائقة بين التلال الصخرية والأشجار الكثيفة. كان المخيم يبدو وكأنه جزء لا يتجزأ من الطبيعة المحيطة به، مما يدل على براعة قائده في التخفي. لم يذهب كايجي معهم، فقد فضل البقاء في مزرعته، التي كانت بمثابة نقطة حكم استراتيجية، ومركزاً للتخطيط. اقترب ليان من المخيم بخطوات واثقة، وعيناه تلمعان بتصميم لا يلين. بمجرد أن دخل ليان المخيم، رآه الجنود مستغربين. كانت وجوههم تعكس الدهشة، فوجود غريب في مخيمهم السري كان أمراً غير متوقع. بدأوا في منع ليان من الدخول، لكن ليان، الذي كان يمتلك قوة جسدية هائلة، أبعدهم عنه عن طريق الدفع، ودخل إلى المخيم الذي كان فيه كيمورا تاي.وجد ليان كيمورا تاي نائماً، وكأنه لا يبالي بكل ما يحدث حوله. كانت هذه الصورة تثير غضب ليان، الذي كان يتوقع أن يجد قائداً يقظاً ومستعداً للقتال. صرخ ليان بصوت عالٍ، ممزوجاً بالغضب والإحباط: "تباً! أهذه هي المقاومة يا فاشل؟" اهتز المخيم كله من صرخة ليان، ونهض كيمورا تاي من نومه فزعاً. كانت عيناه تلمعان بغضب، ووجهه يعكس مفاجأة ممزوجة بالاستياء. "من أنت؟ وكيف دخلت؟" سأل كيمورا تاي بصوت خشن، وهو ينهض ليقف بكامل قامته. كان كيمورا تاي بطول 190 سم، أي أقل من ليان بسنتيمتر واحد فقط، مما جعله يبدو مهيباً وقوياً. أجابه ليان بصوت قوي وواثق: "أنا هو ليان وي." كانت هذه الكلمات بمثابة صاعقة نزلت على كيمورا تاي. اتسعت عيناه، وظهرت على وجهه علامات الصدمة. "إذاً ديفل في خيمتي!" قال كيمورا تاي بصوت مذهول، "ماذا تريد؟" كانت هذه الكلمات تعكس معرفة كيمورا تاي بهوية ليان الحقيقية، وتؤكد أن اسم "ديفل" كان معروفاً في أوساط المقاومة."أريد أن تنضم إلي في سبيل إخضاع اليابان لنا،" قال ليان بصوت حاسم، لا يقبل النقاش. ضحك كيمورا تاي بصوت عالٍ، ضحكة تحمل في طياتها الكثير من السخرية والدهشة. "الأمير المدفون خرج من قبره!" قال كيمورا تاي، "أأخبرك عمي كايجي عن هويتك؟" كانت هذه الكلمات تثير تساؤلاً في ذهن ليان. "عمي؟" تمتم ليان في ذاته، "أهذا يعني أن هناك علاقة بيني وبين كايجي؟" كانت هذه المعلومة تزيد من غموض ماضيه، وتفتح أبواباً جديدة للاكتشاف. أكمل كيمورا تاي حديثه، وهو لا يزال يضحك: "فيم تريدونني أن أساعدكم؟" كان صوته يحمل تحدياً واضحاً، وكأنه يختبر ليان."أريد أن يكون هذا الجيش جيشي، وأن تكون أنت قائدهم الأعلى،" قال ليان بوضوح، لا يترك مجالاً للشك. توقف كيمورا تاي عن الضحك، ونظر إلى ليان بجدية. كانت نظراته تتفحص ليان، وكأنه يحاول قراءة أفكاره. "حسناً،" قال كيمورا تاي، "لو افترضنا أنني سأوافق، من أين ستأتي بالعتاد؟" كان هذا سؤالاً منطقياً، فالمقاومة تحتاج إلى أسلحة. أجاب ليان بثقة: "العتاد سنأتي به بالتهريب، وهذا سيكون جزءاً من أولى مهامنا. ألا وهي تهريب الأسلحة المطلوبة، ألا وهي لو جراند وريفولفر وبنادق قريبة المدى وبعيدة. وهذا سنستفيد به عن طريق أولكامبور الذي سيهرب لنا من غرب الصين." صدم أولكامبور من هذا التكليف المفاجئ. "أنا؟!!" صاح أولكامبور بدهشة. "نعم،" أكد ليان، "هذه وظيفتك. وأنت يا جانغ لي، أريد منك قائد القوات الدفاعية الخاصة بنا، والتي سيتم تجنيدها من الشعب الذي تم أسرهم من قبل الجنود اليابانيين. وبالنسبة لإقناعهم، فسألقي عليهم خطاباً سيجعلهم مكرسين قلوبهم لي." كانت خطة ليان جريئة ومفصلة، وتظهر قدرته على التفكير الاستراتيجي.أومأ كيمورا تاي برأسه، وعلامات الإعجاب تظهر على وجهه. "حسناً،" قال كيمورا تاي، "خطتك جيدة ومبنية على تحليلات دقيقة. ولكن يا ليان، ما هو مركز حكمنا؟" كان هذا سؤالاً مهماً، فالمقاومة تحتاج إلى قاعدة. أجاب ليان بوضوح: "كبداية، سيكون مزرعة كايجي، ومكان التجنيد سيكون هذا المخيم." كانت هذه الإجابة تظهر براعة ليان في استغلال الموارد المتاحة. "إذاً،" قال كيمورا تاي، "قد قرر الأمر." كانت هذه الكلمات بمثابة إعلان عن بداية مرحلة جديدة في المقاومة، مرحلة يقودها ليان.

---

في هذه الأثناء، في اليابان، كان الشوغن الجديد، لورد ساتو، ينتظر فرصة مواجهة ليان مرة أخرى على أحر من الجمر. كانت يده المقطوعة تذكره بالهزيمة التي تعرض لها، لكنها كانت أيضاً تذكره بالمتعة التي وجدها في القتال ضد ليان. كان ليان هو الشخص الوحيد الذي وجد فيه منافساً حقيقياً، شخصاً يستحق القتال. صرخ لورد ساتو بصوت عالٍ، ممزوجاً بالغضب والتصميم: "موعدنا في نهاية نابليون يا ليان! أقسم لك!" كانت هذه الكلمات بمثابة نذر، نذر بالانتقام، نذر بالدم. كانت المعركة بين ليان وساتو قد بدأت للتو، وكانت نهايتها غير واضحة. كانت الجمرة تحت الثلج قد بدأت تشتعل، وستحرق كل من يقف في طريقها، وستغير وجه التاريخ إلى الأبد. كانت الأيام القادمة ستحمل معها الكثير من التحديات، ولكن ليان، أمير الصين الجديد، كان مستعداً لمواجهة كل شيء، فقد وجد هويته، ووجد طريقه، ووجد شعبه الذي ينتظر منه الخلاص. كانت المقاومة قد بدأت للتو، وستكون ملحمة تاريخية تُروى للأجيال القادمة.

ينتهي الفصل ...

2025/08/12 · 17 مشاهدة · 1493 كلمة
نادي الروايات - 2026