الفصل الثامن والعشرون : صقل المهارة

( شمال شرق الصين - ربيع ١٨١٤م )

---

في الساعة الرابعة فجراً في اليوم الأول من ربيع عام 1814م، بينما كانت النجوم لا تزال تتلألأ في سماء الصين الباردة، اخترق صوت كيمورا تاي الحاد سكون كوخ كايجي، ليوقظ ليان من سباته العميق. "هيا يا حضرة القائد!" نادى كيمورا، وصوته يحمل إصراراً لا يقبل الجدل، "يجب أن نتدرب لنتمكن من فك الحصار عن الحصن." استيقظ ليان و بعد قليل نهض ليان وكيمورا، وتسللا خارج الكوخ، تاركين أولكامبور وجانغ لي في نومهما العميق، متوجهين إلى أرض تبعد حوالي مائتي متر عن المزرعة، حيث كانت المساحة مفتوحة ومناسبة للتدريب. كانت هذه الأرض، التي يلفها ضباب الصباح البارد، ستشهد بداية تحول جديد في مهارات ليان القتالية.أخذ ليان وكيمورا سيفين خشبيين، كانا ثقيلين بما يكفي لمحاكاة وزن السيف الحقيقي، لكنهما آمنان للتدريب. وقف كيمورا أمام ليان، وعيناه تراقبان كل حركة من حركاته. "يا ليان،" بدأ كيمورا، وصوته يحمل نبرة المعلم، "يوجد للساموراي وضعيات قتالية تساعده في القتال. أنت تتقن واحدة كبداية، ألا وهي الوضعية الممتازة لمبارزة أو قتال سياف آخر، ألا وهي وضعية الحجر." أخذ كيمورا وضعية الحجر، حيث كان جسده ثابتاً كالصخر، وسيفه الخشبي يشير إلى الأمام بثبات. "هذه الوضعية تضع ضغطاً هائلاً على السيف أثناء التصادم، مما يجعل السياف أمامك يترنح بسرعة. وهذا سبب ساعدك أيضاً في التمكن من قطع ذراع الوحش لورد ساتو." كانت هذه الكلمات تثير في ليان شعوراً بالرضا. "أتعني أن عندما أبارز ساتو سيكون النصر لي؟" سأل ليان، "ولكن عندما أواجه شخصاً يستعمل الدرع فسيهزمني أو سأعاني معه؟" أجاب كيمورا بوضوح: "تماماً." كانت هذه المعلومة تفتح عيني ليان على نقاط قوته وضعفه.أكمل كيمورا قائلاً: "هناك أربع وضعيات، إن أتقنتها كلها فستتمكن من هزيمة من يقف ضدك، وستتربع على عرش القوة يا ليان." في هذه اللحظة، دار في ذهن ليان فكرة، فكرة لم يكن ليان يثق في أحد. "من المؤكد أن كينغو وهيديتوشي يعلمون بهذه الوضعيات،" فكر ليان في نفسه، "ولكنهم لم يعلموني إياها لأنهم يريدون مني ألا أكون الأقوى بسهولة." كانت هذه الفكرة تزيد من تصميمه على إتقان هذه الوضعيات، ليثبت لهم أنه قادر على تجاوز توقعاتهم. "هل نبدأ؟" سأل كيمورا، قاطعاً أفكار ليان. "حسناً إذاً،" أجاب ليان، مستعداً للتحدي. "اليوم سأعلمك الوضعية الأكثر انسيابية وسرعة، ألا وهي وضعية الماء." كانت هذه الوضعية تبدو مختلفة تماماً عن وضعية الحجر الثابتة. "ميزة وضعية الماء هي أنها تضع القوة في النصل كاملاً، وليس في رأسه كما في وضعية الحجر، مع هجمات متتالية تصعب الصمود وعدم الترنح، مما يجعل هذه الوضعية مناسبة للأشخاص الذين يستعملون الدروع، فهي لا تترك لهم أدنى فرصة للصمود. ولكن وضعية الماء لا يمكن أن تساعدك ضد السيافين، لأن القتال ضد السيافين يريدون ضغطاً مركزاً وليس متتالياً." كانت كلمات كيمورا منطقية، وتوضح الفروقات الدقيقة بين الوضعيات."كلامه منطقي مئة بالمئة،" فكر ليان في نفسه، معجباً بتحليل كيمورا العميق. "هيا لنبدأ،" قال ليان لكيمورا، متحفزاً للبدء في التدريب. أخذ كيمورا درعاً خشبياً، ووقف أمامه. "هيا هاجمني واجعلني أترنح يا ليان." بدأ ليان في محاولة تطبيق وضعية الماء. في البداية، كانت حركاته متصلبة وغير منسقة. كان يهاجم بقوة، لكن هجماته كانت تفتقر إلى الانسيابية والسرعة التي وصفها كيمورا. كان كيمورا يصد هجماته بسهولة، ويشرح له الأخطاء التي يرتكبها. "اجعل جسدك يتدفق مع السيف،" قال كيمورا، "لا تقاوم الحركة، بل كن جزءاً منها." استمر التدريب لساعات طويلة، تحت أشعة الشمس التي بدأت تشرق ببطء. كان ليان يتعرق بغزارة، وعضلاته تؤلمه، و لكن أبى أن يتوقف. كان يركز على كل كلمة يقولها كيمورا، ويحاول تطبيقها بدقة. في الساعة السادسة صباحاً، بدأ ليان يشعر ببعض التحسن. أصبحت حركاته أكثر انسيابية، وبدأ يشعر بتدفق الطاقة في سيفه. كان يهاجم كيمورا بهجمات متتالية، مما جعل كيمورا يتراجع قليلاً. "أحسنت!" صاح كيمورا، "هذا هو التقدم!" استمر التدريب، ومع كل ساعة تمر، كان ليان يتقن وضعية الماء أكثر فأكثر. في الساعة العاشرة صباحاً، كان ليان يهاجم كيمورا ببراعة، مما جعل كيمورا يترنح عدة مرات. كان ليان يشعر بالرضا، فقد أتقن وضعية الماء.عند الساعة الثانية ظهراً، وبعد ثماني ساعات متواصلة من التدريب الشاق، قرر كيمورا الذهاب إلى المعسكر. كان ليان قد أتقن وضعية الماء بشكل ملحوظ، وأصبح قادراً على استخدامها بفعالية. "الآن،" قال كيمورا، "حان وقت الاختبار الحقيقي. اذهب وتدرب على وضعية الماء والحجر ضد جيش المقاومة كاملاً، والمكون من مائتي رجل."

---

عندما وصل ليان وكيمورا إلى المعسكر، كان الجنود يتدربون بجد. "فليتقدم السيافون والمدرعون!" صاح كيمورا بصوت عالٍ، مما أثار دهشة الجنود. "لماذا تنادي السيافين؟" سأل ليان. "لكي تعتاد على تغيير الوضعيات بسرعة ضد هذا الجيش،" أجاب كيمورا. تقدم ليان نحو الجنود، وسيفه الخشبي في يده. بدأ بوضعية الحجر، يواجه السيافين بضغط مركز وقوة هائلة. كان يصد هجماتهم بسهولة، ويجعلهم يترنحون. كانت حركاته قوية ومباشرة، مما جعل السيافين يجدون صعوبة في مواجهته. بعد فترة، بدأ ليان يغير وضعياته بسرعة. عندما يواجه سيافاً، يستخدم وضعية الحجر. وعندما يواجه مدرعاً، يتحول إلى وضعية الماء، يهاجمه بهجمات متتالية وسريعة، مما يجعل المدرعين يجدون صعوبة في الصمود. كانت المعركة تستمر لساعات طويلة، تحت أشعة الشمس الحارقة. كان ليان يقاتل بلا كلل، يغير وضعياته ببراعة، ويواجه كل جندي بقوة وتصميم. في الساعة السادسة مساءً، كان ليان لا يزال يقاتل، بدأ يشعر بالإرهاق. كانت عضلاته تؤلمه، وعرقه يتصبب منه. لكنه لم يفكر بالتوقف، فقد كان يعلم أن هذا التدريب ضروري لإنهاء أمر لورد ساتو. في الساعة العاشرة مساءً، كان ليان قد قاتل معظم الجنود، وأصبح قادراً على مواجهة أي نوع من الخصوم. كانت حركاته سريعة ودقيقة، وقدرته على تغيير الوضعيات أصبحت طبيعية.في الساعة الثانية صباحاً، وبعد اثنتي عشرة ساعة متواصلة من القتال، عاد ليان وكيمورا إلى كوخ كايجي، وهما مرهقان تماماً. كانت أجسادهما تؤلمهما، لكن روحيهما كانتا منتصرتين. جلس ليان على الأرض، وتنهد بعمق. "هذا العالم اللعين،" بدأ ليان، وصوته يحمل نبرة من المرارة، "انتظر، لماذا أضع اللوم في العالم؟ اللوم في الحثالة الذين به، ليس لديهم أي مبادئ أو عقل سليم أو عاطفة إنسانية صادقة ليفهموا أن القوة ليست كل شيء. هذا يثبت لي أن قلوب الحيوانات أطهر من قلوب البشر." كانت هذه الكلمات تعكس فلسفة ليان العميقة، ونظرته التشاؤمية للبشرية. كان يتحدث عن رحلته، عن الخيانة التي تعرض لها، عن الظلم الذي رآه، وعن القسوة التي واجهها. كان يتحدث عن كيف أن القوة، في أيدي الأشرار، تتحول إلى أداة للدمار، وكيف أن المبادئ والأخلاق تُداس تحت أقدام الطغاة. كان يتحدث عن كيف أن البشر، في سعيهم للسلطة، يتخلون عن إنسانيتهم، ويصبحون أسوأ من الحيوانات.صدم كيمورا من عقلية ليان الفلسفية، فقد كان يتوقع منه حديثاً عن القتال والانتصارات، لا عن الفلسفة والأخلاق. "يا ليان،" قال كيمورا، وعيناه تلمعان بالإعجاب، "كلامك لا يعلى عليه يا رجل. أتمنى أن تصبح أقوى حاكم عرفه التاريخ." كانت هذه الكلمات شهادة على عمق فكر ليان، كانت هذه اللحظة هي بداية تحول جديد في علاقة ليان وكيمورا، علاقة مبنية على الاحترام المتبادل والفهم العميق. كانت هذه الليلة، التي بدأت بالتدريب الشاق، قد انتهت بمحادثة فلسفية عميقة، محادثة كشفت عن روح ليان الحقيقية، وعن الأفكار التي تدور في ذهنه.

ينتهي الفصل ...

2025/08/17 · 30 مشاهدة · 1090 كلمة
نادي الروايات - 2026