في الصباح التالي، كانت المدينة مختلفة قليلًا.
لم تعد هادئة كما كانت في الأيام الأولى. أصوات الناس بدأت تظهر في الشوارع، طرقات خفيفة على الخشب، حوارات بين الحرفيين، وصوت الجنود وهم يتحركون بين الأزقة.
استيقظ أريس مبكرًا كعادته. غسل وجهه بالماء البارد، ارتدى ملابسه بهدوء، ثم خرج من غرفته نحو القاعة الصغيرة التي تحولت إلى مكتب مؤقت داخل القصر.
لم تمضِ دقائق حتى دخل ألبرت، ومعه مساعده، يحملان مجموعة كبيرة من الأوراق.
قال ألبرت وهو يضعها على الطاولة:
“هذه قوائم المهن يا سيدي. كل من سجل اسمه أمس موجود هنا.”
جلس أريس وبدأ يقلب الأوراق واحدة تلو الأخرى.
كان هناك عدد جيد من الناس.
نجارون… حدادون… عمال بناء… صيادون… وبعض الحرفيين البسطاء.
رفع نظره وقال:
“كم عدد النجارين؟”
أجاب ألبرت:
“أكثر من مئة، سيدي.”
أومأ أريس ببطء. هذا رقم جيد.
قال بعدها:
“المدينة تحتاج إعادة ترتيب. الطرق ضيقة، البيوت متضررة، والساحات فارغة.”
توقف لحظة ثم أكمل:
“نحتاج أن نعيد شكلها من البداية.”
نظر ألبرت باهتمام، بينما تابع أريس:
“أرسل مئة وخمسين جنديًا لمساعدة النجارين.
ليقطعوا الأشجار القريبة، يجمعوا الحجارة، وينقلوا المواد.”
رفع أحد الحاجبين وأضاف ببساطة:
“هذا سيكون تدريبًا لهم أيضًا.”
أومأ ألبرت فورًا:
“سأنفذ الأمر.”
ثم سأل:
“من سيشرف على العمل؟”
أجاب أريس دون تردد:
“دراغون.”
كان اسمًا مناسبًا لهذه المهمة. دراغون قوي، منظم، والجنود يحترمونه.
سجل ألبرت الأمر بسرعة.
بعدها سحب أريس ورقة أخرى من جانبه. كانت خريطة صغيرة من الخريطة الكبيرة التي اشتراها سابقًا.
وضع إصبعه على نقطة محددة.
قال بهدوء:
“هنا… معسكر غوبلن.”
نظر ألبرت إلى الخريطة واقترب أكثر.
“المسافة؟” سأل.
“حوالي ستة كيلومترات. يمكن الوصول خلال أقل من ساعة.”
فهم ألبرت فورًا المقصود.
قال أريس:
“أبلغ راينهارت أن يقود مئة وخمسين جنديًا.
ليذهبوا اليوم… وينهوا الأمر.”
لم يكن هناك حاجة لشرح أكثر.
أومأ ألبرت باحترام:
“سيتم التنفيذ فورًا.”
توقف أريس لحظة ثم أضاف:
“أعطه نسخة من الخريطة.”
بعد ذلك، أخرج أريس كيسًا صغيرًا من داخل مكتبه ووضعه على الطاولة.
قال:
“فيه بذور. أوصلها للمزارع الذي قابلته أمس.”
فتح ألبرت الكيس قليلًا ورأى داخله عدة أنواع.
أريس تابع:
“أخبره أن يبدأ بالتدريب فورًا.
ثلاثون متدربًا كما اتفقنا.”
ثم أضاف بهدوء:
“وهناك بذور خاصة… عشبة الشفاء.
يجب أن يزرعها في مكان آمن.”
أغلق ألبرت الكيس بحذر وقال:
“سأوصلها بنفسي.”
بعد انتهاء الأوامر، خرج ألبرت ومساعده لتنفيذ المهام.
بقي أريس وحده في المكتب للحظة قصيرة.
من النافذة كان يرى الجنود يتحركون بالفعل. بعضهم يتجه نحو الغابة، والبعض الآخر يساعد النجارين في نقل الأخشاب.
المدينة بدأت تتحرك… ببطء… لكنها تتحرك.
لم يجلس طويلًا.
نهض وخرج من القصر.
في الخارج، كان المشهد مختلفًا عما كان قبل أيام.
رجال يحملون فؤوسًا، نجارون يقيسون الخشب، أطفال يراقبون العمل بفضول، ونساء ينظفن الساحات.
مرّ أريس بينهم دون ضجة.
بعض الناس لاحظوه وانحنوا بسرعة، لكنه اكتفى بإيماءة بسيطة واستمر في السير.
وصل إلى ساحة واسعة خلف القصر.
كانت الأرض هناك فارغة تمامًا.
وقف في وسطها ونظر حوله.
هذه هي المكان المناسب.
أغمض عينيه للحظة، ثم فتح لوحة النظام.
اختار خيار الاستدعاء.
وبدون أي ضوء مبالغ أو أصوات غريبة، ظهرت الأبقار واحدة تلو الأخرى… ثم الدجاج.
خلال دقائق، امتلأت الساحة بحركة الحيوانات.
أصوات الخوار… وصياح الدجاج… جعلت المكان يبدو حيًا فجأة.
بعض العمال القريبين توقفوا في أماكنهم.
أحدهم تمتم:
“من أين ظهرت كل هذه…؟”
لكن لم يجرؤ أحد على السؤال بصوت عالٍ.
أريس اكتفى بالنظر إليها للحظة، ثم التفت إلى مساعد ألبرت الذي وصل مسرعًا بعد سماع الضجة.
قال له ببساطة:
“اجعل العمال يبنون حظائر هنا.
ابدأ اليوم.”
أومأ المساعد بسرعة:
“حاضر، سيدي.”
ثم ركض لينادي العمال.
وقف أريس قليلًا يراقب المكان.
قبل أيام… لم يكن هناك شيء.
الآن:
أعمال بناء بدأت.
زراعة على وشك البدء.
مهمة عسكرية انطلقت.
وحيوانات للرعي وصلت.
لم يكن الأمر سريعًا… لكنه كان ثابتًا.
وهذا ما يحتاجه أي مكان كي يقف على قدميه.
أدار ظهره للحظيرة الجديدة وبدأ السير عائدًا نحو القصر.
في ذهنه كان يفكر بشيء واحد فقط:
النقاط.
لأن الخطوة التالية…