مرّت عدة أسابيع منذ وصول أريس إلى فارنتين.
لم تعد المدينة كما كانت في البداية.
الطرقات التي كانت مليئة بالطين أصبحت مرصوفة بالحجارة، والبيوت التي كانت متهالكة صارت جدرانها مستقيمة وأسقفها مغطاة بخشب جديد.
في الصباح، كان صوت العمل يُسمع في كل مكان.
نجارون يقطعون الألواح، حدادون يشعلون الأفران، وعمال ينقلون الأحجار بعربات خشبية.
حتى الجنود لم يعودوا يقفون بلا عمل كما في الأيام الأولى.
قسم منهم كان يساعد في البناء، وقسم آخر يحرس المداخل، والبقية يتدربون في الساحة.
ظهرت متاجر جديدة أيضًا.
بائع خبز، متجر أدوات، ورشة حدادة، وحتى دكان صغير لبيع الملابس.
الناس لم يعودوا يجلسون بلا عمل كما في الماضي.
معظمهم أصبح لديه وظيفة أو مهمة يومية.
أريس كان يقف عند شرفة القصر، ينظر إلى المدينة.
لم يكن يفعل شيئًا خاصًا، فقط يراقب.
دخل ألبرت بعد طرق خفيف على الباب.
“سيدي، عدد العمال المسجلين تجاوز الألف الآن. معظم السكان يعملون.”
أومأ أريس.
“هذا جيد.”
قال ألبرت أيضًا:
“الأسواق بدأت تنشط. حتى بعض القرى القريبة بدأت ترسل تجارًا.”
ظل أريس ينظر إلى الخارج.
لم يقل شيئًا، لكنه كان يرى الفرق بوضوح.
عندما وصل أول مرة، كانت المدينة شبه صامتة.
أما الآن، فقد أصبحت مليئة بالحركة.
بعد قليل، غادر أريس القصر.
سار في الشوارع بهدوء.
لم يكن يرافقه حرس كثيرون، فقط جنديان خلفه.
مرّ بجانب مجموعة أطفال يلعبون، ونساء يحملن سلال الخضار، ورجال يعملون في رفع الأعمدة الخشبية.
كل شيء كان يبدو طبيعيًا.
وصل إلى ساحة التدريب.
هناك، كان الجنود يتدربون على القتال.
ضربات سيوف، صوت احتكاك الحديد، وصيحات تدريب.
وقف أريس يراقب.
دراغون كان يقود التدريب.
بجانبه كالدور وراينهارت.
كانوا يتدربون بجدية، حركاتهم سريعة وثابتة.
لاحظ أريس الفرق فورًا.
قوتهم لم تكن في العضلات فقط…
بل في الطريقة التي يتحركون بها.
خطواتهم محسوبة.
ضرباتهم دقيقة.
وتوازنهم لا يختل.
بعد فترة، نزل أريس إلى الساحة.
توقف التدريب عندما رآه الجنود، لكن أريس أشار لهم بالاستمرار.
اقترب من رفّ السيوف التدريبية وأخذ واحدًا.
وقف وحده في زاوية الساحة.
ثم بدأ يتدرب.
رفع السيف، وخفضه.
مرة… مرتين… عشر مرات.
لم يكن يتدرب بعشوائية.
كان يكرر نفس الحركة.
ضربة مستقيمة.
ثم خطوة للأمام.
ثم سحب السيف للخلف.
ظل يكرر الحركة.
بعد وقت طويل، بدأ العرق يتجمع على جبينه.
لكن لم يتوقف.
وصل إلى مئة ضربة.
أنزل السيف قليلًا ليرتاح، ثم عاد ورفع السيف مرة أخرى.
هذه المرة تدرب على حركة جانبية.
كان يعرف أن قوته الجسدية أصبحت قوية.
حتى سرعته لم تعد ضعيفة.
لكنه كان يرى الفرق عندما يشاهد القادة الثلاثة.
هم لا يضربون فقط…
بل يعرفون متى يضربون.
بعد فترة، اقترب راينهارت منه.
“حركتك أصبحت مستقرة.”
قالها بصوت بسيط.
رد أريس وهو يلتقط أنفاسه:
“لكنها ما زالت بطيئة.”
هز راينهارت رأسه قليلًا.
“القوة موجودة عندك. هذا واضح.
لكن الخبرة تأتي من القتال، وليس من التدريب وحده.”
صمت أريس قليلًا.
كان يعرف أن هذا صحيح.
يمكنه أن يتدرب آلاف المرات…
لكن دون قتال حقيقي لن يتطور كثيرًا.
نظر إلى الجنود الذين يتدربون حوله.
أعاد أريس السيف إلى مكانه.
شعر بتعب في ذراعيه، لكنه لم يندم.
على العكس، شعر أنه بدأ يفهم الطريق الذي أمامه.
القوة وحدها لا تكفي.
يجب أن يكتسب خبرة… خطوة بعد خطوة.
عند مغادرته الساحة، توقف للحظة ونظر إلى المدينة من بعيد.
الدخان يتصاعد من البيوت، أصوات الناس في السوق، والجنود يتدربون.
كل شيء كان يتحرك.
لم يعد المكان مهجورًا كما كان.
أدرك أريس أن ما يحدث الآن مجرد بداية.
المدينة بدأت تتحسن.
والآن… جاء دوره ليتحسن هو أيضًا