الفصل السادس: طريق الجنوب
اصطف الجنود في ساحة القصر منذ الصباح الباكر. صفوف طويلة من الدروع الرمادية والرماح المنتصبة، لا فرق كبير بينهم في الشكل أو القوة. كانوا جميعًا تقريبًا في نفس المستوى القتالي، مستوى يُعرف بين الجيوش باسم المرتبة الأساسية — الجنود الذين تلقوا تدريبًا كافيًا للقتال، لكنهم لم يصلوا بعد إلى مستوى المحاربين المميزين.
خلف الصفوف وقف ثلاثة فقط يختلفون عن البقية. دروعهم أثقل، أسلحتهم أفضل، وحركتهم أكثر ثقة. هؤلاء كانوا من مرتبة المحارب المتقدم، وهم الأقوى بين الجنود المرافقين.
وفي مقدمتهم وقف قائدهم.
رجل في منتصف الثلاثين، كتفاه عريضتان، يحمل سيفًا طويلاً على ظهره. اسمه كان راينهارت،
المحارب متقدم ، قادر على قيادة وحدة كاملة في المعركة.
وقف أريس ينظر إلى المشهد للحظة، ثم صعد إلى العربة المخصصة له. كانت عربة متينة، مغطاة بخشب سميك، ومجهزة للرحلات الطويلة.
بعد لحظات، صعد رجل آخر وجلس أمامه.
كان ألبرت.
رجل في الخمسين تقريبًا، شعره بدأ يشيب، لكن وقفته مستقيمة ونظرته حادة. كان كبير الخدم والمشرف الإداري على ممتلكات العائلة منذ سنوات طويلة.
أغلق باب العربة، وبدأت القافلة تتحرك ببطء خارج أسوار القصر.
اهتزت العربة قليلاً مع حركة الطريق، ثم استقر الإيقاع.
تكلم أريس أولاً.
“ألبرت… أخبرني عن فارنتين.”
أجاب ألبرت مباشرة، وكأنه كان ينتظر السؤال.
“أرض واسعة جدًا يا سيدي. تقع في أقصى جنوب القارة. لها ساحل طويل على البحر، لكن معظم الأراضي داخلية — غابات، سهول، وبعض التلال.”
صمت لحظة، ثم تابع:
“عدد السكان قليل. القرى متباعدة. بعض المناطق لا يعيش فيها أحد إطلاقًا.”
نظر أريس من نافذة العربة إلى الطريق الممتد أمامهم.
“وماذا عن الخطر؟”
تنهد ألبرت بخفة.
“آخر غزو كبير من الوحوش كان قبل ثلاث سنوات. هاجمت مجموعة من وحوش الغابة قرية ساحلية. لم يكن هناك جيش كافٍ للدفاع عنها وقتها.”
سأل أريس:
“هل الهجمات متكررة؟”
“ليست يومية… لكنها تحدث. خاصة في المناطق البعيدة عن التجمعات السكانية.”
سكت قليلًا، ثم أضاف:
“هناك أيضًا عشائر بدائية تعيش في الجنوب. ليسوا أعداء دائمين، لكنهم لا يخضعون لأي حكم. يتنقلون حسب المواسم.”
اهتزت العربة فوق حجر في الطريق، ثم استقرت.
قال أريس:
“كم ستستغرق الرحلة؟”
“يومان متواصلان. الطريق الأول عبر السهول آمن، لكن بعد ذلك سنصل إلى منطقة التلال الجنوبية. هناك طريقتان للوصول.”
رفع أريس نظره.
“اشرح.”
أخرج ألبرت خريطة صغيرة من حقيبته، ونشرها بينهما.
“الطريق الأول يمر عبر وادٍ ضيق. أقصر بيوم تقريبًا، لكنه خطير. إذا كان هناك كمين أو وحوش، سيكون من الصعب المناورة.”
أشار إلى خط آخر على الخريطة.
“أما الطريق الثاني فهو أطول، يلتف حول التلال. آمن أكثر، لكنه يضيف نصف يوم إلى الرحلة.”
بقي أريس ينظر إلى الخريطة دون تعليق لعدة ثوانٍ.
ثم قال ببساطة:
“سنأخذ الطريق الآمن.”
أومأ ألبرت فورًا.
“قرار جيد.”
خارج العربة، كانت أصوات حوافر الخيول منتظمة. الجنود يسيرون في تشكيل ثابت، والغبار يرتفع خلف القافلة.
بعد فترة صمت قصيرة، قال أريس:
“ألبرت.”
“نعم يا سيدي.”
“الجنود… كيف مستواهم؟”
ابتسم ألبرت ابتسامة خفيفة.
“معظمهم في المرتبة الأساسية. يمكنهم القتال جيدًا ضمن تشكيل. أما الثلاثة في المقدمة فهم محاربون متقدمون.”
ثم أضاف:
“القائد راينهارت… قوي جدًا. خدم العائلة عشر سنوات.”
أومأ أريس ببطء.
مرت دقائق أخرى، والعربة تواصل طريقها.
أخيرًا قال ألبرت بصوت هادئ:
“فارنتين أرض فارغة تقريبًا يا سيدي… لكنها غنية. التربة جيدة، والمياه متوفرة، والساحل يمكن أن يصبح ميناءً مهمًا.”
نظر إليه أريس.
“لكنها تحتاج وقتًا.”
أجاب ألبرت:
“نعم. وقت… واستقرار.”
سادت لحظة صمت طويلة.
خارج العربة، بدأ الطريق ينحدر تدريجيًا نحو الجنوب، والهواء أصبح أكثر دفئًا.
بعد ساعات من السير، ظهرت التلال البعيدة في الأفق.
قال ألبرت وهو ينظر من النافذة:
“من هناك يبدأ الجنوب الحقيقي.”
لم يرد أريس.
فقط استمر في النظر إلى الطريق الممتد أمامهم.
القافلة تواصل حركتها بثبات، والجنود يسيرون دون توقف.
رحلة يومين بدأت الآن.
ونهايتها ستكون عند حدود فارنتين