الفصل الثاني: تسوي هي
عندما سمعت السيدة تشنغ كلام لي تشي، امتلأت يأسًا، لكنها لاحظت بعدها ابتسامةً ترتسم على شفتيه. فاستغربت كيف لابنها، الذي لم تكن تراه محبَطًا بل قادرًا حتى على الابتسام، أن يتفاعل هكذا. فلي تشي لم يكن سريع البديهة، وكان يتعرض للتنمّر أحيانًا، لكنه لم يكن أحمق. فكيف يبتسم حين يُقال له إنه قد يصبح خادمًا؟ هل ضغط عدم القدرة على سداد الدين جعله يفقد صوابه فعليًّا؟ وبعد تفكير طويل، سألته السيدة تشنغ بحذر: «يا تشي، في هذا الموقف العصيب، كيف تستطيع الابتسام هكذا؟»
اتجه لي تشي نحو جرّة الماء، فغرف دلواً منه وشربه، ثم قال بهدوء: «يا أماه، لا تقلقي، لديّ طريقي الخاص لجمع المال، ولا أحتاج إلى مساعدة العم الثاني.»
بعد أن انتقلت روح لي تشي إلى جسد ذلك الشاب في أواخر عصر مينغ، قبل بكل العلاقات المحيطة به كواقعٍ جديد. فهذه العلاقات كانت أساس بقائه ونجاحه في هذا العصر، ولم يكن بوسعه التخلي عنها. فمثلًا، مناداته للسيدة تشنغ بـ«يا أماه» لم تكن تُشكّل أي عائق نفسي لديه.
ولدى سماعها كلماته، بزغ وميض أمل في عيني السيدة تشنغ، فسألته بحماس: «يا تشي، وما هي طريقتك؟»
نظر لي تشي إلى أمه، وهو يحسب في نفسه كيف ينقذ عائلته من الإفلاس الوشيك.
قبل انتقاله عبر الزمن، كان لي تشي مصمّمًا صناعيًّا متمرسًا.
والمصمم الصناعي هو من يُعنى بتصميم المظهر الخارجي والهيكل العام للمنتجات الصناعية. وبسبب طبيعة عمله، احتك لي تشي بأنواع شتى من المنتجات، وكان عليه لكل تصميم أن يلمّ بعمق بعملية التصنيع والحرفية الخاصة بالمنتج، ليُنجز تصميمه استنادًا إلى اعتبارات عملية.
وبعد سنوات من الخبرة، أصبح لي تشي على دراية واسعة بتصنيع العديد من المنتجات الحديثة. من أشياء صغيرة كممحاة الأطفال الشفافة، إلى منتجات كبيرة كنسخ الدراجات الهوائية، تعامل مع حالات كثيرة ودرس بعناية هياكلها وآليات إنتاجها. ورغم أن معظم المنتجات الحديثة تتطلب نظامًا صناعيًّا متكاملاً لا يمكن إيجاده من العدم، فإن بعضها الآخر تكفيه تقنيات تصنيع بسيطة يمكن تنفيذها باستخدام الوسائل التقليدية.
وبانتقاله إلى أواخر عصر مينغ، أصبحت معرفته هذه كنزًا ثمينًا يمكن توظيفه. ومع هذه المعرفة، آمن لي تشي بأنه قادر على تغيير مصير عائلة لي.
قال لي تشي لأمه: «يا أماه، لا تقلقي، فلديّ طريقي الخاصة. ستعرفين حين أنجح.»
نظرت السيدة تشنغ إليه بنوع من التشكك. فمنذ متى تحدّث هذا الابن، المشهور ببطء فهمه، بهذا الثقة؟ لكنها، بدافع إيمانها بولدها، بدت وكأنها تصدّقه قليلًا.
قال لي تشي مؤكدًا: «يا أماه، انتظري في المنزل بهدوء، فسأجمع المال بنفسي!»
وبسماعها كلماته، شعرت السيدة تشنغ ببهجة خفيفة. فليست كلماته مصدر أمل في موقف يائس فحسب، بل كانت مشجعة أيضًا. والأمر المفرح أيضًا أن ابنها، الذي كان دائم الصمت وبطئ الفهم، صار الآن يتفوّه بكلمات تُواسيها.
ولما لم يزد لي تشي تفصيلًا، لم تُلحّ السيدة تشنغ في السؤال. فانحنت برأسها وعادت إلى الصالة الرئيسية، وجلست مجددًا أمام النول.
ورآها لي تشي تعود، فوضع دلو الماء جانبًا.
في عصر مينغ، كان الرجال يحتلون مكانة أعلى من النساء. وبما أن والده لي تشنغ قد توفي، وكان لي تشي قد بلغ سن الرشد، فقد أصبح هو رب الأسرة الآن. ولم يتبقَّ للعائلة سوى خمس قطع نحاسية، جميعها تحت يد لي تشي. فضمّ إحداها في كمّه، وراح يتأمل ما يمكنه فعله لكسب الفضة وسداد الدين، ثم خرج من الفناء متوجهًا إلى الطريق.
وما إن خرج من الفناء وخطا بضع خطوات، حتى رأى رجلًا وامرأة مألوفَين يقتربان منه.
«تسوي هي! انتظريني. لماذا لا تلتفتين إليّ؟»
التفت لي تشي نحو الصوت، فرأى فتاةً ساحرة الجمال تقترب.
كانت في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمرها، ترتدي تسريحةً على شكل كعكة تشبه الخوخ، وسترةً محشوةً مزركشةً بلون أحمر زاهٍ في الأعلى، وتنورةً حريريةً بيضاءَ بسيطةً مطرزةً بزهور خضراء في الأسفل، وأحذيةً حريريةً مطرّزةً بأنماط منقوشة في القدمين. وكانت تشعّ جمالاً وسحرًا، وربما تكون من أجمل الفتيات في مدينة تيانجين، وهي ليست سوى تسوي هي، ابنة السيد تسوي.
أما السيد تسوي، فكان عالمًا وطالبًا حكوميًّا، تتمتّع عائلته بمكانة رفيعة، وتتاجر في التوابل القادمة من جنوب شرق آسيا، وكانت تُعَدّ من أثرى البيوت في حي جينغبيان الواقع في المدينة الشرقية.
أما الشاب الذي يسير خلفها، فكان في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، طويل القامة نحيل الجسم، يرتدي قبعة دونغبو ورداءً حريريًّا مستقيم القصة فوق ملابسه الجلدية. وكان وسيم المظهر، لكن وجهه النحيل يحمل هالةً شريرةً تخلو من الوقار الرجولي. وهو ليس سوى شياو غوانغوي، الابن الأكبر لعائلة شياو المقيمة في حي جينغبيان بالبلدة الشرقية.
وكانت عائلة شياو تتاجر في اللآلئ المستوردة من جنوب شرق آسيا، وكانت تمتلك ثروةً لا يستهان بها. والفضة التي استلفتها عائلة لي كانت من عائلة شياو.
ونظرًا لأن تسوي هي وشياو غوانغوي نشآ في نفس الحي وقاربا لي تشي في السن، فقد كانوا أترابًا منذ الصغر، وعلى معرفة وثيقة ببعضهم. وفي هذه اللحظة، رغم سير تسوي هي وشياو غوانغوي خلف بعضهما، فإن تسوي هي لم تكترث لشياو غوانغوي الذي كان يلاحقها، بل سارت بسرعة حتى لمحَت لي تشي يخرج من فناء منزله.
وحين رأته، توقفت وقالت بابتسامة: «لي تشي، سمعتُ أنك ذهبت لتقترض مالاً.»
أومأ لي تشي برأسه وأجاب: «ولم أنل شيئًا!»
عبست تسوي هي قليلًا وسألت بفضول: «فإن لم تتمكن من الاقتراض، فسيؤخذ منكم المنزل لسداد الدين. فماذا ستفعل عائلتك المكوّنة من ثلاثة أفراد؟»
نظر لي تشي إلى تسوي هي الفضولية، فأجاب بهدوء: «قال لي العم الثاني إنه إن لم أستطع جمع المال، فسيكفل لي وللي شينغ لنعمل خادمين عند أحدهم.»
عند سماعها ذلك، ضحكت تسوي هي ضحكةً صافية وقالت: «ستصبح خادمًا؟ إذاً تعال اعمل خادمًا في منزلنا. فأنت صادق الطوية، ولن أوبّخك!»
ورغم أن لي تشي كان بطيء الفهم منذ صغره، فإن تسوي هي لم تكن تكرهه أبدًا. ووصفها لبطئه بأنه «صدق» كان تعبيرًا رقيقًا منها يراعي مشاعره في هذا السياق.
وفيما كانت هذه الجمل تُتبادل، كان شياو غوانغوي قد لحق بهم من الخلف. فشياو غوانغوي كان دائم الإعجاب بتسوي هي، لكنها لم تكن توليه اهتمامًا يُذكر. وعندما رآها تبتسم وتتحدث مع لي تشي، اسودّ وجهه، وأوشك أن يثور عليه.
قال شياو غوانغوي بغضب: «لي تشي، بأي حق تتمادى هنا؟ فبعد ثلاثة أشهر يحين موعد سداد الفضة التي عليك لعائلتي. أصل المبلغ خمسون تايلًا، مع فائدة 3% لمدة سنتين، فيصبح المجموع ستة وثمانين تايلًا من الفضة.» ثم هزّ كمّه وأضاف: «فإن لم تسدد الفضة، فالمنزل الذي رهنتموه لعائلتي سينتقل ملكيته لعائلة شياو. هل فهمت؟»
أجاب لي تشي بهدوء: «فهمت.»
ورأى شياو غوانغوي أن لي تشي ما زال يتصرّف كالأبله، فيكتفي بالموافقة دون اعتراض، فاستهزأ قائلًا: «فبأي جرأة تتحدث مع الآنسة تسوي هنا؟ فستصبح في المستقبل مشردًا بلا مأوى، أو على أحسن تقدير خادمًا في بيت غيرك! ومع ذلك تجرؤ على المزاح مع الآنسة تسوي؟»
أما تسوي هي، فلما سمعت شياو غوانغوي يجرّها إلى الحديث ويمنع لي تشي من مخاطبتها، عبسَت وهمّت بتوبيخه. لكنها سمعت لي تشي يقول قبل ذلك: «شياو غوانغوي، لا تستعجل. فموعد السداد لم يحن بعد، فما زال أمامنا ثلاثة أشهر. سأعيد لك المال حينئذٍ، فلا داعي لكل هذا الضجيج في كل مكان.»
«أنتَ!!»
غلي شياو غوانغوي غضبًا حين سمع لي تشي يردّ عليه. فكيف لهذا الوضيع الذي أوشك أن يُطرد إلى الشارع أن يتجرّأ على التكبّر أمامه؟ فاستشاط سخطًا ولعن قائلًا: «لا تتفاخَر الآن. فإن أغضبتني، فلن أترفق حين آخذ المنزل!»
فردّ لي تشي: «أنت تأخذ منزلنا أصلاً، فهل هذا ترفّق؟ فكيف لك أن تترفق أو لا تترفق؟»
ولما رُدّ عليه لي تشي مرة أخرى، بدا شياو غوانغوي مشوّش التفكير، وقد احمرّ وجهه غيظًا. فمنذ متى صار هذا الأبله لي تشي حادًّا هكذا؟ حتى أنه لم يعد قادرًا على المجادلة معه!
أما تسوي هي، فلما رأت لي تشي يتحدث بثقة، سألته بفضول: «لي تشي، ما هي طريقتك؟ وكيف ستجمع كل هذه الفضة؟»
ورأى لي تشي أن الفتاة الجميلة تهتم لأمره، فضرب على صدره وقال بجرأة: «لي طريقتي الخاصة، فانتظري أخباري السارة.»
ولدى رؤية ثقته، سُرّت تسوي هي أيضًا، فارتفعت على أطراف أصابعها وقالت: «حسنًا، سأنتظر لأراك تجني ثروةً وتسدّد الدين.»
غمز لي تشي بعينه لتسوي هي، ثم انطلق نحو الشارع الرئيسي في المدينة الشرقية. وعندما رأت تسوي هي تلك الإشارة الصغيرة، ضحكت ضحكةً مدوية، مما أغاظ شياو غوانغوي إلى أقصى حد.