**في الأزرق الشمالي، جزيرة داونز، عام 1496.**
**على شارعٍ مُتهالكٍ منازله، يسير فتىً صغيرٌ لا يتجاوز الثامنة من عمره ، لكنّ قامته تُلامسُ طولَ رجلٍ بالغٍ .
بشرةٌ بيضاء ، وشعرٌ أسود، وعينان سوداوان تملؤهما نظرةٌ باردة. يرتدي بنطالًا أسود وقميصًا أبيض وسترةً سوداء، مظهرٌ يُعبّر عن وضعٍ اجتماعيٍّ مُتواضعٍ، فملابسه باليةٌ قليلاً.**
**يمشي الفتى ببطءٍ حتى وصل إلى ميناءٍ مكتظٍّ بالناس الذين يحملون البضائع ذهابًا وإيابًا.**
**تقدّم الفتى حتى وصل إلى سفينةٍ كبيرةٍ نسبيًا ذات ثلاثة صواري، حيثُ يُنزلُ العمالُ البضائعَ إليها تباعًا.**
**"هُناكَ أنتَ يا غراي، ساعدني بحمل هذا !"** نادى به شخصٌ في منتصف العشرينات من عمره، ببنيةٍ قويةٍ وشعرٍ بنيّ قصيرٍ وبشرةٍ تميلُ إلى السمرة، وعلى وجهه ابتسامةٌ عريضةٌ.
**"أهلاً يا عمّ بيل،" ردّ غراي بابتسامةٍ لطيفةٍ. ثمّ حملَ منه صندوقًا خشبيًا متوسطَ الحجم ممتلئًا بالبضائع، وزنهُ يُقاربُ الثلاثين كيلوغرامًا. على الرغمِ من صغرِ سنهِ، إلا أنّهُ تمكّنَ من حملِ الصندوق بسهولةٍ، ممّا يدلّ على قوّةِ البدنِ لدى سكّان هذا العالم.**
**"شكرًا لكَ يا غراي، سأُعطيكَ بعضَ اللحمِ لاحقًا، هاهاها!"** قال بيل ضاحكًا.**
**ابتسم غراي لهذا الشخصِ ثُمّ تحرّكَ حاملًا الصندوقَ ناحيةِ الدرجِ الخشبيّ للسفينة وصعدَ إلى الأعلى.**
**كان هناك بعضُ العمالِ يحملون الصناديقَ مثلَ غراي، ذاهبينَ بها إلى مخزنِ السفينة.**
**كان المخزنُ أسفلَ سطحِ السفينة. سرعانَ ما وصلَ غراي إلى المكانِ المخصّص لتخزينِ البضائع. كان يقفُ هناك بعضُ الأشخاصِ الذين يتسلّمونَ هذه البضائعَ ويضعونَها في أماكنَها المخصّصة.**
**"مرحباً عم ري، هذا من العمّ بيل،" قال غراي بابتسامةٍ لأحدِ الأشخاصِ الذين يقفون أمامَ المخزنِ وسلّمهُ الصندوق.**
**التفتَ الرجلُ في منتصفِ العمرِ ذو الشعرِ الأحمرِ المجعدِ والذقنِ الكثيفةِ إلى الطفلِ: "مرحباً غراي، لمْ أركَ منذ مدةٍ، كانت الرحلةُ الماضية..."**
**كان الشخصُ على وشكِ الكلامِ، لكنّ غراي قاطعهُ وسلّمهُ الصندوقَ وقالَ:**
**"هل رأيتَ العمّ بنّ في أيّ مكان؟ لمْ أجدْهُ عندما أتيتُ."**
**"حسناً، قد تجدُهُ في أحدِ المطاعمِ القريبةِ من الميناء أو في أحدِ الحاناتِ،" قال ريّ.**
**"شكرًا لكَ يا عمّ ريّ،" قال غراي مع ابتسامةٍ ثمّ ودّعهُ.**
**"حسناً، ألنْ تسمعَ بقيةَ القصةِ؟"** سأل ريّ.**
**"ربما في المرةِ القادمة،" قال غراي وهو يمدّ بخطواتهِ لتجنّبِ هذا المتحدّثِ الذي لا يملّ من الحديثِ.**
**بعدَ الصعودِ إلى سطحِ السفينة، اتّجهَ غراي ناحيةَ الدرجِ مجدّدًا. لكن قبلَ أنْ ينزلَ لأسفلَ، لمحَ بعينيهِ شابًا يمشي ناحيةَ الدرجِ بغيةِ الصعودِ. كان يلقي التحياتِ على الآخرين من وقتٍ لآخر.**
**كان الشاب يضع يده على سلاحٍ مُعلّقٍ على جانبه الأيمن، بينما يمسك بِسيجارةٍ بين أصابع يده الأخرى. ارتدى قميصًا أسود علي شكل حرف v وبنطلونًا أخضر، ولفّ قماشةً صفراء حول خصره. أما شعره الأسود، فقد ربطهُ بذيل حصان.**
**إنه بين بيكمان، حارسُ هذه القافلة التجارية، ورغم صغر سنه، إلا أنه يُعتبر قائدًا لهذه السفينة.**
**غراي يهتمّ بهذا الشاب كثيرًا، فهو يعلم جيدًا أنّه يقف أمام نائب اليونكو المستقبلي، شانكس.**
** ' لا أستطيع أن أصدق أنّ كل ما يحدث حقيقي وأن هذا الشخص هو نائب اليونكو المستقبلي . ' فكّر غراي مع تنهيدةٍ عميقة.**
**قبل أربع سنوات، كان لدى غراي عائلةٌ سعيدةٌ تتكوّن من أمّ وأبٍ وشقيقين اثنين. لكنّ كلّ شيءٍ تغيّر بعد دخوله في غيبوبةٍ دامت عامًا كاملاً. خلال تلك السنة، حلم بحياةٍ عاشها اثنا عشر شخصًا. وعندما استيقظ، فوجئ بِوفاة جميع أقاربه، ممّا شكّل صدمةً قاسيةً له. وبعد ذلك، اكتشف سببَ هذه المأساة.**
**كان هناك كتابٌ يُدعى "مذكرة القالب" هو السببُ وراء وفاة جميع الأشخاص المُقربين منه. كان هو الملكَ في هذه القصة، بينما كان اثنا عشر شخصًا آخرين يُشكلون ما يُعرف بِـ"التابوت".*
* بالأضافة إلي ذلك تم أضافة معلومات متعلقة بعالمه ، ، قطعة واحدة *
** نظر غراي إلى بين بيكمان الذي كان يصعد الدرج، بينما كان بين بيكمان ينظر إليه بهدوءٍ . **
**عندما وصل بين بيكمان إلى أعلى الدرج، أخذ نفسًا عميقًا من سيجارته، ثمّ زفّره ببطءٍ وقال لغراي: "ماذا تفعل هنا يا فتى؟ ألم أخبرك أنّني لن آخذك معي؟"**
**ابتسم غراي بلطفٍ ولمس مؤخرة رأسه وقال: "كنتُ أنقل البضائع فقط. وإذا لم تصدقني، اسأل العمّ بيل." ثمّ أشار إلى الشخص الذي كان يقف امام السفينة .**
**حدّق بين بيكمان في غراي بتأمّلٍ لِبعض الوقت، ثمّ قال: "حسناً، يمكنك الرحيل الآن."**
**"حسناً، هاهاها! هل لا يمكنني حقًّا الذهاب معك؟"** سأل غراي بِابتسامةٍ مُحرجةٍ قليلاً.**
**حدّق بين بيكمان في غراي مرةً أخرى وعبس وقال: "أخبرتك أنّك لن تذهب معي. البحر ليس مزحةً، وأنا كسولٌ جدًّا لِأعتني بك."**
**"حسناً، لا تُغضب. سأذهب الآن."** قال غراي بِنظرةٍ حظينةٍ وهزّ رأسه. وبينما كان على وشك الرحيل، هبطت يدٌ على رأسه.**
**"يا فتى، البحر خطيرٌ عليك الآن. أعلم أنّك تشعر بالملل... حسناً، لا تهتمّ بهذا. فقط انزل من السفينة."**
**هكذا قال بين بيكمان، ثمّ ترك غراي واقفًا هناك ونزل إلى المقصورة السفلية للسفينة.**
**نظر غراي باتّجاه الميناء وابتسم ابتسامةً عريضةً، تختلف تمامًا عن الابتسامة المُزيفة التي كان يُخفيها على وجهه.**
**"لقد تمّ الأمرُ ."** هكذا فكّر غراي وهو يبتسم للشخص الذي يحيه .
**بعد نزوله من السفينة ، سفينة تجاريةٍ قادمةٍ من الأزرق الغربي. كانت القافلة محمّلةً بالبضائع عند قدومها، وستغادر محمّلةً بالمزيد. اعتادت هذه القافلة التوقف في جزيرة داونز لمدّة عشرة أيامٍ قبل أن تكمل رحلتها.**
**تعامل غراي مع تجار هذه القافلة لمدّة سنتين، حيث كانوا يزورون داونز بشكلٍ دوريّ ، كل سنة ، ورغم أنّ داونز جزيرةٌ غير مزدهرةٍ، إلّا أنّ التجار يجدون فيها فرصًا للربح طالما وجدوا فيها بشرًا.**
**منذ سنتين، عندما رأى غراي بين بيكمان للمرة الأولى، قرّر أن يجعله أحد " حارسي التابوت ". فبين بيكمان هو نائبُ أحد أقوى الأشخاص في البحر في المستقبل.**
**"لا بدّ من عدم التسرّع في هذه الخطوة. لا أعلم إن كان بين بيكمان سيقبل عرضي أم لا." هكذا فكّر غراي .**
**أخرج غراي نفسه من أفكاره عندما لفت انتباهه شارع مُحترقٌ ملئٌ بالرماد، كأنّ قنبلةً قد انفجرت في المكان.**
**ابتسم غراي ومضى قُدمًا حتى وصل إلى منزلٍ محترقٍ غطّاه الرمادُ والأتربة.**
**دخل غراي المنزلَ بِابتسامةٍ على وجهه وقال :
"مرحبًا دوفي، آسف على التأخير. كما تعلم، لديّ بعض الأمور المُهمّة التي يجب أن أُهتمّ بها."**
**على كرسيٍّ نظيفٍ وسط ذلك المشهد المُليء بالرماد، جلس شابٌّ في مرحلة البلوغ. كان يرتدي نظاراتٍ حمراء غريبةً وشعرًا أصفر، وارتدى رداءً أسودَ طويلًا وبنطلونًا قصيرًا. عبسَ الشابُّ عندما رأى غراي.**
**"لقد تأخّرت كثيرًا، يا غراي."**