مهما كررت هذا الأمر، فربما لن يعتاد عليه المرء أبدًا.
تنهدت وأنا أجلس على المقعد، عاقدًا حاجبي بسبب أسوأ صحوة مررت بها للمرة التي لم أعد أستطيع عدّها.
"مرة أخرى... متُّ."
«نيست»... أدركت أخيرًا أن تلك اللعينة كانت جدارًا يستحيل تجاوزه، بل يزداد صلابة كلما حاولت التغلب عليه.
اندفعت لمواجهتها مباشرة، وحاولت التفاوض معها، واعتمدت على سلطة الدولة، بل وتوسلت إلى شخص غريب تمامًا ليساعدني.
لقد جرّبت كل ما بدا منطقيًا بالنسبة لي...
وهذه كانت النتيجة.
منذ البداية، لم يكن هناك أي احتمال لأن ينتصر موظف عادي على قاتلة محترفة اعتادت سفك الدماء.
كان ينبغي أن أدرك ذلك منذ البداية.
"لكن... هل يكفي أن أهرب؟"
لن تُنقذ تلك الفتاة.
وأنا أعرف ذلك أكثر من أي أحد.
"لقد رأيت...
حياة تلك الفتاة التي فقدت عائلتها.
تعيش وحدها... داخل منزلٍ خاوٍ."
أنا الوحيد القادر على تغيير مصيرها في هذا العالم.
أن أخاطر بحياتي من أجل طفلة التقيتها في ذلك اليوم فقط...
كان أمرًا أحمق، حتى في نظري أنا.
لقد كنت طيبًا أكثر مما ينبغي، وحتى لو وصفني الآخرون بالمنافق، فلن أستطيع إنكار ذلك.
...لكنني لا أريد الهرب.
"إن هربت الآن...
فسأظل أندم على ذلك طوال حياتي."
حتى لا أعيش أسيرًا للندم...
وحتى أتمكن من مواصلة التقدم.
ظللت أردد ذلك لنفسي.
وبكل ما أملك من يأس، حاولت التفكير في شيء لم أجربه بعد.
"ما الذي لم أجربه؟
ما الذي لم أختبره حتى الآن؟"
في مثل هذه المواقف، أول ما يخطر في البال هو الهجوم الانتحاري.
بما أنني أستطيع العودة إلى نقطة البداية مهما مت، فيمكنني التضحية بحياتي مرارًا حتى أتعرف تدريجيًا على أنماط تحركاتها.
لكن إن فعلت ذلك...
فسأحطم شيئًا يجعلني إنسانًا.
لم أرد أن أتحول إلى مجرد قشرة فارغة.
لقد ذقت ما يكفي من الألم...
وما يكفي من المعاناة...
وما يكفي من البؤس.
"كما أنني لا أملك أصلًا المهارة التي تمكنني من القتل بهذه الطريقة.
إذًا، لن أعتمد على أساليب القتل.
بل سأبحث عن وسيلة أبقى بها حيًا، وأجبر أعدائي على التراجع.
على الأرجح...
هذا كل ما أستطيع فعله."
وضعت يدي على جبيني، وأخذت أجول ببصري كأنني أبحث عن شيء.
ثم توقفت عيناي عند الحقيبة الموضوعة بجانبي.
"...الحقيبة.
الآن بعد أن فكرت في الأمر."
فتحتها ونظرت إلى محتوياتها.
يبدو أن «نيست» لم تعبث بما فيها كثيرًا.
وبالنسبة لي، لم تكن سوى أشياء أستخدمها في حياتي اليومية.
لكن...
لم يرَ أحد في هذا العالم مثلها من قبل.
ولو استطعت استغلالها جيدًا...
فربما...
"همم... ماذا كان بداخلها أصلًا؟"
أخرجت محتويات الحقيبة ورتبتها فوق المقعد.
هاتف ذكي.
سلك شحن.
جهاز لوحي.
سماعات أذن.
دفتر ملاحظات.
أدوات كتابة.
بخاخ لإنعاش رائحة الفم.
بخاخ للشعر.
رواية.
ضمادات.
منديل.
كاميرا رقمية.
علبة سجائر.
ولاعة «زيبو».
زيت للولاعة.
منفضة سجائر محمولة.
وأربعة مستندات عديمة الفائدة داخل ملف شفاف.
أما في جيبي، فكان هناك محفظتي وحافظة بطاقات العمل.
وكان الرصيد المتبقي معي 52,640 ينًا .
يكفي في الوقت الحالي.
من بين هذه الأشياء...
أيها قد يكون فعالًا ضد «نيست»؟
"...صحيح.
هاتان."
التقطت الهاتف الذكي والجهاز اللوحي.
مهما بلغت من الذكاء، فمن المؤكد أنها ستصاب بالحيرة أمام تقنية جاءت من عالم آخر.
لكن المشكلة...
ماذا سأفعل بعد ذلك؟
حتى لو فتحت لها ثغرة للهجوم، فلم يكن لدي الآن أي وسيلة لاستغلالها.
ولو بحثت، فقد أجد متجرًا يبيع السيوف.
لكن السيف لن يفيدني في هذا العالم.
على أقل تقدير، أحتاج إلى سكين صغيرة...
أو خنجر...
بل حتى سكين مطبخ أستطيع استخدامه بالفعل.
"أظن أنني سأبحث في متجر البضائع العامة."
وبمجرد أن اتخذت قراري، وقفت.
وعندها وقع بصري على متجرٍ وحيد.
على الضفة الأخرى من النهر، كان هناك متجر صغير قديم يبيع الأدوات المختلفة، يلفه الهدوء ولا يُسمع فيه سوى زقزقة العصافير.
وأمام المتجر، الذي كانت تُعرض فيه الكتب والعصي السحرية، وُضعت مرآة بسيطة متواضعة، يغطيها غبار خفيف.
رفعت الجهاز اللوحي في يدي، ثم قارنته بالمرآة التي أمامي.
"...مرآة.
أجل...
هذه هي."
أعدت جميع أغراضي بسرعة إلى الحقيبة، ثم اندفعت وسط شوارع المدينة المزدحمة.