"دب، هاه؟"
تمتم نيو بهذه الكلمات بصوت منخفض.
أطلق زفرة صغيرة وأومأ لنفسه.
"حسنًا، شكرًا لمساعدتك،" قال.
أومأ الفتى بدوره.
لم يطلب أي شيء مقابل إنقاذ نيو، فخرج نيو من الكوخ.
في الخارج، بدا المشهد في القرية مشابهًا للكوخ.
كان المكان في حالة سيئة.
كانت معظم المنازل أكواخًا طينية بأسقف رقيقة وجدران متشققة.
تقدم نيو ولاحظ عدة أشخاص يحدقون فيه.
بعضهم نظر إليه مباشرة.
وآخرون تطلعوا إليه من داخل منازلهم.
كان يستطيع سماع همساتهم حتى من مسافة بعيدة.
"هل هو مزارع؟"
"المنطقة التي تم إنقاذه منها كانت مدمرة بالكامل. إذا نجا من معركة كهذه، فلا بد أنه واحد منهم."
"ماذا لو كان فنانًا قتاليًا؟"
"شش! لا تقل شيئًا مشؤومًا كهذا."
كانوا يتحدثون وكأنهم يظنون أن نيو لا يستطيع سماعهم.
لم يحاول أحد إيقافه أو الاقتراب منه.
كانوا يختلسون نظرات صغيرة فقط وهو يمر بجانبهم.
واصل نيو السير باتجاه مخرج القرية.
وما إن وصل إلى أطراف المنازل، ظهرت الطفلة الصغيرة مجددًا.
ركضت نحوه وتوقفت مباشرة أمامه.
"هل سترحل، يا عم؟" سألت.
ارتعشت شفتا نيو.
أن يُنادى بالعم جرح كبرياءه قليلًا.
مظهره الحالي كان شابًا، على الأقل في رأيه.
ومع ذلك، كتم اعتراضه.
"نعم،" قال بنبرة هادئة.
"ماذا؟! يجب أن تبقى!" قالت. "لقد ساعدناك! لذلك عليك أن تساعدنا—"
وفي تلك اللحظة، حدث الأمر.
رمش نيو.
انفتحت عيناه وأغلقتا بإيقاع طبيعي.
لكن العالم تغيّر في تلك الرمشة الواحدة.
كان التحول مفاجئًا لدرجة أنه تجمّد في مكانه.
لم تعد السماء زرقاء.
لقد تحولت إلى حمراء ممزقة، كأن مخالب عملاقة قد شقّت السماء إربًا.
ضربته رائحة نفاذة.
لحم متعفن. دم.
كانت الرائحة كثيفة وثقيلة.
ترددت في الهواء عويلات وصراخ.
بدت كأنها أصوات أشباح تبكي بعذاب.
تصلب جسد نيو.
اجتاحه الارتباك.
القرية من حوله لم تعد تبدو فقيرة.
بل بدت مهجورة.
ميتة بالكامل.
كانت الأكواخ مكسّرة ومظلمة.
وقد نبت العشب من خلال الأرضيات.
بدا وكأن أحدًا لم يعش هنا منذ قرون.
لكن ذلك لم يكن أسوأ ما في الأمر.
كل شخص كان قد رآه في وقت سابق…
كانوا الآن هياكل نصف متعفنة.
قطع من اللحم كانت تتدلى عن عظامهم.
الدم يسيل من أجسادهم كتيار لا ينقطع.
الدود يزحف على جلودهم.
والحشرات كانت تلتهمهم وهم أحياء.
حتى الطفلة الصغيرة التي كانت تقف أمامه قد تغيّرت.
كانت ترتدي فستانًا أحمر داكنًا.
نصف وجهها قد ذاب تمامًا.
خفق قلب نيو بعنف.
كان يرى التجاويف الفارغة حيث كانت عينها.
ورغم كونهم جثثًا واضحة، فإنهم جميعًا كانوا يتحركون.
أطرافهم تُجرّ.
رؤوسهم ترتعش.
وفجأة، توقفوا جميعًا.
كل جثة واحدة منهم التفتت نحوه.
انتشر الصمت في الهواء.
ثم، انفتحت أفواههم على اتساعها.
"الداو فاسد!"
خرجت أصواتهم خشنة ومكسورة.
"الداو فاسد!"
انضم آخرون.
"الداو فاسد!"
بعضهم نطقها بلطف.
بعضهم صرخ بها بأعلى صوته.
وبعضهم بكى وهو يردد الجملة نفسها.
تصاعد خوف عميق داخل نيو.
لم يفهم لماذا كان هذا الخوف شديدًا إلى هذا الحد.
لكن الكلمات هزّته حتى أعماقه.
زحف القشعريرة على جلده.
وانتصب الشعر على ذراعيه.
'الداو فاسد!'
ترددت الكلمات مجددًا في عقله.
شهق نيو بخفوت.
تعثر نَفَسه.
تراجع خطوة وفقد توازنه.
سقط على الأرض، ويداه تخدشان التراب.
ثم تجمّد.
نظر إلى نفسه.
انحبس نَفَسه في حلقه.
هو أيضًا كان جثة.
ذراعاه متعفنتان.
جلده يتقشر كقشر شجرة يابسة.
ساقه اليمنى مفقودة.
بدت الإصابة وكأن وحشًا قد مزقها وانتزعها.
تحرك فمه من تلقاء نفسه.
"الداو فاسد!"
حاول نيو أن يغلق فمه.
حاول أن يقاوم.
لكن الكلمات استمرت بالخروج.
"الداو فاسد!"
"الداو فاسد!"
اختلط صوته بأصوات القرويين.
اشتد الخوف الذي قبض على قلبه.
حاول أن يدفع نفسه بعيدًا عن الأرض.
لكن الدم من حوله بدأ ينتشر.
السائل الأحمر ازداد عمقًا وبدأ يبتلعه.
كان يشده إلى الأسفل.
شعر وكأنه يغرق فيه.
أحاط به القرويون. أغلقوا الدائرة عليه.
تقدمت الفتاة خطوة، ووجهها المتعفن بلا تعبير.
"الداو فاسد!"
"الداو فاسد!"
"الداو فاسد!"
"الداو فاسد!"
تعالت الترديدة أكثر فأكثر.
ضغطت على أذني نيو.
وابتلعت كل فكرة.
شعر بجسده يغوص أعمق.
لم يعد يستطيع التنفس بالكاد.
ثم—
تغيّر كل شيء مرة أخرى.
رمش نيو مرة أخرى.
هذه المرة، عاد العالم.
كانت السماء صافية وزرقاء من جديد.
داعب الهواء البارد جلده.
بدت الأكواخ فقيرة، لكنها لم تكن مهجورة.
كان ممددًا على الأرض عند أطراف القرية.
جثت الطفلة بجانبه، تنظر إليه بقلق.
وكان القرويون يقفون في أماكنهم كما كانوا من قبل.
بدوا حائرين، لكنهم قلقون.
"ماذا حدث، يا عم؟ لقد سقطت فجأة،" قالت الطفلة.
"سقطت فجأة؟" كرر نيو.
"نعم،" قالت وهي تومئ برأسها. "لقد انهرت فجأة."
فرك نيو جبينه.
"لم… لم يكن شيئًا،" قال.
نهض ببطء.
ربّت على ملابسه ونفض عنها التراب.
ثم استدار نحو الغابة الشمالية.
لم يحاول القرويون إيقافه.
اكتفوا بمراقبته وهو يبتعد.
دخل نيو الغابة وهو يحاول تهدئة أفكاره.
كانت خطواته ثابتة، لكن ذهنه لم يكن كذلك على الإطلاق.
بدأ يبحث عن الدب.
وفي الوقت نفسه، كان عقله يعود مرارًا إلى ما رآه.
"يبدو أنني كنت الوحيد الذي رأى ذلك."
"لكن ما كان ذلك؟"
حاول التفكير بعقلانية.
"هلوسة؟"
لم يكن لذلك معنى.
إرادته كانت قوية جدًا.
حتى عالم بقوانين غريبة لا يمكنه ببساطة أن يجعله يهذي ويرى أوهامًا.
لا وهم عادي يمكن أن يؤثر عليه بهذه الطريقة.
وحتى لو نجح، لكان قادرًا على تمييز أنه زائف.
"إذًا ما رأيته كان حقيقيًا؟" همس.
كان ذلك أغرب.
حقيقي؟
كيف يمكن لشيء كهذا أن يكون حقيقيًا؟
"ماذا كانوا يقصدون بقولهم. الداو فاسد؟"
حتى مجرد التفكير في العبارة جعله يرتجف.
ارتجافة عميقة وباردة، من عموده الفقري إلى صدره.
شعر وكأن أحدهم أخبره بحقيقة لم يكن ينبغي له أن يسمعها أبدًا.
حقيقة كسرت شيئًا جوهريًا.
هزّ نيو رأسه.
"هذا المكان غريب جدًا،" قال.
تجاوز جذر شجرة.
كانت الغابة من حوله هادئة، لا يُسمع فيها سوى أصوات الطيور.
لكنه لم يستطع الاسترخاء.
"الهلوسة بحد ذاتها غريبة،" تابع. "لكن قول الفتى إن هناك عدة مزارعين هنا هو الأغرب."
أنزل نيو يده إلى الأرض، يتحقق من آثار الدب.
واصل السير.
انتشرت حواسه باحثة عن الخطر.
أجبر نفسه على التركيز.
"هذا المكان هو عالم عنصر الأمل. يُسمّى الأراضي المباركة الحقيقية،" قال بهدوء.
فكّر في المستحق السماوي الذي صنع هذا الكون.
إن كان ذلك الشخص موجودًا، فلا بد أنه كان كاسر سماوات مثل نيو.
فلماذا لا يفعل هذا الشخص شيئًا؟
نيو، أبوليّون، هاديس، دانيال، الشر المطلق، أمّ الرعب، الأبديون…
كلهم تسببوا في الدمار.
ومع ذلك، لم يتدخل أحد.
***
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.