[استعدّي وانتظري إشارتي]

أسرَع في الشارِع تحت أنظار الناس وهلعِهم حتى كادَت الكلاب تُدرِكُه، ولِحُسن الحظ أن أرواَن لا تقوم بِالتعديل على أجساد موظّفيها مثل باقي الدول وإلا فإن سُرعة الحراس ستكون أكبر مِن سُرعة الكِلاب، انعطَف آيدين نحو الزّقاق فرأى مِن الجانِب بِأن الحرّاس قد دخلوا إلى الشارِع أيضاً، نظر أمامَه فوجَد بِأن الزّقاق يقود إلى ساحةٍ مليئةٍ بِالناس وربما تكون سوقاً مفتوحة، ابتسَم في داخِله ثم دخل الزّقاق وغيّر شكلَه وثِيابَه بِسرعةٍ حيث كانت فايري قد تجهّزَت لِتنفيذ الخُطّة.

انتهى مِن تغيِير ثِيابِه وشكلِه فتوقّف عن الجَري وعاد للخلف بِضع خطواتٍ ثم وقف وسار في الاتّجاه المُعاكِس قبل أن تدخُل الكِلاب خلفَه إلى الزقاق، لكنّها لم تُهاجِمه وإنما تجاوزَته وكأنها لم تكُن تتبعُه من الأساس، ما يعني بِأن الزّي الغامِض الذي يلبِسُه يُخفي الرائحة حقاً كما قالت فايري، ومع ذلك.. لم تُكمِل الكِلاب طريقَها وإنما توقّفت في وسط الزّقاق وبدأت تبحَث هنا وهناك وكأنها ضائعة، شعر آيدين بِوصول الحرّاس فتصنّع الفجأة وانحاز نحو الجِدار لِيسمَح لهُم بالمرور، توقّف أحدُهم عِندما رأى حركة الكِلاب بينما واصل الاثنان الآخران حتى وصلا إلى نِهاية الزقاق وخرجا إلى الساحة، نظر الحارِس إلى آيدين قليلاً ثم رفع ناقِل الصوت وتحدّث إلى القِيادة

"لقد أضاعَته الكِلاب يا سيّدي، أخشى بأننا لا نستطيع إيجادَه، أطلُب إعلام الشرطة لِمُساعدتِنا على البحث الميداني"

أرسل الخبرَ ثم نظر مرةً أخرى نحو آيدين وقال له

"سيدي.. هل رأيتَ شاباً يلبِس ثياب موظّفي المحطّة يمرّ مِن هُنا ؟"

كان ينظُر إلى آيدين باحتِرامٍ لِأنه كان يلبِس رِداءً فاخِراً باللون الذهبي، وكان يبدو عليه الوقار وكأنه شيخٌ تابِع لإحدى العشائر القوية، وهذا لِأنه تحوّل إلى النموذَج الثالث الذي يُشبِه عمّه بِوجهٍ حكيم وشعرٍ أشيَب، أومأ آيدين ثم قال بِصوت عمِّه الوقور

"نعم، ظننتُ أنه يُسرِع إلى الحمّام، هل هو مُجرِمٌ خطير ؟"

قال الحارِس

"لا داعي للقلق سيدي، فالشرطة ستبحث عنه وستجِدُه في النهاية كما تفعَل دائماً، أعتذِر منك على الإزعاج، يوماً سعيداً"

قال هذا ثم تبِع أصحابَه لِأنه لم يكُن لِيعتقِد يوماً بأن الهارِب الشاب قد تحوّل إلى مِثل هذا الشيخ الوقور في لمحة عين، ابتسَم آيدين في نفسِه ثم خرج من الزقاق ودخل إلى الشارِع السابِق، لكنّه لم يعُد إلى المحطّة وإنما سلَك شارِعاً آخر يقود إلى حديقةٍ عامّة، وبعد دقائق من المشي بين التماثيل والشُجيرات.. سمِع صرخة فتاةٍ مِن الخلف

"كيآآآآآه ... عجوزٌ مُنحرِف"

فجأة.. بدأَت صرخاتٌ أخرى

"يا له مِن جريء لِيتمشّى بِالملابِس الداخلية"

"استدعوا الشرطة بِسرعة"

"لقد آذيتَ عينيّ ... كيف سأنام اليوم ؟"

في البداية.. كان يعتقِد آيدين بِأنه ليس المقصود، حتى انتبَه إلى أن الزّي الذي كان يلبسُه قد اختفى ولم يعُد يلبِس غير سِروالٍ قصير، وصار شكلُه مُحرِجاً بجِلدِه اليابِس والمليء بالأخاديد، التفتَ يميناً ويسرةً فلاحظ بأن هُناك من يقوم بِتصويرِه عبر أدوات التصوير الشائعة بين الشباب، وبِسبب هذا الموقِف المُحرِج.. أصابَته الحيرَة أكثر مِما كان عليه وهو مُطاردٌ مِن الكِلاب، لذلك هروَل بِسرعةٍ نحو نفقٍ تحت الأرض في وسط الحديقة وكان مُخصّصاً لِلمرافِق الصحّية وله عدّة مخارِج، دخل بِسرعةٍ بينما يصرُخ في نفسِه

[فايري ... ما الذي يحدُث ؟]

قالت بِهدوء

{الخاتم يحتاج إلى الكثير مِن الطاقة البدائية لِيعمَل، ومَخزون الطاقة الذي كان فيه قد انتهى}

صرخ عليها مرةً أخرى

[لِماذا لم تُخبريني ؟]

قالت بِهدوءٍ أكبر

{هذا ليس وقت العِتاب، جِد مكاناً لِتغيِير شكلِك وارتِداء ملابِسك العادية}

عبس وهو ينظُر يميناً وشِمالاً حتى وجد غُرفة عامِل النظافة ولم يكُن موجوداً فيها، دخل إليها وبدأ يرتدي ثِيابَه ثم استعرَض النماذِج الثلاثة التي يُمكِنه تغيِير شكلِه إليها فتغيّرَت تعابيرُه وقال بِصدمة

[لِماذا يوجد نموذجٌ واحدٌ فقط ؟]

قالت فايري

{لأنّك مُجرد فاشِل، فشِلتَ في مُهمّتِك وعرف الجميعُ بأنّك قد تسلّلتَ إلى أروان، وسيبحثون الآن عن الراكِب الناقِص ويعرِفون هوّيتَك باسم هارفي ويصِلون إلى بلدة كوبير، بل وربما قد يجِدون العلاقة بينَك وبين عمّك، وحينها ستكون مُطارداً عالمياً وقد تفقِد حياتَك حتى قبل أن تبدأ التدريب}

تصلّب قليلاً ثم قال

[ولِماذا قد أصير مُطارداً عالمياً ؟]

قالت

{لا أستطيع إخبارَك الآن}

تنهّد واختار النموذج الوحيد المُتبقّى حيث اختفى نموذج هارفي ونموذج عمّه ولَم يبقَ غير نموذج الشاب الناضِج والوسيم، اختارَه وكان قد أنهى ارتداء الثياب التي اشتراها سابقاً من المتجر ثم خرج من غُرفة عامِل النظافة وسلك طريقاً آخر للخروج وهو يسأل

[ولماذا اختفى نموذج عمّي أيضاً ؟]

كان نموذج الرجل العجوز مُفيداً في آخر مرّة، لذلك سألها لعلّها تُرجِعُه، إلا أنها قالت

{لأن الحارِس قد استجوبَك، كما تمّ تصويرُك في الحديقة عاري الجسد، وكل هذا يُمثّل فشلَك في مُهمّة التسلّل، لذلك أخفيتُ النموذجَين المفضوحَين حتى لا يتمّ الوصول إليك}

ابتلَع ريقَه ثم قال

[هل أنا في ورطةٍ كبيرة ؟]

قالت

{أنت في ورطةٍ منذ تعرُّفِك على عمّك، لكنّك الآن لستَ في خطرٍ ما لم تفضَح نفسَك، لذلك أعطيتُ نفسي حرية استخدام قانون الطوارئ لِمنعِك مِن تسريب أي معلومةٍ ضارّة مثل هويتِك أو بلدتِك أو حتى حالة الطقس في الأرض التي كُنتَ تعيش فيها، لأن أي معلومةٍ مهما كانت صغيرةً قد يفضح هُويتَك الحقيقية}

وصل إلى الدرج وصعد نحو الحديقة فوجَد بعض الحركَة في الناحِية الأخرى، لكن القضية لم تكُن كبيرةً جداً حتى تتِم مُحاصرة المرافِق الصحّية والبحث عن العجوز المُنحرِف، ومع ذلك كانت فايري ترى كلّ شيءٍ مِثل أدوات التصوير العامّة حتى لا يترُك وراءَه أي أثر، خرج من الحديقة وركِب عربة أجرةٍ نحو مدرسة أروان للاستفسار حول أمور التسجيل والالتحاق، حلّقَت عربة الأجرة فسأل فايري مرةً أخرى

[ما هو قانون الطوارِئ الذي ذكرتِه ؟]

قالت

{هو خاصيةٌ تسمَح لي بالتصرّف في جسدِك حسب ما أراه مُناسِباً لِسلامتِك، مِثل تعطيل حِبالِك الصوتية عِندما تكاد تذكُر معلومةً حساسة، أو عِلاجِك عِندما تكون مجروحاً وغائباً عن الوعي}

تنهّد بِحسرةٍ لأن فايري لا تملِك أية مشاعِر وستفعَل ما تراه مُناسِباً له، ومع أنها قد تكون على صوابٍ إلا أن آيدين مثل أي شخصٍ آخر لا يُريد أن يتمّ التحكّم فيه أو قمع حرّيتِه، لكنّها على الأقل تقِف في صفِّه وتَتبع أوامِر عمِّه ومُلّاكِها السابقين، ورغم أنها لا تُريد إخبارَه عنهُم إلا أنهم أشخاصٌ خطيرون كما يبدو، لذلك ترك كل هذا حتى وقتٍ آخر وسألها عن شيءٍ مُختلف

[ما هو اسمي الحالي ؟]

لم يعلَم اسمَه بالشكل الحالي، لذلك سألها حتى يتعوّد عليه، لكنّها قالَت

{لا يهم الاسم لأني أستطيع التعديل على هوّيتِك، المهم هو ألا يكون اسمك الحقيقي}

رفع حاجِبَيه قليلاً ثم أومأ وقال

[إذن فسيكون اسمي هو آيدين، وهو الاسم الذي أعطاه لي عمّي ولا يعرِفُه أحد، أما باقي المعلومات فضَعي فيها ما تشائين]

فجأةً.. شعر بِألمٍ خفيف في ساعِده ثم قالت له فايري

{أنت آيدين، 14 سنة وشهران، مِن عشيرةٌ صغيرة مُتنقّلة تسكُن الغابات والمروج، واسمُها عشيرة الورقة الخضراء}

استغرب قليلاً مِن هذا الوصف فقالت له

{توجد الكثير من العشائر الصغيرة العابِرة للحدود، لذلك لن يستغرِب أحدٌ من هويتِك وعدم انتِمائك إلى أي دولةٍ من الدول الخمسة، على أي حال.. سأزرَع هذه المعلومات في ذاكِرتِك}

استغربَ قليلاً قبل أن يشعُر بِكمّيةٍ كبيرة من المعلومات تتسرّب إلى ذاكِرتِه فقال دون شعور

[أنا آيدين، 14 سنة وشهران، مِن عشيرةٌ صغيرة مُتنقّلة تسكُن الغابات والمروج، واسمُها عشيرة الورقة الخضراء، حصلتُ على هويتي الذاتية أثناء الحملات العالمية الشامِلة لِتعميم الهويات الذاتية على المواليد الجُدد، وحصلتُ على تزكِية الدخول إلى مدرسة أروان عِندما وجدتُ رجلاً غريباً على وشك الموت من العطش في إحدى الجِبال النائية، أُعجِبَ بِمهاراتي فقرّر إعطائي فُرصةً في أفضل المدارِس وأعطاني مبلغ التذكِرة للسفر إلى المدرسة، لكنّي تركتُ المال لِعائلتي وفضّلتُ المجيء إلى هُنا مشياً على الأقدام، مرَرتُ أولاً عبر نهر كَيدار ثم سلكتُ طريق ...}

استمرّت المعلومات بالتدفّق إلى ذاكِرتِه حتى صار يعلَم كل صغيرةٍ وكبيرةٍ عن هويتِه المُزيفة وكأنها حقيقية، وأخيراً.. قال بِصدمة

[هل هذا مِن خصائصِك أم إعداد عمّي ؟]

التعليقات
blog comments powered by Disqus