بعد رِحلةٍ طويلة.. دخل آيدين أخيراً إلى مدرسة أرَوان، لكنه يعلم جيداً بأن الذي ينتظِرُه ليس بالأمر السّهل، خاصةً بأن الإدارة ستقوم بِمُراقبتِه خلال الشهر القادِم لرُؤية كيف سيتصرّف وإلى أي مدى سيصِل تدريبُه وإن كان سينجَح في تفعيل مركز الطاقة البدائية الخاص به أم لا، وكل هذا يعتمِد بالتوازي على كلٍّ من ذكائِه وحظّه.

بِمجرد دخولِه.. رأى مِساحةً واسعةً جداً لِدرجة أنه لم يستطِع رؤية نِهايتِها، وفي أرجائها كانت الكثير من البنايات المُختلِفة، ومِن أول نظرةٍ فهِم بأن المدرسة مُحاطة بجِدارٍ عملاق من كل جِهة، وبجِوار الجدار الداخلي توجد العديد من الأشجار المُتنوّعة التي تجعَل الأجواء مُختلِفةً عن أي مدرسةٍ أخرى، لكنّه لم يهتمّ بِجمالية المدرسة وإنما بحث في المباني القريبة من البوابة حتى وجد قاعة الإرشاد وكان مبنى صغير لديه العديد من النوافِذ المفتوحة، اقترَب مِنه فوجد في كل نافِذة مُوظفاً يستقبِل التلاميذ والزوار ويُجيبهم عن أسئلتِهم.

تقدّم إلى أحدِهم عشوائياً واستفسر مِنه عمّا يجِب أن يفعلَه أولاً فأخبرَه بأنه يجِب أن يحصُل لِنفسِه على غُرفةٍ يَبيت فيها خلال هذا الشهر، وأن الغُرف تكون مُشتركةً بين ثلاثة تلاميذ في البداية، وإذا تمّ قبولُه خِلال الشهر القادِم فحينها ستكون لديه غُرفةٌ خاصة بِه، وبخلاف الغُرفة.. ستكون هناك حِصصٌ دِراسية إجبارية خلال الشهر الحالي، ويجِب عليه الحضور حتى إذا لم يحضُر المُدرّس إلى قاعة المُحاضرات، كما يجِب عليه زِيارة المقرّ المُخصّص لإيقاظ مراكِز الطاقة مرّةً واحِدة على الأقل، أو خمس مرّات على الأكثر.

حصل على ما يحتاج إليه من المعلومات ثم تقدّم نحو غُرف السّكن، لكنّه لم يقترِب مِنها وإنما راقب مِن بعيدٍ فقط لأنه لم يُعجَب بفِكرة السكن مع شخصَين آخرَين، وبالفِعل.. وجد بأن الغُرف لم تكُن في المُستوى وأن هُناك خِياراً آخر وهو استِئجار شققٍ خاصة لِمن يملِك المال، كما أن الغُرف الحالية أغلبها محجوزٌ مِن الطلبة القُدامى وهُم أيضاً يؤجّرونها للتلاميذ بالتنمّر عليهِم، وممّا رآه فقد كانت معلومات فايري صحيحةً عِندما أخبرَته بأن المدرسة تترُك التلاميذ يتصرّفون كما يشاؤون ما داموا لا يصِلون إلى القتل، وقد رأى معركةً بين تلميذَين في أقل مِن ساعتَين من التّجوال.

تجوّل في باقي المناطِق طيلة الوقت المُتبقّي واستكشَف الكثير من المباني والساحات حتى اقترَب الغروب فقالت له فايري

{بِما أنك قد استقرَرت فستبدأ تدريباً يومياً إجبارياً}

قال باستغراب

[أي استقرار وأنا لم أجِد حتى مكاناً أنام فيه ؟]

أكملت وكأنها تتجاهلُه

{يجب عليك أن تجري كل يومٍ لِمسافة عشرة آلاف خُطوة حتى لا تُعاقب}

عبس وصرخ في نفسِه

[تباً لك، ألم تسمعي ما قلتُه ؟]

واصلَت بدون اكتِراث

{بعد الجري.. ستخضَع لِتدريبٍ خاص لِمدّة ساعةٍ على الأقل لإيقاظ مركز الطاقة الذهنية}

استغربَ مِن إصرارِها الغريب قبل أن يُقرّر التغافُل عنها والذهاب إلى حيث توجد الشّقق المُؤجّرة للاستفسار عن أسعارِها، إلا أن فايري حذّرَته

{يجب أن تبدأ التدريب قبل غروب الشمس، إذا لم تُنهِ حصّة الجَري فسَوف تُعاقَب}

قطّب جبينَه مِن إزعاجِها وتحسّر على نفسِه لأنه يملِك صوتاً داخلياً مُزعِجاً ولا يعلم كيف يوقِفها، اتّجه بعدها نحو المنطقة الشمالية حيث توجد الشّقق المؤجّرة للاستفسار، وبعد نصف ساعةٍ كان قد وجد المسؤول عن قِطاع الشّقق وعرض عليه الأسعار، تعرّق جبينُه وهو ينظُر إلى الأسعار حيث كانت بعض الشقق غالية جداً بأكثر من خمسة عُملات صفراء لليوم، علِم المسؤول بأنه ليس غنياً فبدأ يعرِض عليه الشّقق الأرخص حتى بدأ يعرِض عليه الغُرف بدل الشّقق، وأخيراً.. وجد غُرفةً مُناسِبة بسِعر ثلاثمائة عُملة بيضاء للشهر، ومع أنه مبلغٌ ضخم بالنسبة له إلا أنه يملِك عشرة آلاف عُملة بيضاء كما أنه سيدفعُها مرةً واحدةً فقط ريثما ينتقِل إلى غُرفةٍ خاصة بعد شهر.

اتّفق مع المسؤول عن الغُرفة وقد بدى الانزعاج على وجهِه لأنه ضيّع الكثير من الوقت مُقابل تأجير مُجرّد غُرفةٍ صغيرة، أخرج آيدين بِطاقته المالية السوداء ومرّرها على جِهاز الدفع، لكن.. وبدل أن يظهر ضوءٌ أخضر يُنبِئ بِنجاح عملية الدّفع.. ظهر ضوءٌ أحمر مع رسالةٍ تُفيد بأن البِطاقة فارِغة، عبس وهو يمرّرها مرةً أخرى فظهرَت نفس الرسالة الحمراء، نظر آيدين نحو المسؤول فوجد بأنه يرمقه بِنظرات الاتّهام قبل أن يصرُخ عليه

"ما معنى هذا ؟"

حاوَل آيدين التماسُك بينما يسأل فايري

[ما الذي يحدُث يا فايري ؟]

قالت بِبساطة

{أخبرتُك أنك مُعاقَب، لا مال ولا طعام ولا ثياب حتى تُنهي تدريبَك}

"اللعنة"

لعن آيدين بِصوتٍ مُرتفِع قبل أن ينظُر إلى المسؤول ويقول

"أنا حقاً لا أدري ما الذي حدث، سأُراجِع أموري ثم أعود"

نظر إليه المسؤول طويلاً قبل أن يقول بِغضب

"مِن الأفضل ألا تعبث معي مرّةً أخرى"

قال هذا ثم طرد آيدين من مكتبِه، خرج وكانت الشمس قد غرُبَت فقال في نفسِه

[لماذا لم تُعلِميني يا فايري ؟]

قالت

{أخبرتُك بأنك مُعاقَب، الآن يجب عليك الجري لِمسافة عشرين ألف خُطوة وقضاء ساعتَين من التدريب على إيقاظ الطاقة الذهنية قبل غروب شمس الغد}

تنهّد في نفسِه ثم اتّجه إلى ساحةٍ كبيرة في وسط المدرسة وبدأ يجري وحيداً في الظلام، ولِحسن الحظ أن تعزيز الرؤية يمنحُه الرؤية الليلية أيضاً لذلك لا يهم حتى وإن كان يتدرّب في وسط الليل، لكنه لم يستخدِمها لأنه تعوّد على التجوال ليلاً وهو مُشرّد، كما أن تعزيز الحواسّ لِفتراتٍ طويلة يصنع ضغطاً على أعصابِه ويجعلُه غير مُرتاح.

استمرّ بِالركض لِأكثر مِن ساعتَين حتى انتهى من عشرين ألف خُطوة وشعر بالتعب الشديد، فبالرغم مِن تدريباتِه السابقة إلا أنها كانت في قاعةٍ مُغلقة ولم يسمح له عمّه بالرياضة في الخارِج حتى لا ينتبِه الناس إلى أنه ليس شخصاً طبيعياً، جلس أرضاً للراحة فطلبَت منه فايري الدخول في حالة تأمّل للتدريب على الطاقة الذهنية لأن الأمر سيحتاج إلى الكثير من التركيز.

أغلق عينيه فبدأت فايري تعطيه المعلومات الأساسية لِصقل وامتصاص العقار الطبي الذي أكلَه صباحا للحصول على أفضل النتائج، وكانت المعلومات عامةً وتصلح مع جميع أنواع الأدوية المخصصة للتدريب، وبمساعدة فايري.. كانت العملية أكثر سهولةً عليه مقارنة بالأشخاص العاديين، لكن فايري لم تُخبِره بِهذا وإنما كانت تُعاتِبه على قلّة اجتِهادِه.

استمرّ على هذا حتى انتصَف الليل وشعر بِالجوع فسمحَت له فايري بالولوج إلى المتجر لشِراء الطعام، قام بعدَها يتجوّل في المدرسة فأدرك عبر حواسّه المُعزّزة وجود العديد من الحرّاس على أسوارِها، لم يهتم بهِم وإنما تقدم نحو الأشجار المُحيطة بالمدرسة ثم تسلّق إحداها ونام عليها حتى الصباح، ومع أن الأمر غير مألوفٍ للأشخاص العاديّين إلا أنه عاش مُشرّداً لِوقتٍ طويل ولا يهتمّ للرياح والبرودة.

قام في الصباح نشِطاً وبدأ التأمّل كما تعلّم في الأمس إلا أنه لا زال بعيداً عن الشعور بالطاقة الذهنية، ما يعني بأن إيقاظ مركز الطاقة الذهنية قد لا يكون سهلاً كما تخيّل، وبعد ثلاث ساعات بدأ التلاميذ يخرجون مِن غُرفِهم ويستعدّون للذهاب إلى شؤونِهم الخاصة، خاصة التلاميذ الجُدد الذين تنتظِرهم الدراسة الإجبارية لِمدّة شهرٍ كامِل، بدأ آيدين يتجوّل في الساحة العامة في انتِظار وقت الدراسة حتى وقعَت عيناه على عجوزٍ مُسِنّ يلبِس عباءةً قديمة ورديئة، وفي قدمَيه خُفّين قديمَين جداً، ويُمسِك مِكنسةً يكنس بِها الأرض بِهدوء.

نظر إليه آيدين طويلاً حتى مرّ بعض التلاميذ القُدامى بالعجوز وبدؤوا يسخرون منه

"ألَن تموت بعد يا شويلّو ؟"

"أخبرني جدّي بأنك كُنتَ تكنِس الأرض هُنا منذ ستّين عاماً، ألا تملّ يا رجُل ؟"

"هاهاها ... هل تعلم ما الذي فعلتُه قبل أيامٍ يا شويلّو ؟
لقد صاحبتُ حفيدتَك الصغيرة إلى حانةٍ وشرِبنا حتى مُنتصف الليل ثم أرجعتُها معي إلى غُرفتي، همممم.. هل أخبِرك بِما فعلناه بعدها ؟"

كانوا يُثرثِرون ويتنمّرون عليه بالكلام دون أن يلمِسوه لِأن الاعتداء الجسدي على الموظّفين سيجعل الإدارة تتحرّك، وهؤلاء جميعهم تلاميذ قُدامى ويعرفون القوانين جيداً، وفي المقابل كان شويلّو هادئاً يكنِس أوراق الشجر وكأنه لا يستمِع إلى ما يقولونَه.

مع أن آيدين لا يهتمّ كثيراً للظلم ولا يتدخّل لإنقاذ الآخرين حتى وإن كان يستطيع إلا أنه استاء من فِعلِهم، لأن التنمّر على عجوزٍ في آخر أيامِه ليس بالأمر المُضحِك، ومع ذلك فإنه لن يتدخّل لأنها ليست المرّة الأولى التي يرى فيها مِثل هذا، ففي الشارِع كان يرى أعجبَ مِن هذا حيث يصِل الأمر أحياناً إلى الضرب والجرح، بل وقد رأى عدّة حالاتٍ من القتل بِسبب التنمّر والاستقواء على الضعفاء، وهو نفسُه نجا عدّة مرّاتٍ بِسبب تدريباتِه في سنٍّ صغيرة.

واصل التلاميذ ما يفعلون لبِضع دقائق أخرى قبل أن ينصرِفوا فأراد آيدين الانصراف أيضاً، إلا أن فايري قالت له

{أنصحك بالتقرّب مِن هذا العجوز والعناية بِه}

التعليقات
blog comments powered by Disqus