{أنصحك بالتقرّب مِن هذا العجوز والعناية بِه}

توقّف آيدين ونظر مرّةً أخرى نحو العجوز شويلّو ثم قال باستغراب

[لماذا ؟]

قالت

{لأنه يُخفي أكثر مِمّا يُظهِر، ولا يجب أن يكون مُجرّد عامل نظافة}

استدار وأكمل طريقَه وهو يقول

[ليس اليوم]

تركَه واتّجه نحو أقسام الدراسة لِحضور الحصة الأولى، وكانَت توجد عدة قاعات للمحاضرات، وجميعها لديها عدة أبواب، وفي كل قاعة منصة واسعة وألف كرسي، وعلى المنصة مكبر صوتٍ ولوحة كتابة كبيرة تنسَخ كل ما كتَبه المدرس على لوحة صغيرة أخرى، وبهذا يستطيع الجميع رؤية ما يكتبُه أو يرسمُه المُدرّس.

إحدى هذه القاعات كانت مخصصة للملتحقين الجدد، وخلال نِصف ساعةٍ بدأ التلاميذ الجُدد بالوصول حتى صار عددُهم أكثر مِن خمسمائة تلميذ في مشهد مهيب، وهذا العدد قد يزدياد لأن استقبال المُرشّحين الجُدد لم يكتمِل بعد، بقي آيدين بعيداً وعزّز حاسة السمع ثم بدأ يجمع المعلومات مِن حديثهم للتعرّف عليهِم أكثر، حيث كان أغلبُهم قد دخلوا المدرسة قبلَه ولم يرَهم في الصف خارِج المدرسة.

بعد تأقلُم آيدين مع فايري.. صار يصِل إلى الكثير من الخصائص بِمجرد التفكير فيها، حيث لم يعُد يطلُب منها تعزيز حواسِّه مثلاً وإنما يفكّر في تعزيزها وإيقافِها فيحدُث ذلك، ونفس الشيء عندما يُفكّر في شيءٍ ما فإنه يصِل مُباشرة إلى الموسوعة الفكرية الخاصة بِها وكأنها ذاكِرتُه الخاصة، وهذا ينطبِق أيضاً على الذكريات حيث صار يملِك ذاكِرةً تصويرية تُسجّل كل ما رآه بالتفاصيل الصغيرة، حتى تلك الحشرة الطائرة الصغيرة التي مرّت خلف ذلك الشخص الذي رآه قبل أيام، ومع أنه لم يتأقلم بعد مع كل هذه الخصائص الجديدة حيث ينسى أحياناً التركيز على التفاصيل الصغيرة، لكنّه صار بالتأكيد مِن أكثر الناس حِفظاً ومَوهِبة.

بِسبب ذاكِرتِه الجبّارة.. تذكّر جميع التلاميذ الجُدد الذين التحقوا بِالمدرسة معه في نفس اليوم، وكان بينهُم بعض النبلاء أيضاً، وكثيرٌ من الفتيات الجميلات، تذكّرهُم جميعاً مع حركاتِهم وطريقة تصرُّفِهم وهفواتِهم، بل وحتى حركاتِهم الخائِنة التي سرّبتها أجسادُهم وهُم في الصّف بِسبب الخوف من الرفض أو الحماس للالتحاق بأشهر مدارِس تحالُف الخمسة زائد واحد، وهذا كان مُفيداً جداً له بِما أنه مُتخصّصٌ في المُراقبة مِن بعيد عندما كان مُشرداً، لأن دِراسة الآخرين كانت تُنبِئُه بالأخطار المُحتملة فيتجنّبها، خاصةً أن عمّه كان يُدرِّبه فقط ولا يحميه وهو في الشارِع، بل ولم يكُن يسمح له حتى بالنوم في القاعة السرّية.

واصل المراقبة فسمِع بعضهُم يتذمّرون

"لِماذا علينا الحضور إذا كان المُدرّس لا يحضُر ؟"

"لقد حضرتُ للآن خمسة حِصص وبقيتُ في القاعة أربع ساعاتٍ في كل حصة، لكني لم أجرؤ على المُغادرة لِأن هذه المدرسة تُراقِب جميع أعمالِنا مهما كانت صغيرة"

"أنا خائفةٌ مِن أن أي زلّةٍ قد تتسبّب بِطردي ويضيع مبلغ التسجيل هباءً"

"أخبرَني التلاميذ القُدامى بأن هذا هو الحال كل سنة، لهذا تتميّز هذه المدرسة عن باقي المدارِس"

حصل آيدين على الكثير من المعلومات بِمجرد الاستماع، وبعد دقائق بدأ التلاميذ يدخُلون إلى القاعة فلاحظ آيدين وجود تِلك الفتاة التي أرادَت استغلاله سابقاً على متن القطار الطائر، لكنّها لن تتعرّف عليه الآن وقد غيّر شكلَه تماماً وصار أوسَم وأكثر نُضجاً لِدرجة أنه يبدو في عُمر السادِسة عشرة، لم يهتمّ بِها وإنما بدأ يُراقِب زاويةً يقِف فيها ثلاثة أمراء إحداهم فتاة، وبالقُرب مِنهم مجموعة صغيرة من النبلاء، وكانوا يتميّزون على الجميع بأشكالِهم وثيابِهم وألوان شعرِهم الذهبية والفضّية، بل وحتى حركاتهم وطريقة حديثِهم كانت مُتميّزة وتحمِل الكثير من الفخر الزائد واحتقار الآخرين.

دخل التلاميذ إلى القاعة وتبِعهم الأمراء والنبلاء أيضاً، ابتسم وهو ينظُر إليهِم يُطبّقون القوانين رغم أنه لا يوجد مَن يُجبِرهم على تطبيقِها، مثل الخِراف التي تدخُل إلى الحضيرة في غياب الراعي، وهذا بالنسبة لِـ آيدين أمرٌ مقيت لا يستطيع فهمَه، فكيف يُمكِن التحكّم في خمسمائة تلميذ بعضُهم نُبلاء وثلاثةٌ مِنهم أُمراء بِمجرّد شائعات تقول بأن المدرسة تُراقِب الجميع ؟

دخل الجميع وبقِي هو وحيداً في الرواق، انتظَر لِأكثر مِن عشر دقائق لم يسمَع فيها أي ضجّةٍ في القاعة، انتظر عشر دقائق أخرى لعل أحدهُم يُصاب بالملَل فيخرُج إلا أنهم كانوا جميعاً هادئين تماماً، انتظر عشر دقائق أخرى لعل شيئاً قد يتغيّر إلا أن الأمر بقي على حالِه حتى بعد مرور نِصف ساعة، تنهّد في نفسِه ثم قال

[فايري.. أحتاج إلى أدوات تنكّر مِن المتجر لأبدو في عُمر العشرين على الأقل]

بدأت تظهَر أمامَه الكثير من أدوات التنكّر ونصحَته فايري بِبعضِها فذهب إلى المَرافِق الصحية واشتراها مع بِذلةٍ رسمية سوداء، وكانت أدوات التنكّر التي اشتراها عِبارةً عن شاربٍ خفيف ونظارةٍ طبّية، مشط شعرَه إلى الجانِب وثبّت الشارِب ثم لبِس البِذلة والنظارة، بعدَها.. طلب مِن فايري تغيِير صوتِه إلى شابٍّ بالِغ، ومع أن جسدَه كان نحيلاً قليلاً إلا أنه كان يبدو بالِغاً بِطريقةٍ ما، وأخيراً.. حمل حقيبة أوراقٍ اشتراها من المتجر ثم توجّه نحو القاعة وصعد مُباشرةً على المنصّة تحت استغراب الجميع، لم ينظُر إليهم وإنما تصفّح المنصة ورأى كل ما عليها مِن أدوات، اقترَب من اللوحة الصغيرة وبدأ يكتُب عليها بالقلم المُخصّص فظهر اسمُه على اللوحة الكبيرة ثم رفع مُكبّر الصوت وقال بِنبرةٍ ثابِتة

"اسمي آيدين، خبيرٌ في علوم الاجتماع، يُمكِنكم مُناداتي سيد آيدين"

نظر إليه الجميع باستغرابٍ ودهشة لأنه يبدو أصغر مِن أن يكون مُدرّساً، لكنه لم يترُك لهم أي مجالٍ للشّك حيث قال

"لديكُم خمس دقائق لِطرح أسئلتِكم"

كان صوتُه شبابياً مِثل أي بالِغ لِدرجة أنه طغى على شكل جسدِه الذي لا يبدو في العشرين، قال هذا ثم استدار وأعطى ظهرَه للجميع بِدون مُبالاة، صمت الجميع طويلاً ولم يرغَب أحدٌ منهم أن يقول شيئاً قد يجعَل هذا المعلم الشاب غاضباً، خاصةً أنهم لا يعلمون شخصيتَه وطريقة تفكيرِه، وبعد دقيقتَين.. استدار وقال

"إذا لم تكُن لديكم أسئلة فدعوني أحدّثكم قليلاً عن علم الاجتماع"

ابتلع ريقَه ثم أكمل

"علم الاجتماع هو دراسةٌ للمجتمع وأنماط العلاقات الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي وثقافة الحياة اليومية، ويَستخدم أساليب مختلفة مثل البحث التجريبي والتحليل النقدي لِتطوير مجموعةٍ من المعارِف حول النظام الاجتماعي والقبول والتغيِير أو التطور الاجتماعي، ويُعرَف علم الاجتماع أيضًا بِأنه العلم العام للمجتمع، في حين يُجري بعض علماء الاجتماع أبحاثًا يمكن تطبيقها مباشرةً على علم السياسة الاجتماعية وعلم الرعاية الاجتماعية، بينما يركز آخرون في المقام الأول على تحسين الفهم النظري للعمليات الاجتماعية، ويتراوَح الموضوع مِن مستوى علم الاجتماع الجُزئي للوكالة الفردية والتفاعل إلى المستوى الكلي للأنظمة والبنية الاجتماعية، حيث ..."

كان يقرأ عليهِم مُباشرة مِن موسوعة المعرفة التي تملِكها فايري، وفي نفس الوقت كان يرسُم لهم بعض الإشارات التوضيحية على اللوحة، استغرَب التلاميذ لأنهم لم يعتقِدوا بأن أول درسٍ سيكون بِهذه الصعوبة، فبدأ بعضُهم يكتبون الملاحظات وينقلون الرسوم، بينما كان بعضُهم في صدمةٍ ولم يعلموا ماذا يفعلون لاعتِقادِهم بأن المدرّس لن يحضُر طيلة الشهر الأول كما أخبرهُم التلاميذ القدامى.

..............

بعد ساعة.. في قاعةٍ أخرى مليئة بالشاشات، دخل ذلك المُشرِف الأوسط الذي تفاعل معه آيدين بالأمس، وكان يحمِل في يدِه رسالة التوصية التي أحضَرها آيدين لإعطائها للمدير قبل الخروج إلى عملِه لإنهاء استقبال باقي المُرشّحين، وكان قد ذهب إلى مكتب المُدير ولم يجِدهُ فأتى إلى هذه القاعة للبحث عنه، لكنه فوجئ عِندما رأى جميع المُراقبين مُجتمعين على أكبر الشاشات في القاعة، اقترَب هو أيضاً فرأى آيدين وهو يُلقي الدرس على التلاميذ، لم يعرِفه في البداية حتى بدأ يُركّز عليه، وللتأكّد من الأمر.. سأل أحد المُراقبين

"ما الذي يحدُث ؟"

قال المُراقب

"حدث شيءٌ لم يسبِق مِن قبل، هذا ليس مُدرّساً وإنما هو تلميذٌ جديد، وهذه أول مرةٍ يحضُر فيها، لكنّه يُدرّس عِلم الاجتماع لِزملائه، بل حتى أنه طلب مِنهم مُناداتِه بالسيد"

اتّسعَت عينا المُشرِف الأوسط وعلِم بأن تخمينَه كان صحيحاً، التفَت باحِثاً عن المُدير قبل أن يتوقّف ويعود إلى المُشاهدة عندما رأى على الشاشة أحد الأمراء ويقوم ويقول شيئاً لِـ آيدين.

..............

في قاعة التدريس.. وقف أحد الأمراء الثلاثة وكان يجلِس في الكراسي الأمامية، وقف وقال بِنبرةٍ مُعتدلة

"اعذُرني سيد آيدين، اسمي رايفوس، أمير درجة أولى من دولة فلوريم، لقد درستُ عِلم الاجتماع منذ نعومة أظفاري مِثل أغلب الأمراء، فهل تستطيع إعفائي مِن دروسِك  ؟"

ابتسَم قليلاً ثم أضاف

"أستطيع طبعاً الإجابة على جميع أسئلتِك في علم الاجتماع"

التعليقات
blog comments powered by Disqus