"أستطيع طبعاً الإجابة على جميع أسئلتِك في علم الاجتماع"

كان الأمير رايفوس يعلم بأن مِثل هذه المُبادرات هي التي تجعل المُدرّسين يُعجبون بالتلاميذ الجُدد ويَرفعون مِن تقيِيمهم، لذلك استغلّ الفُرصة لإظهار مدى اطِّلاعِه في مجال عِلم الاجتماع، والذي يُعتبَر مادةً ضرورية يدرُسها الأمراء لِفهم المُجتمع والسيطرة عليه.

ابتسم آيدين وقال له

"يمكنني سؤالك وأنت تُجيب، لكن هذا الأمر سيكون مُملاًّ، ألا تظن ذلك.. أمير رايفوس ؟"

تقدّم رايفوس للأمام قليلاً ثم قال

"إذا كان لدى السيد آيدين طريقةٌ غير مُملّة فأنا سأتبع الإرشادات بِسرور"

تقدّم آيدين للأمام أيضاً ثم قال

"كنتُ سأقترِح رهاناً بسيطاً عبارة عن سؤال بِسؤال، ومَن يعجِز عن الإجابة يكون الخاسر، لكنّي شخصٌ فقير ولا أملِك ما يسرّ نظر الأمراء"

رفع رايفوس حاجِبَيه قليلاً وبدأ يُفكّر في أن آيدين كان يختبِرُه لِيرى إن كان سيُواجِه مشاكِلَه أم يتهرّب مِنها، لذلك قال

"هذه ليسَت مُشكِلةً كبيرة، يُمكِننا الرهان بِطريقةٍ مُتساوِية مع اختلاف نوع العُملة"

نظر إليه آيدين باستغرابٍ فشرح رايفوس

"يُمكِنك الرهان معي بِالعملة البيضاء وأنا أُراهِن أيضاً بِنفس المبلغ لكن بالعُملة الحمراء"

أغلق آيدين عينَه اليمنى ورفع حاجِب عينِه اليسرى وكأنه يُفكّر في شيءٍ ما، وبعدها ابتسم وقال

"هذه فكرةٌ جيدة، لكن اللعب بيني وبينك فقط سيكون مُزعِجاً لِباقي التلاميذ، لذلك أقترِح أن يُشارِك الجميع، ما رأيكم ؟"

قام أحد النبلاء بابتسامةٍ مُتذاكية ثم طرح سؤالاً

"كيف ستكون طريقة الرهان.. سيد آيدين ؟"

قال آيدين مباشرة

"بِما أن الجميع سيُشارِكون فمن الأفضل أن تكون أسئلةً عامة بدل علم الاجتماع، أما طريقة الرهان فستكون عبر إنشاء تِسع مجموعات حسب منازِلكم الاجتماعية وقُدرتِكم على الدفع"

عاد إلى اللوحة وبدأ يرسُم عليها وهو يشرَح

"تصنيف العملة الحمراء يتكون من ثلاث مجموعات، الأولى ستُراهِن بِعشرة آلاف عملة حمراء، والثانية بِـ ألف، والثالثة بِـ مائة، ونفس الشيء بالنسبة للعملة الصفراء والبيضاء حيث كل عملةٍ تحتوي على ثلاث مجموعات، وكل واحدٍ لديه الحق للانضمام إلى المجموعة المُناسبة له"

قام مرةً أخرى ونظر نحو الأمراء الثلاثة ثم قال بِخُبث

"أعتقِد أنه من البديهي أن تنضمّوا إلى المجموعة الأعلى، أليس كذلك ؟"

ابتسم رايفوس وأراد استغلال الوضع لِرفع مكانتِه بين الأميرَين الآخرَين فقال

"عشرة آلاف عملة حمراء ليست بِالشيء الكبير بالنسبة لي"

تحرّك بعدَها إلى الأمام لِعزل نفسِه عن الأمراء والنبلاء لأنهم ليسوا مِن دولتِه وسيكون من الجيد الظهور فوقَهم، عبس الأميران وقال أحدُهما

"مجموعتنا قريبةٌ جداً من المجموعات العامّية، يبدو بأن دولة فلوريم ليست غنيةً بعد كل شيء"

ضحِكت الأميرة التي كانت معهما ثم قالت

"ما قاله الأمير سامهي صحيح، أنا فلورا من دولة فلوريان، سأُنشئ مجموعتي الخاصة بمائة ألف عملة حمراء"

قالت هذا ثم تقدّمت نحو منطقةٍ فارغةٍ أخرى فتبِعها الأمير سامهي أيضاً وهو يقول

"آخر شيءٍ ينقُص دولة الجبال الصفراء هو المال، أنا أيضاً سأدخُل في مجموعة الأميرة فلورا"

لم يتأثّل الأمير رايفوس وإنما ضحِك ثم تقدّم نحوهما وهو يقول

"اخترتُ مجموعة العشرة آلاف حتى لا تُصابا بالإحراج أمامي، ولم أعتقِد بأنكما تستطيعان دفع مائة ألف عملة حمراء، ما رأيكما.. هل نرفع الرهان إلى مليون عملة حمراء ؟"

صمت الاثنان ولم يُجيباه لِأن هذا المبلغ كبيرٌ جداً حتى على الأمراء، ونفس الشيء بالنسبة للأمير رايفوس الذي كان يتمنى في قلبِه ألا يقبلا عرضَه لأنه مُبالَغٌ فيه كثيراً، وعندما لاحظ النبلاء هذا.. قرّروا تخفيف الضغط على الأمراء فتقدّم أحدُهم وقال

"اعتقدتُ في البداية بأني سأنضَم إلى مجموعة الأمراء، لكني في الحقيقة لا أستطيع الرهان بِأكثر من عشرة آلاف عملة حمراء"

ابتلع بعض النبلاء ريقهُم لأن عشرة آلاف مبلغٌ كبير حتى بالنسبة لهم، لذلك بدؤوا ينضمّون إلى مجموعة العشرة آلاف والألف عملة حمراء حسب مقدِرتِهم، وبعد رُبع ساعة كانت قد تكوّنَت ثلاث مجموعات في العملة الحمراء وكان أغلب أعضائها من الأجناس الغنية مثل النبلاء والتجّار، بدأت باقي الأجناس بعدَهم في تكوين مجموعات العملة الصفراء ثم البيضاء حتى صارت القاعة مُقسّمةً إلى تِسع مجموعات كما طلب آيدين، وكانت آراؤهم مُختلِفةً حول هذا النشاط حيث كان بعضُهم يعتقِدون بأن المُدرّس يُريد سرِقة الجميع بِطريقةٍ خبيثة، في الوقت الذي اعتقد فيه آخرون بأن المدرسة تُريد رؤية نشاطِهم وطريقة تصرّفِهم وتأقلُمِهم مع كل جديد.

انتهى تقسيم التلاميذ فلاحظ آيدين بأن هناك أقل من عشرة تلاميذ لم ينخرِطوا في النشاط، حفِظ وجوهَهم جيداً لأن تصرّفهم كان مُثيراً للاهتمام، وربما يكونون قد اكتشفوا خُدعة آيدين أو ربما فقط يملِكون شخصيةً بارِدة لا تهتم بِما يفعلُه الآخرون، وعلى كل حال فقد كانوا حالةً مُختلِفةً عن هؤلاء الهمج المُتفاخرين بأموالِهم وأجناسِهم.

تجاهل آيدين هذه الحالات الشاذّة والتفتَ نحو المجموعات ثم قال

"على كل مجموعةٍ تجهيز سؤالٍ صعب لِطرحِه على المجموعة الأعلى مِنها، والمجموعة الخاسِرة تمنح أموالَها للمجموعة الرابحة ثم تتقدّم لِطرح سؤالِها على المجموعة الأعلى، ما يعني بأن أدنى مجموعةٍ عليها تجهيز تِسعة أسئلة، والتي فوقها ثمانية أسئلة، وهكذا حتى نصِل إلى مجموعة الأمراء والتي يجب عليها تجهيز سؤالٍ واحدٍ فقط، وآخر مجموعةٍ ستطرَح سؤالها عليّ أنا، أمامَكم نصف ساعة للتجهيز"

فهِم الجميع طريقة الرهان حيث يَتعب مَن دفَع أقل بينما يرتاح من دفع أكثر، فالمجموعة التي دفعَت مائة عملة بيضاء سيكون عليها شقّ طريقِها صعوداً وقد تخسَر في الطريق في حال تمّت الإجابة على سؤالِها ليأخُذ الرابِح مهمّة الصعود، وآخرِهم سيكون عليه طرح سؤالِه على آيدين، وإذا لم يستطِع الإجابة فستأخُذ المجموعة الرابحة جميع الأموال وتقسِمها بين أعضائها، وهذا يعني بأن الرابح الأكبر هو المجموعة التاسعة التي دفعَت مائة عملة بيضاء فقط، فعلى الرغم من أن عددَ أفرادِها أكبر من مائتَين إلا أن أرباحها ستكون مئات العملات الحمراء لكل واحدٍ فيهم، وهذه فرصةٌ لا تتكرّر أبداً بالنسبة للفقراء.

مع أن هناك اختلافاً كبيراً بين حظوظ المجموعات إلا أن المجموعات الأعلى كانت راضيةً لِأن مَن يدفَع أكثر يعني بِأنه غني، ما يعني أيضاً بِأنه قد حصل على دِراسةٍ أفضل من الفقراء، لذلك يملِكون حظوظاً أكبر من مجموعة الفقراء مع أن عددَها كبير، وهناك مسألةٌ أخرى وهي أن الأغنياء خُبثاء جداً حيث يملِك الأمراء والنبلاء العديد من الأتباع في المجموعات الأدنى، لذلك سيَضمنون زعزعة استقرارِهم ويثنونَهم عن اتّخاذ القرارات بِشأن الأسئلة التي سيختارونها، بل وسيقومون أيضاً بِتسريب الأجوِبة إلى أسيادِهم إذا وجدوا طريقةً لفِعل ذلك، وبهذا صار النشاط أكبر وأوسع مِمّا هو ظاهرٌ عليه.

وقبل أن يبدؤوا.. تقدّم شابٌ قصيرٌ وسمين وله كفّان كبيران مُقارنةً مع المواطنين العاديّين، وكانت أسنانُه الذهبية ظاهِرةً وهو يبتسِم نحو آيدين، نظر إليه هذا الأخير وبدأ يتصفّح رِداءَه الحريري وطريقة حكِّه لِكفَّيه وكأنه ذُبابةٌ تحكّ يدَيها أمام قطعة سكّر، علِم آيدين مُباشرةً بأنه من جِنس التّجار الأصليّين الذين يُميّزون أنفُسهم عن باقي الأجناس منذ الطفولة كما يفعل الأمراء والنبلاء، وصل التاجر إلى آيدين وقال له

"سيد آيدين، لدي اقتراحٌ لإنجاح هذا النشاط الرائع، هل ترغَب بِالاستماع إليه ؟"

أومأ آيدين فقال التاجر وهو يرفَع تِسع بِطاقات بيضاء

"أنا ماليان من نقابة تجار العقيق، أريد تقديم هذه البطاقات المالية لِجمع أموال المجموعات وتركِها في رِعايتِك ضماناً حتى لا يتَراجع أحد"

ابتسم آيدين ثم أخذ البطاقات المالية وكانت بِطاقاتٍ قابلة للشحن باستخدام البطاقات المالية السوداء، تقدّم نحو المجموعات وقال

"على كل مجموعةٍ شحن مبالِغ الرهان في هذه البطاقات لِضمان عدم التراجُع في حال الخسارة"

سلّمهُم البطاقات فبدؤوا يشحَنونها بِالمبالِغ التي قرّروا الرهان عليها، وبعد انتِهائهم.. أمسَك آيدين البِطاقات التسعة وكانت المبالِغ تظهَر عليها لأنها بطاقاتٌ خاصة بِالدفع، جمع آيدين تِلك المبالِغ فكانَت قريبةً مِن مليون عملة حمراء، وضعَها في جيبِه دون أن يُسرّب فرحتَه للناظرين إليه رغم أن قلبَه كان يخفِق بشِدّة، ومع أن أغلبَهم يُريدون سؤالَه عن المبلغ الذي سيُراهِن به إلا أنهم لن يستحمِلوا الإساءة إلى المُدرّس، خاصةً في هذا الشهر لِأن مجرّد خطأٍ صغير قد يجعلُهم يُطردون من المدرسة المشهورة بإنشاء العباقرة وكِبار الشخصيات التي ستحكُم تحالف الخمسة زائد واحد في المستقبل.

بعد هذا.. بدأت المجموعات تتناقش حول الأسئلة حيث أعطاهم آيدين مُهلة نصف ساعة فقط، وفي نفس الوقت كان الأمراء الثلاثة يتناقشون حول سبب ثقة آيدين، لكن رايفوس كان لديه رأيٌ آخر وهو أن آيدين مُدرّسٌ ولن يهتمّ حقاً بِالرهان لِأن غايتَه الأكبر هي استكشاف المواهِب، وأقنَع الأميرَين بِأن فوزَه بِالرهان قد يكون أفضل للجميع حيث سيكون سعيداً ويُركّز عليهِم أكثر، خاصةً أن آخر سؤالٍ سيكون من مجموعة الأمراء في حال لم تهزِمهُم مجموعةٌ أخرى، لذلك بدؤوا يفكّرون في سؤالٍ سهل لِطرحِه عليه، لكن يجب أن يكون السؤال مُموّهاً ولا يبدو سهلاً حتى لا يشعُر بالإهانة فتنقلِب عليهِم الخطة.

في هذه اللحظة.. قامَت فتاةٌ من الصفوف الخلفية وقالت بِنبرةٍ جافّة

"أريد تكوين مَجموعتي الخاصة مِثلَك يا آيدين، ما رأيك ؟"

التعليقات
blog comments powered by Disqus