"أريد تكوين مَجموعتي الخاصة مِثلَك يا آيدين، ما رأيك ؟"

نظر الجميع إلى الخلف وكان المُتحدّث فتاةً من العناصر الشاذّة التي لم تنخرِط في المجموعات التسعة، قالت هذا ثم تقدّمت للأمام وكانت فتاةً رقيقة وقصيرة ولا تضع أي زينة، تلبِس ثياباً رمادية ليس فيها أية زخارِف مع حذاءٍ قُماشي مُسطّح مع الأرض، ولها شعرٌ أسود قصيرٌ لا يتجاوز الأذن، وعلى خصرِها سيفٌ أسود يبدو وكأنه مُلتقَطٌ من القمامة، وهذا المنظر جعل الكثيرين يعبِسون وهُم ينظرون إليها لأنها كانت تبدو فقيرةً جداً، وما أزعجَهم أكثر هو نبرتُها الجافة ومُناداتُها للمدرّس باسمِه حافياً بينما حتى الأمراء يُنادونَه بِـ "سيد".

اهتمّ آيدين كثيراً بِهذه الفتاة الغريبة وشغّل الرؤية التحليلية فظهر له بأنها مُدرّبةٌ جداً وربما تكون لديها خلفيةٌ مُعيّنة، انتظرَها حتى اقتربَت من المنصة فسألها

"بِماذا ستُراهنين ؟"

أخرجَت سيفَها مِن غِمدِه ثم قالَت

"بِهذا السيف"

فجأةً.. انطلقَت العديد من الضحكات المكتومة قبل أن يبدؤوا بالسخرية مِنها

"وكم سعر سيفٍ مليءٍ بالصدأ ؟"

"لا مكان للفقراء هنا يا فتاة"

"لقد تساهل السيد آيدين كثيراً عندما أنشأ مجموعة المائة عملة بيضاء، فهل يوجد في مدرسة أرَوان مَن لا يستطيع حتى دفع مثل هذا المبلغ الزهيد ؟"

"أستطيع الدفع لأجلِك يا صغيرة، يكفي أن تطلُبي ذلك منّي"

"يا لها مِن جريئةٍ لإظهار سيفٍ قبيحٍ مثل هذا"

استمرّ الجميع بالسخرية منها إلا انها كانت ثابِتةً ولم تهتمّ لهم حتى رفع آيدين يدَه وسألها

"هل أنتِ مُستعدّة لِفقد مثل هذا السيف الثمين ؟"

استغرَب الجميع مِن مدح آيدين للسيف فقال لهم

"إنه سيفٌ مصنوع من معدن الفولاذ النجمي، يُقال بأن هذا النوع من الفولاذ النادر قد ذاب لملايِين السنين تحت ضوء النجوم، ومع أنها في الغالب مُجرّد إشاعات إلا أنه مِن أفضل أنواع المعادِن عندما يتعلّق الأمر بصِناعة السيوف والخناجِر"

قطّبت الفتاة جبينها قليلاً لِأنها لم تتوقّع أن يعرِف آيدين كل هذا مِن مجرّد نظرة، وفي الحقيقة فالعين المُجرّدة لن تستطيع التميِيز بين الفولاذ العادي والفولاذ النجمي، لكن فايري تستطيع ذلك بالتأكيد حتى أنها جلبَت معلوماتِه لِيذكُرها آيدين ويتذاكى بِها بين الجميع.

كانت كلمات آيدين كافِية لإخراس الجميع لأن سيفها ليس قُمامةً كما ظنوا، لذلك استغل هذه الفرصة وقال قبل أن تتراجَع

"إذا كُنتِ مُستعدّةً نفسياً لِفقد هذا السيف فيُمكِننا خرق القاعدة وجعلِك تُشاركين أيضاً، لكن سيكون عليك تجهيز عشرة أسئلة والبدء من الأسفل لِمواجهة المجموعة التاسعة"

أعادَت السيف إلى غِمدِه ثم قالت بِجفاء

"لن أُسلّمَه إلا إذا خسِرت"

قالت هذا ثم تراجعَت للخلف تحت استغراب الجميع، عبس آيدين قليلاً وقال في نفسِه

[ما رأيك يا فايري ؟]

قالت

{تبدو واثقةً من الفوز، وهي لا تعتبِر أحداً خصماً لها سواك أنت}

قال باستغراب

[أنا ؟]

قالت

{إنها هنا لِتحدّيك أنت، يبدو بأنها قد عرفَت بأنك مُجرّد مُخادِع}

عبس أكثر من السابق وبدأ يُفكّر في السبب الذي يجعلُها تُريد تحدّيه، وأخيراً قرّر الانتظار حتى تبدأ المُسابقة لِيرى إمكانِياتِـها، لذلك قال

"استعدّوا جيداً، أمامكم نصف ساعة للتجهيز، وتذكروا بأن الأسئلة يجب أن تكون منطقيّة"

................

في قاعة المُراقبين.. صار عدد المُشاهدين أكبر بِكثير من السابق، وكان المُشرف الأوسَط الذي يحمِل رِسالة التوصية مُندهِشاً مثل الجميع، فإنشاء وإدارة رِهانٍ لِكسب مليون عملة حمراء تقريباً ليس بتِلك البساطة، وعِندَما انصرفَت المجموعات للتجهيز للأسئلة.. تقدّم المُشرف الأوسط إلى المدير وقال له

"سيدي المدير، كنت أبحث عنك لِترى هذه التوصية الغريبة لِأني لا أدري ماذا نفعَل معها"

أمسكَها المُدير وعبس أيضاً لأنه ظنّ بأن آيدين من دولةٍ عُظمى، إلا أن المُشرف الأوسط شرح له ما قاله آيدين في الأمس حول إنقاذِه لأحدِهم، تصفّحها مرةً أخرى ثم قال

"هل تأكّدتم من رقم التسجيل ؟"

لا تُعتبر التوصية صالِحةً إلا إذا أتَت مِن جهةٍ معروفةٍ جداً أو إذا كانت تحمِل رقم التسجيل، وهذا الرقم يتم الحصول عليه عبر دفع الرسوم في إحدى المؤسسات المالية أو عبر شبكة المعلومات العالمية، أومأ المُشرف الأوسط وقال

"نعم، الرقم صحيح وقد تأكدنا من صحّة الدّفع، لكن.. هناك شيءٌ آخر"

أشار إلى الشاشة ثم قال

"إنه.. هو"

رفع المدير حاجِبيه ونظر إلى الشاشة وهو يسأل باستغراب

"المُدرّس ؟"

أومأ المُشرف الأوسط ثم شرح

"نعم، وقد فعل شيئاً مثل هذا في الخارِج، حيث قال بِضع كلماتٍ قصيرة وتسبّب بِمعركةٍ بين المُرشّحين، ما جعلَه تجاوز المئات ويصِل إلى مكتبِنا بِسهولة"

قطّب المُدير جبينَه ثم قال باستغراب

"كلمات بسيطة ؟ ... أخبِرني عنها، أخبرني كل شيء"

................

بعد نصف ساعة.. وقف آيدين وقال

"انتهى الوقت، تقدّمي يا آنسة لِطرح سؤالِك على المجموعة التاسعة، وعليهم الإجابة عليه خلال عشر دقائق من التفكير، وإلا فسوف يخسرون وتتقدّمين أنتِ إلى المجموعة الثامنة"

كانت المجموعة التاسعة مُكوّنةً مِن أكثر من مائتي تلميذ، ما يعني بأنهم أكثر من مائتي عقل مُختلِف، وطرُح سؤالٍ على مجموعةٍ مثل هذه سيكون مُغامرةً كبيرةً لأن أحدهُم قد يعرِف الجواب، لذلك كانوا مُتفائلين كثيراً وهُم ينظرون إلى الفتاة الغامضة.

تقدّمَت إليهم وقالت بِبساطة

"لماذا نحلم ؟"

كلمتان بسيطتان جعلتا الجميع يصمُتون، استمرّ صمتُهم قبل أن تبدأ موجةٌ مِن الوشاوِش هنا وهناك حيث اعتبَر بعضُهم بأن هذا سؤالٌ فلسفي وليس علمي، بينما كان البعض الآخر واثقين مِن أنهم يعرِفون الجواب، وآخرون عكس هؤلاء اعتبروا بأن الفلسفة عِلمٌ أيضاً ولا يجِب التقليل مِن شأنِها، وحتى آيدين عبس قليلاً وسأل فايري

[ما جواب هذا السؤال ؟]

قالت

{الجواب الطبيعي هو أن العقل يحتاج إلى العمل على الدوام مثل القلب، وإذا توقّف عن التفكير فسيخمُل ويموت، لذلك يُفكّر عقلُك في أمور عشوائية سواءً كُنتَ نائماً أم لا، فحتى وأنت مُستيقِظ تدخُل في دوامات التفكير، وإذا لم تقُم بِتوجيه أفكارِك فستُفكّر في الأمور التافِهة التي لا معنى لها}

ضيّق آيدين عينَيه قليلاً ثم سألها

[لكن هذا ليس الجواب الصحيح، أليس كذلك ؟]

قالت

{نعم، لأن هناك ما يعترِض هذا الجواب، وهو أن الأحلام أحياناً تُنبِئ صاحِبها بأمور مُعينة تحدُث في المُستقبل، وهذا مُسجلٌ في التاريخ كما يُمكِن لأي شخصٍ أن يُثبِتَه بالتجربة، ما يعني بأن الأحلام ليسَت مُجرد أفكارٍ عشوائية}

صمت قليلاً ثم قال

[إذن فالجواب يكون ... ؟]

قالت

{لا أعرف}

التعليقات
blog comments powered by Disqus