بعد أكثر من عشرين يوماً من مغادرة آيدين للمدرسة.. كان العديد من الأشخاص في مدرسة أرَوان يُعانون من حالةٍ مزاجية صعبة، فالمشرف راندر قد تم توبيخُه عدة مرات من المدير لأنه لم يقُم بِعملِه ولا أحد يَدري أين اختفى آيدين، وأسوأ احتمالٍ هو أن أحدَهم قد انتقَم منه وقتَله.

المدير نفسُه كان في حالةٍ سيئة لِأنه راسَل تلك المؤسسة التي يوجد ختمُها على رسالة التوصية الخاصة بِـ آيدين، وكانت مؤسسة مشهورة في دولة عظيمة، لكنّه لم يتلقّ أي ردّ، ولا يعلم إن كان أحد أفرادِها قد أعطى حقاً توصيتَه إلى آيدين أم لا، خاصةً أن المؤسّسة لم تردّ عليه بالنفي، وهذا أسوأ من الردّ بالإيجاب.

الأمراء الثلاثة والنبلاء كانوا يبحثون عنه داخل المدرسة للتقرّب منه، والتلاميذ ذوي الدماء الساخنة بحثوا عنه لاسترجاع أموالهم، بعض التلاميذ الأقوياء من المجموعة الثامنة والتاسعة كانوا مُستعدّين لِخدمتِه مقابل راتبٍ مُعيّن، الفتيات العاشِقات أرَدن التقرّب من هذا العبقري اللامِع، تلك الفتاة من القطار الطائر كانت تَدرُس شخصية آيدين طيلة الوقت وتَعتقِد بأنه يُشبِه ذلك الهارِب الذي التقَت بِه سابقاً، لكن شكلَه المُختلِف كان عثرةً في طريق تفكيرِها..

وصل خبر آيدين إلى التلاميذ القُدامى وأرادوا استكشافَه أيضاً كونَه خصماً مُستقبلياً لا يُستهان بِه، لذلك بدؤوا يجمَعون المعلومات التي تخُصّه رغم قِلّتِها، لكن التلاميذ المُتميّزين لم يهتمّواً له كثيراً، بل ومِنهُم مَن لم يسمَع بِه أصلاً، خاصةً أنّ أكثرهُم قوّةً كانوا في مهامّ خارجية طويلة الأمد.

خرجَت تالين من المدرسة أيضاً منذ أيامٍ بعد يأسِها من إيجاد آيدين، لا أحد يعلَم أين ذهبَت ولم يهتمّ أحدٌ لغِيابِها، لكن حادِثة فقدان السيف قد أثّرَت عليها بِالتأكيد، لذلك غادرَت لِسببٍ ما.

في ميناءٍ مهجور.. كان آيدين جالساً على عتبةٍ حجرية بِوجهٍ مُلطّخ بالسواد ويَرتدي ثياباً مُقطّعة، وكان هذا هو حالُه مُنذ خرج من المدرسة حيث عاش مُشرّداً ينام في الشارِع، مع أنه أراد في البداية حجز غُرفةٍ في أحد الفنادِق إلا أن فايري قد نصحَته ألا يفعل لِأن الأمراء والنبلاء يستطيعون اكتشاف مكانِه بِسهولة، كما أنها لم تسمَح له باستخدام هويةٍ جديدة دون تغيِير وجهِه حتى لا يُكتشَف، وبِما أنه لا يملِك وجهاً آخر فقد لازمَه اسم آيدين ولم يستطِع التخلّص مِنه.

يُعتبر تزوير الهوية جُرماً يُحكَم عليه بالإعدام، لأن الهوية العالمية تَتبع النظام العالمي الجديد الذي يحكُم العالم من الخفاء، وقوانينُه تُعتبر مُقدّسةً في جميع الدول، خاصةً تِلك الدول الصغيرة مثل تحالُف الخمسة زائد واحد، لذلك لم تسمَح له فايري بِالعبث في مسألة تغيِير الهوّيات، وبسبب هذا.. فضّل آيدين العيش كمُشرّد لاستكشاف المدينة لأن الناس لا يهتمّون للمشرّدين ولا ينظرون إليهِم.

تُعتبر مدينة أرَوان صغيرةً مُقارنة بالمُدن الأخرى، فأغلب أراضيها مِلكٌ للمدرسة، وهي مُقسّمةٌ إلى منطقةٍ خاصة مُحاطة بالسور العملاق، ومِنطقةٍ عامّة كانَت فارِغةً قبل قرون، ومع الوقت بدأت تبيعُها للتجار حتى صارَت منطقةً تِجارية مُشتركة بين الدول الخمسة، حيث تصِل أفضل السّلع إلى أسواقِها، ولِنفس الغرض صارَت مزاراً للكثير من الأشخاص بِغرض التسوّق وشراء السلع النادِرة حتى أن هناك مقولةً في تحالُف الخمسة زائد واحد تقول 'إذا لم تجِدها فاذهب إلى أرَوان'.

مِن خلال تِجوالِه في الشوارِع.. تعرّف على الكثير مِن المؤسسات والشخصيات الهامّة، وبِسبَب سلوكِه هذا.. قامَت فايري بِتعليمِه ما لا يعرِفُه عن فنون التجسّس واستنباط المعلومات، فكان يسأل المشرّدين الآخرين عّما يُريد، ويستخدِم تعزيز الحواسّ لِلتجسّس على ما يفعَله أو يقولُه الآخرون، وأحياناً يبحَث في مكبّ النفايات الخاص بِالمؤسّسات وتُساعِدُه فايري على بناء المعلومات اعتماداً على ما يجِدُه، وفي وقت الاضطجاع على الأرصِفة.. كان يُراقِب حركة الشخصيات الهامة ومن يزورونَهم، وهكذا صار نشاطُه اليومي والليلي هو جمع المعلومات وتحليلِها.

في هذه الفترة.. علِم آيدين بِأن التجارة في أرَوان تقع تحت يد نقابة تجار العقيق التي ينتمي إليها زميلُه ماليان، ومع وجود نِقاباتٍ أخرى إلا أنها لا تستطيع كسر السوق التي تفرِضُها نقابة تجار العقيق، وهذا جعلَه يُفكّر في استغلال ماليان الذي سبق وأخَذ مِنه تِلك البطاقات المالية أثناء المُسابقة.

علِم أيضاً بأن مدرسة أرَوان هي الآمِر الناهي في أرض أرَوان، وهي التي تتحكّم في الشرطة والمحطّة الدولية، لكنّها لا تتدخّل فيما يتعلّق بِبعض الأراضي التي تُعتبر أراضٍ دُولية، حيث لا تكون مسؤولةً حول ما يحدُث فيها لأنها مناطِق مُشتركة بين حدودِها مع الدّول الخمسة، لذلك لا تستطيع الشرطة الدخول إلى هذه الأراضي لأنها تحت حُكم الدولة التي تنتمي إليها، والفرق الوحيد بين هذه المناطِق وأراضي الدول هو أنها تسمَح بِدخول الناس دون التحقّق مِن هوياتِهم كما تفعل حين يدخُل أحدٌ إلى أراضيها.

هذه الأراضي الخمسة تُعتبر نُقطة ضُعف أرَوان لأن الدول الخمسة تستطيع إدخال أفرادِها عبرَها دون عِلم حكومة أرَوان، وهذا تسبّب بِوجود مجموعةٍ من العصابات التي تنشُط داخِل أراضيها، لكن هذا ليس كل شيءٍ وإنما تُعتبر المُشكلة الأكبر هي اختِباء بعض القِوى المُقلِقة داخِل هذه المناطِق الخمسة، وإذا أتى اليوم الذي تتحرّك فيه فقد تكون أرَوان هي أرض الحرب والمُتضرّر الأكبر.

لا يعيش الأمراء والنبلاء وبعض الأجناس القوية في مدرسة أرَوان مثل باقي التلاميذ وإنما يَرجِعون يومياً إلى هذه المناطِق الخمسة حيث يملِكون قصوراً ومشاريع يَسهرون عليها، ويستخدِمونها للدخول إلى دولِهم والعودة مرةً أخرى دون أن تعلم حكومة أرَوان، ما جعل هذه الأخيرة لا تهتمّ كثيراً بِمن دخل أو خرج، لكنّها بالتأكيد ستُعاقِب مَن يُفسِد على أراضيها خارِج هذه المناطِق الخمسة حتى وإن كان نبيلاً أو أميراً، والفرق الوحيد بين مُعاقبة الأجناس القوية والضعيفة هو سُرعة تنفيذ العقوبات حيث تنتظِر حكومة أرَوان تدخّل الدولة التي ينتمي إليها الأمير أو النبيل للمُفاوضة على التعويضات المُناسِبة.

كل هذا.. جذَب آيدين لِرؤية المناطِق الخمسة، وقضى في كل منطقةٍ بِضعة أيام كمُشرّد، ولأنه بارِعٌ في هذا النمط من العيش فقد كان ينجو دائماً من العصابات والمُتنمّرين، لكن هذا لم يدُم طويلاً حيث وقف عليه أحدُهم ذات مساءٍ وصرخ عليه

"إذن فقد كُنتَ هنا أيها اللعين"

في هذه اللحظة.. كان آيدين جالساً على عتبةٍ في ميناءٍ مهجور، وهذا الميناء يُطلّ على الخليجٍ البحري الوحيد في الدول الخمسة، حيث تُعتبر دولة ساردينا الشمالية الوحيدة التي تملِك بحراً، ويمتدّ خليجُها إلى حدود أرَوان، ما يجعَل سوقَها البحرية مُنتعِشةً جداً، كما أنها بوابةٌ للنقل البحري نحو الدول الأخرى، لذلك زارَها آيدين للاستكشاف ثم وجَد هذا الميناء المهجور وارتاح فيه.

الدول الخمسة هي فلوريم و فلوريان جنوباً ومِنها يأتي الأميران رايفوس و فلورا على التوالي، وشرقاً توجد دولة الجبال الصفراء التي أتى منها الأمير سامهي، ثم تاليمار وجزءٌ من ساردينا غرباً، وهذه الأخيرة تمتدّ إلى الشمال بأرضِها وبحرِها، وفي الوسط توجد أرَوان التي فرضَت نفسها على الدول الخمسة قبل بِضعة قرون حيث يُقال بأن مُقاتلاً قوياً قد حلّ بِالمنطقة وأخبَر الجميع بأنه سيُؤسّس مدرسةً هنا، وبعد معركةٍ مَلحمية.. رضَخ له الجميع وسمحوا له بالبقاء بِسبب قوّتِه الكبيرة.

كان  آيدين جالساً بِهدوءٍ ينظُر إلى ماء البحر تحتَه عندما سمِع ذلك الصوت الغاضِب، نظر إليه من الجانِب ولم يتعرّف عليه حيث كان شاباًّ عشرينياً لم يرَه مِن قبل، وقبل أن يَستفسِر مِنه.. انقضّ عليه الشاب بنِيّة قتلٍ لا مثيل لها، شعر آيدين بِالخطر واسترجَع جميع تدريباتِه القديمة فقام بِسرعةٍ وأخرَج خِنجراً مُقوّساً مِن الخزانة في لمحة عين، وفي هذه اللحظة كان العشريني في الهواء لِأنه قفَز مِن مكانٍ مُرتفِع، وكانَت قبضتُه تحمِل قوّةً بِدائية لِأنه مُتدرّبٌ قديم، وكانت إشارات الرؤية التحليلية تقول بِأنه سيتعرّض لِخطرٍ كبير إذا تمّت إصابتُه، ومع ذلك لم يخَف آيدين وإنما انتظرَه حتى وصل إليه.

استغلّ آيدين كَون المُهاجِم في الهواء حيث لا يستطيع تغيِير اتّجاهِه، واعتمَد على الرؤية التحليلية لِتقدير الحركات المُحتملة للخصم، وعندما وصل إليه.. استخدَم سُرعتَه للمُناورة في حركةٍ دائرية تُشبِه الرقص فمرّت قبضة الخصم مِن خِلالِه وظهر آيدين خلفَه، وقبل أن يُدرِك العشريني ما يحدُث.. أمسَك رقبَته وصرَخ مِن الألم بينما كانت الدماء تخرُج مِن ودَجِه الأيمن، وهذا يُعتبر نِصف الذبح لولا أن الخصم قد بدأ يستخدِم الطاقة البِدائية لِإغلاق الجرح.

لم يكُن آيدين يُخطّط لِقضاء الكثير من الوقت في هذا المكان لِأنه يعلَم بالفِطرة أن الحوادِث تجلُب الأنظار، وقد تصِل قوات دولة ساردينا إذا سمِعَت صرخة العشريني، لكنّه في نفس الوقت كان يتساءَل حول مَن يكون هذا العدو الذي ظهر مِن العدم، لذلك انقضّ عليه قبل أن يستدير وضربَه مِن الخلف إلى رُكبتِه فسقَط أرضاً، أمسكَه آيدين من شعرِه ووَضع الخِنجر على حُنجرتِه ثم سألَه بِنبرةٍ مهيبَة

"مَن الذي أرسلَك ؟"

التعليقات
blog comments powered by Disqus