"عمّي، لقد وصلت"

فُتِح الباب بعد لحظاتٍ وظهرَت قاعةٌ واسعة مليئة بآليات التدريب الغريبة، ومع أن القاعة كانت مُضاءةً جيداً في البداية إلا أن النور قد انطفأ فجأةً قبل أن يدخُل إليها، ابتلَع ريقَه ثم خطى إلى داخِل القاعة بعد رفع احتياطاتِه، وبِمجرّد دخولِه شعر بِهجومٍ مليءٍ بنيّة القتل يأتي من الجانِب، انحنى الطفل المحروق وتفادى الهجوم قبل أن يقفِز بعيداً، انتظر الهجوم الثاني بِتعابير جادّة قبل أن يسمَع صوت رجلٍ مُسنّ يقول

"عدوّك قد أمسكَ صديقَك وطلب مِنك إلقاء السلاح والاستسلام، ما الذي ستفعلُه ؟"

وبِمجرّد انتهاء الصوت.. تلقّى الطفل المحروق هجوماً آخر مثل السابق، قفز بعيداً وهو يُجيب

"أنا لا أتّخِذ أي أصدقاء، ليس لدي عائلة، وإذا كان حليفاً فسأهجُم على عدوي لإنقاذِه، وإذا فشِلتُ في إنقاذ حليفي فسأقتُله بِنفسي حتى لا يُسرّب أي شيءٍ عنّي"

كان يُجيب بينما يتهرّب من الهجمات الغادِرة، انتهى فسأله الصوت المُسنّ مرةً أخرى

"ما هو أهم شيءٍ في هذا العالم، هل هي القوة أم المال أم العلاقات ؟"

أجابه بِدون تفكير

"الذكاء، التخطيط الجيّد يُغني عن الثلاثة"

قال الصوت المسنّ

"السؤال الأخير، ما الذي ستفعلُه عِندما تُمسِك بِالنبيل الذي قتل عائلتك ؟"

أجاب باقتناعٍ تام

"لن أبحث عنه ولن أمسِكه، وإذا وقع في يدي فسأتعامل معه حسب ما تُمليه الخطة، أنا لا أبحث عن الانتقام"

وبِهذا الجواب.. عاد النور إلى القاعة وظهر ذلك المسنّ وكان هو نفسه صاحب المكتبة الوحيدة في بلدة كوبير، ابتسم نحو الطفل المحروق ثم سأله

"هل حقاً لا تنوي الانتقام يا آيدين ؟"

أومأ الطفل المحروق ثم قال

"ربما يبحث آيدين عن الانتقام، لكني لستُ آيدين، أنا لا أحد"

تحرّك المسنّ إلى الجانِب وظهر خلفَه رجلٌ فِضّي الشعر مُكبّل بالسلاسِل ومليء بالدماء، أشار إليه صاحب المكتبة وقال

"لن تنتقِم حتى إذا كان أمامَك ؟"

تغيّرت تعابير آيدين قليلاً رغم أن وجهَه لا يُظهِر التعابير بِشكلٍ واضِح، ومع ذلك هز رأسه وقال

"أنا لا أشعُر بأن هذا الشخص هو الذي قتل عائلتي، الذي قتلَها هو هذا النظام الفاسد، هذا هو عدوي الحقيقي"

تعرّف آيدين على المُكبّل بِالسلاسِل من النظرة الأولى، وكان هو نفسُه ذلك النبيل الذي قتل عائلتَه وأحرقَه ثم رماه في الشارِع، ومع ذلك لم ينقضّ عليه بحثاً عن الانتقام، رفع صاحب المكتبة أصبُعه وأشار نحو النبيل وهو يقول

"إذا كان الأمر هكذا فسأتولى أمرَه بِنفسي إذن"

عبس آيدين قليلاً قبل أن تندلِع نارٌ قوية وتُحيط بِجسد النبيل، بدأ يصرُخ بقوّةٍ دون القدرة على الكلام لأن صاحِب المكتبة كان قد دمّر حنجُرتَه، بعد بِضع ثوانٍ من الحريق.. نظر آيدين نحو صاحِب المكتبة وقال بِصدمة

"عمي، هـ.. هل هذا حقيقي ؟"

أومأ صاحب المكتبة وقال

"هذا ليس وهماً، لقد أحضرتُ الحقيقي هذه المرة"

حينها فقط أدرك آيدين بأن عمّه قد خدعَه حيث كان يصنع له مِثل هذه الأوهام منذ سنوات ويختبِرُه بِها، لكنه لم يتوقّع بأن يأتيه بالنبيل الحقيقي، وهذا جعل عواطِفَه مصدومةً ولا يدري ما الذي كان سيفعلُه لو عرف بأنه ليس وهماً.

أشار صاحب المكتبة إلى مكانٍ آخر فظهر ثلاثة رِجالٍ قِصار مُكبّلين بالسلاسِل أيضاً، وكانت أعيُنهم سوداء تماماً وليس فيها أي بياض، وآذانُهم كبيرة وواسِعة، وهذه هي صِفة المخبرين في هذا العالم حيث تُساعِدهم هيآتُهم على التجسس لأنهم يرَون ويسمعون ما لا يراه ويسمعُه غيرُهم، أخرج سكيناً ورماه نحو آيدين ثم قال

"بِما أنك قد نجحتَ في الاختبار فيُمكِنك قتل هؤلاء الثلاثة، قد لا يكونون طرفاً في مُعاناتِك لكنّهم أشخاصٌ فاسدون ويستحقّون الموت"

أمسَك آيدين السكين واقترَب مِنهم بِهدوء بينما كانت تعابيرهم مرعوبة، لم تتغيّر تعابير آيدين وإنما لوّح بالسكين ونحرَهُم دون تردّد، لم تكُن هذه أول مرةٍ يطلُب مِنه صاحب المكتبة أن يقتل أحداً، لذلك كان الأمر سهلاً عليه، لكن صاحب المكتبة كان لديه غرضٌ آخر وهو التأكد من تعابير وحركات آيدين وهو يقتُلهم، فأي شخصٍ يفقِد فُرصة الانتقام لِعائلتِه سيقوم بإخراج حِقدِه على الضحية القادمة، لكن آيدين لم يستخدِم أية عواطِف وهو ينحَرُهم، وهنا ابتسم صاحب المكتبة وقال

"هذا هو امتِحانُك الأخير، وقد نجحتَ فيه بامتياز، ما يعني بِأنك لن تكون تلميذي بعد اليوم"

قطّب آيدين جبينَه ولم يعلَم ماذا يحدث، أشار صاحب المكتبة إلى بابٍ مُغلق وقال

"انتهى تدريبُك الجسدي، والآن قد حان وقت تدريبك على استخدام الطاقة، دعنا ندخُل إلى الغرفة السرّية"

تبِعه آيدين بِصمتٍ حتى دخلا إلى غُرفةٍ صغيرة ليس فيها إلا سلاسِل مُتدلّية من السقف، وقبل أن يشعُر آيدين.. كان صاحِب المكتبة قد انقضّ عليه وعلّقَه بتِلك السلاسل، لم يجزع آيدين لأن صاحب المكتبة كان يُعذّبه باستمرار حتى صار لا يخشى التعذيب، لا يُعذّبه لِأنه يكرهُه وإنما لأن التعذيب جزء من التدريب الخاص الذي يحظى بِه سراً، لكنه استغرَب هذه المرة لِأن صاحب المكتبة قد استخدم نوعاً جديداً من القيود، حيث يستطيع آيدين في العادة الإفلات من القيود المعدنية العادية، أما هذه القيود الذهبية فلَم يرَ مِثلَها من قبل.

تعلّم آيدين ألا يُعارِض قرارات صاحب المكتبة والذي أنقذَه ودرّبه جيداً حتى صار من أقوى الأشخاص في بلدة كوبير، ومع أنه كان يُعامِله بِقسوةٍ إلا أن تدريباتِه جعلَته يرى العالم من زاوية جديدة، حيث لم يقتصِر تدريبُه على فنون الحركة والقتال وإنما أيضاً على فنون السياسة والخداع وعلوم الكلام، وهذا جعلَه أحد أقوى وأذكى سكان هذه الدولة رغم صِغر سنِّه، لكنه للأسف لم يُجرّب قوّتَه وذكاءَه خارِج قاعة التدريب بِسبب هويتِه وجسدِه المحروق.

وقف صاحب المكتبة أمام آيدين ثم سأله

"ما هي الأجناس القوية التي تحكم هذا العالم ؟"

أجابه آيدين

"الأمراء، النبلاء ثم الرهبان"

سأله مرة أخرى

"وما هي الأجناس التي تمنح هؤلاء الثلاثة قوّتهم ؟"

قال

"المواطنون"

سأله صاحب المكتبة مرة أخرى

"وكيف يحكم هؤلاء الثلاثة عدداً هائلاً من المواطنين رغم أنهم أقلّية ؟"

قال آيدين

"باستخدام الأجناس الأخرى مثل الشرطة والمخبرين وباقي الأجناس الموالية للأمراء والنبلاء، بالإضافة إلى جنس المبشّرين الموالي للرهبان"

أومأ صاحب المكتبة ثم سأل

"وأنت.. من أي جنس ؟"

قطّب آيدين جبينَه ولم يعلم ماذا يقول، طال به الصمت حتى استقبل لكمةً قوية على وجهِه جعلته يدمى، سأله صاحب المكتبة مرةً أخرى

"من أي جنسٍ أنت ؟"

صمت ولم يُجِب فضربَه مرةً أخرى وأخرى حتى صار لا يسألُه وإنما يضرِبه فقط، وبعد لحظاتٍ من اللّكم.. أخرج صاحب المكتبة سوطاً وبدأ يجلِدُه بِه بِما يملِك من قوة، لم يصرُخ آيدين رغم الألم الذي عاناه لأنه مرّ بمِثل هذا لِوقتٍ طويل، لكنّه لاحظ بأن صاحب المكتبة كان يستهدِف جميع أطراف جسدِه حتى صار مجروحاً من كل مكان، وبعد رُبع ساعةٍ من الضرب.. سأله مرةً أخرى

"من أي جنسٍ أنت ؟"

ابتلع آيدين ريقه وقال بِتردّد

"مـ.. مواطِن ؟"

عبس صاحب المكتبة وصرخ عليه

"بِما أنك لا تعلم فربما يجب علي إحراقُك مرّةً أخرى"

ودون انتظار.. أشار صاحب المكتبة نحو آيدين فخرجَت شعلةٌ قوية من النار السوداء وكسَت جسدَه، حينها فقط بدأ يُحسّ بآلامٍ لا يستطيع تحمّلها وبدأ يئنّ، لكن ما جعلَه يتعذّب أكثر لم يكُن الألم وإنما هي فِكرةٌ طرأت عليه وهو ينظُر إلى تعابير صاحب المكتبة، وبعد ثوانٍ من التفكير.. صرخ

"عمّي ... هل.. حان وقتُك ؟"

لم يُجِبه صاحب المكتبة وإنما واصل تعميم النار على جسد آيدين حتى تشوّه جسدُه وأصابَه الجفاف، وهذا ذكّرَه بِما مرّ بِه وهو صغير، لكنّه هذه المرة لم يصرُخ وإنما صبر على مُصابِه لِأكثر من خمس دقائق حتى توقّفت النار أخيراً فتقدم صاحب المكتبة نحو آيدين وهو يقول

"هذا شيءٌ مُفيد لم أعُد في حاجةٍ إليه"

مدّ يدَه وظهرَت عليه قطعةٌ معدنية لامعة، وفجأةً.. خرجَت مِجسّاتٌ رقيقة وطويلة من القطعة المعدنية وبدأت تتحرّك وكأنها على قيد الحياة قبل أن تنقضّ على آيدين وتلتصق على قفاه، شعر آيدين بِبعض الألم لأن الحشرة المعدنية بدأت تقطَع لحمَه وتدخُل إلى جسدِه، وبعد أقل مِن دقيقة.. شعر وكأن أعصابَه مُتصلّبة وبدأ ألمٌ حاد يغزو جميع أعصابِه فبدأ يتلوّى ويصرُخ، استمر هذا لِأكثر من دقيقةٍ قبل أن يسكُن الألم فاقترب مِنه صاحب المكتبة وقال

"والآن.. دعني أُمرّر لك إرثي"

التعليقات
blog comments powered by Disqus