"مَن الذي أرسلَك ؟"

صرَخ عليه العشريني بِغضَب

"اللعنة عليك ... سأقتُلك ... سأمزّق أشلـ.."

وقبل أن يُكمِل.. ضغط آيدين على الخِنجر وبدأ يقطَع مِن خِلال حُنجرتِه، إلا أن الخِنجر لم يقطَع هذه المرّة وإنما صدّته طاقةٌ قوية، لم يكُن آيدين مُتدرباً على الطاقة لذلك لم يكُن يستطيع الشعور بِها، لكن تعزيز الحواسّ قد أعطاه إشارةً على وجود حاجزٍ بين الخِنجر والرقبة، لذلك نزع الخِنجر بِسرعةٍ وقلبَه ثم غرزَه في كتِف الشاب حيث لم يكُن محمياً بِالطاقة، صرَخ الشاب بِقوّةٍ وهو يقول

"اللعنة عليك ... أنا مُشرفٌ في المدرسة ... سأقتُلك"

عبس آيدين ولوى الخِنجر فتسبّب له بِألمٍ حاد ثم سأله

"لا تكذِب، لِماذا ستَفعل المدرَسة مِثل هذا ؟"

صرخ الشاب مِن الألم

"اللعنة ... أنا المُشرِف راندر ... كلّفني المُدير بحِمايتِك، لكنّك اختفَيت وجعَلتني أتلقّى العِتاب كل يوم، وأردتُ تلقينَك درساً على هذا"

قال هذا ثم رمى شارةً عليها اسمُه وشِعار المدرسة، رأى آيدين جميع المعلومات على الشارة قبل أن تصِل إلى الأرض، نزَع الخِنجر مِن كتِف راندر ثم قال له

"إذا كان كما تقول فسَوف أدّعي بِأن هذا لم يحدُث، لا تعترِض طريقي مرّةً أخرى"

قال هذا ثم دفعَه بِقَدمِه إلى الماء، أخذَ الشارة وتخلّص مِن الخِنجر والدماء ثم غيّر ثيابَه وغادَر المنطقة الشمالية نحو أراضي أرَوان، كان الوقت مساءً لذلك لم يكُن هُناك شهود، قطع المسافة بين الميناء والمدرسة جرياً حتى يُنهي تدريبَه اليومي، وكانت حالتُه الجسدية جيدةً وصار جِلدُه الصناعي جُزءً من جسدِه كونَه مصنوعاً مِن مادةٍ عُضوية مُعالجَه، وقد أخبرَته فايري بأنها لا تدري ما هي التطوّرات التي سيتطوّر إليها مُستقبلاً لكنّه على الأقل سيمنَح له صلابة ومرونة غير بشريّة، أما مركز الطاقة البدائية وخطوط الطول التي نقلَها إليه عمّه فحتى فايري لا تستطيع استكشاف حالتِها، لذلك يجب عليه العودة إلى المدرسة لاستكشاف الأمر.

وصل إلى الحرّاس وأظهَر شارة التلميذ مع الهوّية، سمح له الحرّاس بِالدخول ثم أعلَموا الإدارة مُباشرةً حيث كان اسمُه في قائمة المُراقبة، وبعد دقائق قليلة كان المُدير على علمٍ بِعودتِه، اتّصل بالمُشرِف راندر لإخبارِه حيث كان قد أمرَه بألا يعود إذا لم يجِده، ردّ عليه راندر وكان يتأوّه مِن الألم، استفسر مِنه المُدير إلا أنه لم يُخبِره بِما حدث لأنه سيُصبِح أضحوكةً إذا علِم أحدٌ بأنه قد هُزِم على يد تلميذٍ جديد، لذلك زيّف القصّة على أمل ألّا يفضحَه آيدين يوماً ما، حيث قال بِأنه قد تعرّض للهجوم على يد إحدى العِصابات في الميناء القديم بِـ ساردينا.

دخل آيدين إلى المدرسة ورفع حِرصَه مخافة أن يكون هدفاً للإدارة لِأنه لم يفهَم لِماذا هجم عليه راندر دون سابِق إنذار، وبينما هو يتمشّى.. رأى العجوز شويلّو يحمِل كيساً ثقيلاً ويمشي بِبطء، اتّجَه نحوَه بِسرعةٍ وهو يقول

"عارٌ على الإدارة استخدام هذا العجوز المسكين، ألا يخشَون مِن كلام الناس عنهم ؟"

نظر إليه شويلّو باستغرابٍ فابتسَم آيدين وأخذَ مِنه الكيس ثم قال باحترام

"جدّي.. دَعني أحمِل هذا لِأجلِك"

كانت نظرتُه صادِقةً جداً ولا تحمِل أية نوايا خفيّة، أومأ شويلّو نحو بعض المخازِن ثم قال بِصوتٍ عتيق

"هُناك"

اهتزّ قلب آيدين مِن هذا الصوت دون أن يعرِف السبب، حمل الكيس ومشى مع شويلّو بِبطءٍ حتى وصلا إلى المخازِن فأخرَج شويلّو حلقة المفاتيح وبدأ يبحَث عن المفتاح بِبطءٍ شديد، شعر آيدين بالملل وكاد يتحدّث إلا أن فايري تدخّلت قائلةً

{لا تنخدِع، إنه يَختبِر صبرَك}

لم يفهم آيدين ما تسعى إليه فايري لأنها هي التي نصحَته بالتقرّب مِنه، ومع ذلك طبّق ما قالَته وصبَر حتى وجَد شويلّو المِفتاح المُناسِب وفتح باب المخزن، دخلا فوضَع الكيس ثم سأله

"هل لديك أمورٌ أخرى أقوم بِها لأجلِك ؟"

هزّ شويلّو رأسَه بالنفي فابتسَم آيدين ثم سأله

"جدّي.. أنت موظّفٌ هنا، فلِماذا تسمَح لِأولئك التلاميذ الأوغاد بإزعاجِك ؟"

صمت شويلّو طويلاً قبل أن يقول بِصوتٍ مُترهّل

"مجرّد ... أطفال"

تنهّد آيدين ثم قال بِحزم

"اِنتظرني حتى أُصبِح قوياً، سأجعلُهم يَدفعون الثمن بِالتأكيد"

نظر إليه شويلّو طويلاً ثم ابتسم قليلاً، قهقه آيدين ثم قال باستنكار

"أنت لا تُصدّقني ؟"

صمت شويلّو ولم يُجِبه فقال آيدين

"قد لا أكون موهوباً، لكن التدريب الجيّد سيُعوّض موهِبتي، وسترى حينها بِأني صادِقٌ فيما أقول"

استدار شويلّو دون أن يقول شيئاً فخرَج آيدين مِن المخزن أولاً وهو يقول

"جدّي.. إذا لم يكُن هناك ما أساعِدُك فيه فسأغادِر الآن"

قال هذا ثم خرج وغادَر، نظر إليه شويلّو باستغرابٍ حتى اختفى فقال بِنبرةٍ مُعتدِلة عكس السابق

"مَن يكون هذا الطفل ؟"

فجأةً.. خرج المُدير من خلف المخازِن وقال باحترامٍ شديد

"إنه ذلك الذي كنّا نبحث عنه، لكني لا أدري شيئاً عن هويتِه الحقيقية"

كان المدير قد خرج لِرؤية آيدين عن قُرب بعد تلقّيه خبر عودتِه، إلا أنه فوجئ عندما رآه مع شويلّو، لذلك اختبأ وانتظر حتى يُغادِر، قال شويلّو

"شمَمتُ مِنه رائحة دماءٍ طازجة، ربما دخل في عِراكٍ قبل أقل من ساعتَين"

عبس المُدير بشدّةٍ ثم همهم

"هل كذب عليّ راندر ؟"

نظر إليه شويلّو فأخبرَه المُدير عن اتّصالِه مع راندر وأنه قد تعرّض قبل ساعةٍ لإصابتَين بالخِنجر على يد إحدى العِصابات، صمت الاثنان طويلاً قبل أن يقول شويلّو

"بِما أنه أتى إليّ فربما يبحَث عن الحِماية، لكن.. كيف عرَف بِشأني ؟"

كان المُدير قد أبلغ شويلّو سابقاً عن رسالة التوصية الغريبة وما فعلَه آيدين في أول يومٍ له بالمدرسة، واليوم زادَت حيرتُهما أكثر من السابق، وأخيراً.. قال شويلّو

"لا تُسِئ إليه، بِما أنه قصدَني فدَع أمرَه لي، سنرى أولاً ما سيفعله في الامتحان النهائي غداً، أما راندر فحقّق معه ثم أعطِه فترةً للراحة"

قال هذا ثم اختفى مِن مكانِه وكأنه لم يكُن موجوداً، أومأ المُدير باحترامٍ ثم انصرَف أيضاً.

مِن مكانٍ بعيد.. سمِع آيدين كل ما قالَه الاثنان عبر تعزيز حاسة السمع، تنهّد أخيراً عِندما تأكّد بِأن المدرسة لا تُريد به شراًّ، لكنّه استغرَب مِن أمرَين، الأول هو اكتِشاف شويلّو لِتمثيلِه، والثاني هو الامتحان النهائي في الغد، وبعد سؤال فايري.. قالَت

{أنا لا أعرِف مَن يكون شويلّو هذا، لكنّه قويٌ جداً وسيكون جيداً إذا أنشأتَ علاقةً ودّيةً معه، أما الامتحان النهائي فربما لِأنك التحقتَ مُتأخراً بِالمدرسة حيث كان قد سبَقك الكثير من التلاميذ، وهذا يعني بأنك قد أضعتَ فُرص إيقاظ مركز القوة البدائية ولم تعُد أمامَك سوى فُرصةٍ واحِدةٍ فقط}

تنهّد آيدين وشعر بِالحظ لِأن راندر قد وجدَه وجعلَه يعود إلى المدرسة بِطريقةٍ غير مُباشرة، ولولاه لربما كان سيُضيف يوماً آخر قبل العودة، لكن هذا ليس بِالشيء المُفرِح حيث لم يعُد أمامَه سوى يوم الغد لإثبات نفسِه، وربما قد يتم طردُه مِن المدرسة إذا لم يُبلِ جيداً.

أثناء تفكيرِه.. شعَر بِأحدِهم يَقترِب وهو يقول بِحُرقة

"أعِد لي سَيفي"

كانت هذه تالين التي اختفَت منذ فترةٍ من المدرسة، ويبدو بِأنها قد عادَت بِسبب الامتحان، نظر إليها آيدين طويلاً ثم قال بِتهكّم

"أردتِ الإطاحة بي ثم خسِرتِ، فما الذي تُريدينَه الآن ؟"

صمتَت قليلاً ثم قالت بِنبرةٍ تهديدية

"إذا لم تُعِده لي فسيتحدّاك أخي في امتحان الغد، وهو في مستوى الإثبات ومِن أقوى مائة تلميذ"

تُعتبر النزالات بين التلاميذ الجُدد والقدامى نشاطاً ترفيهياً إضافياً بعد انتهاء الامتحان، وذلك حتى يعلَم التلاميذ الجُدد مكانهُم الحقيقي ويحترِموا التلاميذ القُدامى، وهذا النشاط ليس إجبارياً وإنما يُمكِن رفضُه بِسهولة، إلا أن الأغلبية لن يرفضوه حتى لا يُقال بأنهُم جُبناء، وعلى أي حالٍ يبدو بِأن تالين قد ذهبَت إلى أخيها وطلبَت منه العودَة لِمُساعدتِها على استعادة سيفِها، ابتسَم آيدين بِطريقةٍ شريرةٍ ثم قال

"تُخيفينَني بقوّة أخيك ؟
وماذا إذا كنتُ لا أحتمِل الانتظار إلى الغد ؟"

قال هذا بينما يتقدّم نحوَها بِبطء، تراجعَت بِخوفٍ ولَم تعلَم ما الذي ينوي القيام بِه، إلا أنه توقّف وضحِك عليها ثم قال

"كل ما أردتُه هو مجرّد اعتِذار، لكنّك لستِ مُهذّبةً إلى هذه الدرجة كما يبدو"

لوّح بِيدِه فطار السيف نحوَها ولم تعلَم مِن أين خرج، استدار وقال

"لا تعتَرضي طريقي مرّةً أخرى، أنا لا أملِك الوقت لِأمثالِك"

التعليقات
blog comments powered by Disqus