"والآن.. دعني أُمرّر لك إرثي"

كانَت هذه الكلمات القليلة شديدةً على قلب آيدين لأنه سبق وسمِع مِن صاحب المكتبة بِأنه يوماً ما سيُعطيه إرثَه، وأن هذا اليوم سيكون آخرَ يومٍ يلتقيان فيه، ومع أن صاحب المكتبة لم يشرَح له شيئاً حينها إلا أن قلبَه قد أخبرَه بأن شيئاً غريباً سيحدُث وأن صاحِب المكتبة لا يُريد إخبارَه بالتفاصيل.

رفع صاحب المكتبة يدَه نحو السلاسل الذهبية التي تُقيّد آيدين ثم أخرج هالةً شفافة مِن يدِه وجعلها تُحيط بِالسلاسل، استغرَب آيدين لأنها أول مرةٍ يسمع أو يرى مثل هذه الهالة الخفيفة، لكن موجةً جديدةً من الألم بدأت تغزو جسدَه، وهذه المرة لم تكُن مثل الآلام السابقة ولا مثل أي ألمٍ شعر بِه في حياتِه، لأن الذي شعر به هذه المرة كان يصِل إلى عِظامِه وأعصابِه وكل جزءٍ من جسدِه الداخلي والخارجي، كما أن الأمر لم ينتهِ بِسرعةٍ وإنما استمرّ دون انقطاع، استمر بالصراخ حتى انقطع صوتُه أخيراً ولم يعُد قادراً على الصراخ، وما هي إلا دقيقةٌ أخرى حتى أُغمِي عليه ولم يعُد يعلم ما يحدُث في الخارِج.

بعد وقتٍ غير معلوم.. سمِع آيدين صوت صاحب المكتبة يقول

{غادِر هذا المكان بِسرعة، سيتم تدمير هذا المقرّ بعد نِصف ساعة}

فتح عينَيه وكان جاثياً على الأرض، قام ونظر إلى الأعلى فوجد بِأن السلاسل الذهبية قد اختفَت نهائياً ولم تعُد مُعلّقةً بِالسقف، رمش مرّتَين ثم نظر أمامَه فتغيّرَت تعابيرُه عِندما رأى جثةً جافةً ومُتفحّمة، علِم من النظرة الأولى بأنه صاحب المكتبة وأن اعتِقادَه كان صحيحاً، ما يعني بأن تمرير الإرث كان على حِساب حياتِه، لم يبكِ عليه آيدين وإنما تقدّم نحوَه لِحملِه ودفنِه، إلا أن صوت صاحب المكتبة ظهر مرّةً أخرى يقول

{غادِر هذه القاعة الآن، سيحدُث التدمير الذاتي بعد سبعةٍ وعشرين دقيقة}

عبس آيدين ونظر يميناً وشمالاً لِتحديد مكان الصوت قبل أن يصرُخ

"عمّي ... أين أنت"

كان الصوت لِصاحب المكتبة بالتأكيد، ما يعني بأنه لم يكُن يتخيّل عندما كان مُغمىً عليه، ولابد أن هذه الجثة الجافة ليست لِصاحب المكتبة، ورغم أنه كان قد تقبّل الأمر إلا أنه صار سعيداً عِندما علِم بأن صاحب المكتبة لا يزال على قيد الحياة، أجابَه صاحب المكتبة

{أخرُج الآن وغادِر نحو وسط بلدة كوبير، سأشرح لك حينها ما يجب عليك فِعلُه}

أغلق آيدين عينَيه قليلاً قبل أن يُقرّر تطبيق أوامِر صاحب المكتبة، لذلك خرج مِن مكانٍ خاص يخرُج مِنه حيث لا يخرُج من النفق الذي يدخُل مِنه في العادة، خرَج من القاعة وظهر في زقاقٍ مُظلِم بالقُرب من المكتبة وكان مليئاً بالنفايات، نظر نحو نهاية الزقاق وكان الوقت نهاراً فلَم يعُد يدري كم بقي مُغمى عليه في القاعة، ابتلَع ريقَه وأراد الخروج قبل أن ينتبِه إلى أنه لا يلبِس أي شيء، مرّر يدَه على جسدِه فتغيّرَت تعابيرُه لأنه لاحظ شيئاً غريباً يحدُث، صرخ داخلياً

[عمّي ... ما الذي فعلتَه بي ؟]

فجأةً.. ظهرَت صورة صاحب المكتبة في ذِهنِه وأجابَه

{أنت تملِك الآن جسداً جديداً، سأشرح لك كل شيءٍ في وقتٍ لاحِق، المهم هو أنك لم تعُد محروق الجسد كما كُنتَ سابقاً}

استغرَب آيدين مِن كونِ صاحب المكتبة قد أجابَه على سؤالٍ داخلي لم ينطِقهُ بِفمِه، وفجأةً.. سقطَت بعض الثياب بين يدَيه وكأنها قد خرجَت من العدم، قال صاحب المكتبة

{إلبِس هذه الثياب حتى لا تُثير أنظار الآخرين إليك، غادِر هذه المنطقة أولاً ثم سأشرح لك كل شيء}

لم يستغرِب آيدين كثيراً لأن صاحب المكتبة معروفٌ بِطُرقِه الغريبة، لكنه لم يعتقِد يوماً بأنه يستطيع الحديث معه بالصوت والصورة كما يرى الآن في ذهنِه، ومع ذلك قرّر ارتداء الثياب والمُغادرة كما طلب منه، لبِس وخرج من الزقاق خُفيةً ثم بدأ يتصفّح يدَه وقد صارَت يداً عادية غير محروقة، لمس وجهَه وشعرَه فوجَد بِأنه قد استعاد أنفَه المجدوع وصارَت شفتاه وأذناه عادِيةً مثل جميع المواطنين، سلك بعض الشوارِع الصغيرة والأزقة الخفية التي صار يحفظُها عن ظهر قلب، وقصد في طريقِه إحدى البنايات الزجاجية لِيرى صورتَه المنعكِسة عليها، وقف أمامها وتصلّب مكانَه لِأكثر مِن دقيقةٍ لِأن ما رآه كان شيئاً لم يتخيّلهُ مِن قبل.

ما رآه على الواجهة الزجاجية كان طفلاً سليماً مثل أي مواطنٍ عادي، ومع أنه لم يكُن وسيماً إلا أن هذا الوجه كان نِعمةً كبيرةً بِالنسبة له بعد أن عاش أكثر من خمس سنواتٍ بِجسدٍ محروق، استدار بعد جُمودٍ ووَاصل طريقَه إلى وسط البلدة فظهرَت صورة صاحب المكتبة في ذهنِه وهو يقول

{يجب عليك مُغادرة بلدة كوبير بِأسرع ما يُمكِن، هذه هوّيتُك الجديدة مع بِطاقةٍ مالية وتذكِرة القطار الطائر، لا تتحدّث مع أحد ولا تفعَل أي شيءٍ مُثير للانتباه، ستأخُذ الرحلة ثلاثة أيامٍ للوصول إلى مدينةٍ أخرى، وهناك سأشرَح لك كل شيء}

فجأة.. سقطَت ثلاث بِطاقات مُتشابِهة تقريباً بين يدَي آيدين وكانت إحداها هي هوية شابٍ بِنفس صورتِه، لكن اسمَه والمدينة التي ينتمي إليها وغير ذلك من المعلومات كانت مُختلِفةً عمّا يعرِفه آيدين، ومع الهويةِ بطاقةٌ سوداء تتبع مؤسسةً مالية مُعيّنة ويُمكِن استخدامُها للشراء والدفع، والبطاقة الثالثة كانت تذكرة القطار وفيها ساعة الانطلاق وهي نفس الساعة التي وصل فيها إلى المحطة تقريباً.

تقدّم آيدين نحو المحطّة دون أي تردّدٍ لِأنه تربّى على طاعة أوامِر صاحب المكتبة دون نِقاش، لم تكُن هذه الطاعة مثل التي بين الخادِم وسيّدِه وإنما مثل التي بين الابن وأبيه، فحتى وإن كان صاحب المكتبة قد عاملَه بِقسوةٍ كبيرة إلا أنه يعلم السبب، فالنجاة في مثل هذا العالم يتطلّب الحصول على القوة، وهو عاش منبوذاً بعيداً عن أي فُرصةٍ للحصول على القوة مثل الذين يلتحِقون بسِلك الشرطة والمخبرين، أو مُنشئي ومُنتسبي النقابات والأحزاب المُختلِفة، ناهيك عن الأجناس التي تولد بِقدراتٍ وِراثية مثل النبلاء والأمراء، ومع أنه يعلم بِأن القانون يمنع المواطنين من اكتساب القوى إلا بانخراطِهم في إحدى المؤسسات الرسمية.. إلا أن صاحب المكتبة كانت لديه طريقةٌ مُختلفة لِتسيير الأمور ولا بد بأنه قد خطّط لِمُستقبل آيدين.

وصل إلى المحطة وقدّم هوِيتَه في الباب ثم انتظر وصول القطار، وبعد دقائق وصل القطار الطائر وكان ضخماً وكأنه قصرٌ أو قلعة، علِم من النظرة الأولى أنه قطارٌ فاخِر وليس مثل القطارات التي يركبها الفقراء، وهذا ظاهرٌ أيضاً من الملابس التي يرتديها أغلب الركاب المُنتظرين على الأرض، فُتِح بابٌ كبير أمامَهم فتقدّم شابٌّ مُسرِع مع سبعةٍ مِن أصحابِه نحو الباب، وكان آيدين يقِف في الطريق مُستمتِعاً بِهذا المنظر الذي لم يرَه إلا في الكُتب أو في السماء حيث كانت القِطارات تمرّ يومياً فوق بلدة كوبير.

وصل الشاب المُسرِع إلى آيدين ودفعَه بِكتِفه دون أن يقول شيئاً، لكنّه استغرَب مِن صلابة جسد آيدين الذي لم يتزحزح مِن مكانِه، نظر إليه الشاب بِنظرة احتِقار ثم واصل طريقَه نحو القِطار، لم يأبَه له آيدين لأنه لا يُريد افتِعال المشاكِل مع أحد، خاصةً أن هويتَه الجديدة غير واضحة لِحد الآن، ولا يعلم ما هي المهمة التي يجب عليه تنفيذُها، لذلك بقي في مكانِه حتى ركِب الجميع تقريباً، حينها فقط تقدّم للأمام وركِب القطار أيضاً.

قدّم تذكِرتَه للموظّف المسؤول عن الاستقبال فاستغرَب لِأن ثِياب آيدين كانت عادية مثل ثياب الفقراء، وشعرُه كان أشعثاً وغير نظيف، لذلك قال

"هل لي أن أرى هويتَك سيد هارفي ؟"

تجهّم آيدين قليلاً قبل أن يتذكّر بِأن اسمَه الجديد كان على التذكرة أيضاً، أومأ ثم أخرَج هويتَه مِن جيبِه فقال الموظف وهو يُمسِك جِهاز الفحص

"أعذرني سيد هارفي لأني أريد فحص هويتِك الذاتية وليس هذه البطاقة"

التعليقات
blog comments powered by Disqus