"أعذرني سيد هارفي لأني أريد فحص هويتِك الذاتية وليس هذه البطاقة"

الهوية الذاتية هي آليةٌ يتم تركيبُها على جميع المواليد وتبقى في أجسادِهم طيلة الحياة، ولا توجد أي طريقةٍ لإخراجِها من الجسد لِأنها تابعةٌ للنظام الحاكِم، وهذه الهوية يُمكِن للدولة التعديل عليها بِتغيِير بعض المعلومات مثل تحديث الصورة أو الجِنس إذا صار المواطِن تابِعاً لإحدى الأجناس الأخرى، ولِأن الجميع لا يملِكون أجهِزة التحقّق مِنها فقد صنعَت الدولة بِطاقات الهوية الورقية مثل التي أخرجَها آيدين مِن جيبِه، لكن الموظف صارمٌ على ما يبدو لِأن البطاقات يُمكِن التلاعُب بِها عكس الهوية الذاتية.

ارتجف آيدين قليلاً قبل أن يسمع صوت صاحب المكتبة يقول

{لا تقلق، لقد عدّلتُ هويتَك الذاتية أيضاً}

تنهّد آيدين داخلياً ثم مدّ يدَه لِأن الهوية يتم فحصُها على الساعِد، مرّر الموظّف جِهاز الفحص ثم أومأ وقال باحترام

{أعتذِر منك سيد هارفي على هذا الفحص الروتيني، دَع زميلتي توصِلك إلى غُرفتِك الخاصة}

أشار إلى فتاةٍ جميلة تلبِس ثِياب الموظفات فتقدّمَت نحوهُما وقادَت آيدين نحو غُرفةٍ في جناح الشخصيات الهامّة، وهُناك كان الشاب المُسرِع مع أصحابِه يتضاحكون وهُم يفتحون باب غُرفتِهم الخاصة ومعُهم بعض الموظّفات الجميلات، تفاجأ الشاب عندما رأى بِأن آيدين قد حصل على غُرفةٍ لِوحدِه لِأن سِعر الغُرفة الواحِدة كبيرٌ جداً، ما يعني بأن آيدين يَتبع عائلةً غنية في الغالِب، وهذا يَعني أيضاً بِأنه قد فشِل في التعرّف عليه بِسبب ثِيابِه وشكل شعرِه، ويجِب عليه الآن إصلاحُ هذا الخطأ في أسرَع وقتٍ، لذلك تقدّم نحوَه وقال باحترام

"لقد كُنتُ مُتسرعاً في السابِق واصطدَمتُ بِك عن غير قصد، أنا راميس من عائلة جيدون، أتمنى أن تقبل اعتذاري"

أومأ آيدين ثم قال بِلا مُبالاة

"ليس هناك ما تعتذِر عليه"

قال هذا ثم دخل إلى غُرفتِه مع المُوظّفة، وهذا جعل راميس يتغيّر ويشدّ قبضتَه لِأن آيدين لم يُجِبه بِنفس الاحترام ولم يُعرّف عن نفسِه، لكنه لن يفتعِل المشاكِل على متن القطار الطائر وإنما سينتظِر حتى وقتٍ آخر، هذا إذا لم يفترِقا أصلاً قبل الوصول إلى وِجهتِه النهائية.

دخل آيدين مع الموظفة الصغيرة إلى غُرفتِه فقالَت له بِملامِح خجولة

"هل تُريد مني البقاء معك خلال الرحلة ؟"

فهِم حركاتِها مع أنه لا يزال طِفلاً لم يصِل حتى سِن الخامسة عشر، لكن نمط تدريبِه جعلَه قاسياً في ملامِحه مهما كانت تغيِيرات قلبِه، لذلك استدار وأجابها بِأقصر جوابٍ سمِعَته في حياتِها في مِثل هذا الموقِف

"لا"

طأطأت رأسَها قليلاً ثم قالَت

"هناك قائمةٌ للطعام على الطاوِلة، يُمكِنك طلب ما تشتهيه عبر ناقل الصوت، يوجد حمامٌ ساخِن أيضاً ويُمكِنك طلب بعض الفتيات لِمساعدتِك على الاستحمام، ويوجـ.."

توقّفت عن الكلام عندما رأَت تعابيرَه المُتجمّدة فاستأذنَته وغادرَت بِأسف، أغلق الباب وراءَها ثم دخل إلى الحمام وكان واسعاً، نزع ثِيابَه ثم وقف أمام المرآة وبدأ يتصفّح جسدَه فلاحظ بأن طولَه قد ازداد قليلاً وظهرَت تقسيمات العضلات على صَدرِه وبطنِه، فمَع أنه كان رياضياً جيداً إلا أن حروقَه كانت تُخفي مثل هذه التفاصيل، لمَس شعر رأسِه ثم قال في نفسِه

[ربما يجب عليّ قصّ شَعري لِأنه يبدو سيئاً]

فجأة.. ظهرَت صورة صاحِب المكتبة في ذِهنِه وقال له

{هل أمنحُك تسريحةً جديدة ؟}

استغرَب آيدين مِن هذا الذي قالَه صاحِب المكتبة فقال بِصوتٍ مسموع

"كيف تستطيع سماع ما أفكّر في يا عمّي ؟"

أجابه

{أنا مُساعِدك الشخصي ولستُ عمّك، قام عمّك بِتركيبي على جِهازِك العصبي لِمساعدتِك على إنهاء تدريبِك وفي باقي أمور حياتِك الأخرى، أستطيع الوصول إلى أفكارِك وجميع حواسِّك، لذلك تستطيع الحديث معي عبر التفكير، يُمكِنك مُناداتي "عمي" أو بِأي اسمٍ آخر تختارُه، كما يُمكِنك تغيِير صورتي أيضاً}

عبس آيدين وتذكّر تِلك القطعة ذات المِجسّات والتي اخترقَت قفاه، صمت طويلاً قبل أن يقول داخلياً

[أنا لم أسمع بِأي شيءٍ مِثل هذا مِن قبل، هل يوجد أشخاصٌ آخرون يملِكون مُساعدين شخصيّين مِثلَك ؟]

أجابه

{أنا مِن بقايا العصر الصناعي القديم، تمّت صِناعتي منذ خمسة قرون في مشروعٍ سرّي، لذلك لا يوجد الكثير مِن الأشخاص الذين يملِكون مُساعدين مِثلي، ستفهَم كل شيءٍ عِندما تسمَع رِسالة عمّك}

تنهّد باستغرابٍ ثم سألَه

[وأين هو عمّي الآن ؟]

قال

{عمّك لم يعُد على قيد الحياة، لقد استهلَك آخر قطرةٍ يملِكُها من الطاقة لإصلاح جسدِك حتى يَمنحَك فُرصةً جديدة للارتقاء في تدريبِك}

عبس آيدين وطأطأ رأسه عندما تذكّر تِلك الجثة اليابِسة التي وجدَها أمامَه في قاعة التدريب، لم يقُل شيئاً وإنما دخل حوض الاستحمام وأغلق عينَيه كتعبيرٍ عن حُزنِه، وبعد ساعةٍ خرج وقد ظهرَت على وجهِه عزيمةٌ قوية وقرّر بأنه سيُنفّذ مهمّة عمِّه مهما كانت صعبة، وما جعلَه يتأكّد بأن عمّه سيُعطيه مهمّةً لِتنفيذِها هو أنه كان يُدرّبُه بِقسوةٍ ثم منح له حياتَه الخاصة، ما يعني بأنّه يُعوّل عليه لأخذ مكانِه وتنفيذ المهمّة الغامِضة، لكن هذا ليس الوقت للتفكير في مثل هذا الأمر المهم، لذلك سأل

[عمّـ.. أقصِد.. أنت أيها المساعد، بِما أن عمي ميت، فمَن كان يمنحُني تِلك الملابِس ؟]

فجأةً ظهرَت قائمةٌ كبيرة من الملابِس في ذِهنِه وقال المُساعد الشخصي

{أنا مُتّصِل بِمتجرٍ خاص تُديرُه السوق السوداء، يُمكِنك بيع وشراء ما تُريد، وستحصُل عليه عبر خِدمة النقل الفوري بِمُقابِل مادي مُناسِب}

في العادة.. يُمكِن لِأي شخصٍ الذهاب إلى مراكِز البريد لإرسال أو استقبال أغراضِهم عبر خِدمة النقل الفوري، لكن هذه هي المرة الأولى التي يسمع فيها آيدين عن خِدمة النقل الفوري المُتنقّلة، ما يعني بأنه صار يملِك أداةً قوية لا يملِكها المُواطنون ولا حتى الأجناس الأخرى، خاصةً أنها مربوطة بالسوق السوداء ويصعُب تتبُّع المُشتريات والمبيعات عكس التعامُل مع المؤسسات الرسمية.

اختار آيدين بعض الثياب ثم طلب مِن المساعِد شِراءَها فظهرَت فجأةً بين يدَيه، ابتسَم فرحاً ثم بدأ يلبِسها وهو يقول

[عمـ.. أنت.. أخبرني المزيد عن هذا المتجر]

قال

{هو متجرٌ خاص للسوق السوداء ويصِل إليه الناس من جميع الدول ويستلِمون السلع عبر شرِكاتٍ وسيطة لإخفاء مصدرِها، ومع أن أغلب مُرتاديه من الخارجين عن القانون إلا أن هناك نبلاء وأمراء يتعاملون معه أيضاً بِسبب القِمار والمنافسات التي تحدُث عبرَه، كما يُمكِن طلب سِلع مُعيّنة إذا لم تكُن موجودةً في المتجر، ناهيك عن طلب الخدمات أو تنفيذ المهام، فهناك مَن قد يطلُب تنفيذ مهمةٍ مُعينة مُقابِل مبلغٍ مالي، أو يُمكِنك طرح خِدمةٍ مُقابِل مبلغٍ مُعيّن وسيقوم أحدُهم بِتنفيذها لِأجلِك إذا كان عرضُك مُناسِباً له، والمتجَر سيأخُذ عمولةً بين عشرة إلى عشرين في المائة مِن المبلغ الإجمالي لِأي مبيعاتٍ أو خدماتٍ تمّت عبرَه، وسبَب ارتفاع العمولة هو حِفاظُهم على سرّية العملاء حيث لم تُسجّل أية حالة تبليغ أو تسريب لِـهويات العملاء مِن قبل، بل لا أحد يعلم أصلاً من يُدير هذا المتجر، وهناك من يقول بأنه مجرد نظامٍ ذكي من العصر الصناعي القديم ويعمل بِدون تدخّلٍ بشري}

فهِم آيدين ما قالَه المساعد الشخصي بينما كان يلبِس ثِياباً شبابيةً عبارة عن قميصٍ أبيض وسِروالٍ أسود مع حِذاءٍ رياضي، نظر إلى باقي الثياب التي اشتراها ثم بدأ يُفكّر في شِراء حقيبةٍ لِأخذِها معه، إلا أن المساعِد الشخصي قال

{يمنَح المتجر للعُملاء خزائن خاصة لِتخزين أغراضِهم، حتى الطعام لن يتعفّن داخِلها لأن الوقت يمرّ فيها بِبطءٍ شديد، هل تُريد تعلّم كيفية تخزين أغراضِك ؟}

وافق آيدين فظهرَت في ذهنِه قائمةٌ فارِغة، وبفِكرة واحِدة.. استطاع تخزين أغراضِه وظهرَت صوَرُها في القائمة، وبفِكرة أخرى قام بإخراجِها مِن جديد، ابتسَم وقام بِتخزينها ثم قال

[قرأتُ عن حقائب التخزين التي يملِكها النبلاء، لكنها أول مرةٍ أرى فيها مِثل هذه التقنية، هل أستطيع شراء بعض الطعام ؟]

أجابه المساعِد الشخصي

{نعم، تستطيع، لكني أنصحُك أن تقتصِد في إنفاق المال لِأن عمّك قد أنفق أموالاً كثيرةً في الأيام الأخيرة لشِراء بعض الأدوية النادِرة لأجلِك، ولم يبقَ في بِطاقتِك سوى القليل مِن المال}

ابتسم آيدين ثم جلس قُرب الطاوِلة وقال

[لقد اعتدتُ الأكل مِن القمامة، إشترِ بعض الخُبز لِأجلي يا عمـ..، تباً، هل لديك اسمٌ آخر ؟]

ظهرَت في ذهنِه فجأةً قائمةٌ طويلة مليئة بِالأسماء والصور ثم قال المساعِد

{يُمكِنك اختِيار أي اسمِ أو صورةٍ مِن هذه القائمة، كما تستطيع إضافة أي اسمٍ أو صورةٍ أخرى}

تصفّح آيدين آلاف الصور والأسماء ثم نظر إلى صورة عمّه قليلاً قبل أن يقول بِنبرةٍ حزينة

[دَع هذا إلى وقتٍ آخر، سآكُل أولاً ثم أستمِع إلى رِسالة عمّي]

التعليقات
blog comments powered by Disqus