[دَع هذا إلى وقتٍ آخر، سآكُل أولاً ثم أستمِع إلى رِسالة عمّي]

استعرَض آيدين قائمة الأطعِمة المُباعة عبر المتجر ودخل بِأفكارِه إلى تصنيف الخُبز والكعك، كان في البداية يختار الأرخص لِأن المُساعِد الشخصي قد أخبرَه بأملاكِه القليلة، لكن هذه الفِكرة قد اختفَت عندما رأى المبلغ الذي لا يزال في البطاقة، لذلك قرّر شِراء ما يشتهيه من الطعام لأن المُساعِد لم يكُن يتحدّث عن الطعام وإنما شراء الأشياء الغالية أو الاستمتاع في الفنادِق والمُنتجعات، وبعد ساعةٍ كان قد انتهى من الأكل فقال في نفسِه

[مُساعد.. اعرِض لي رسالة عمّي]

فجأةً.. ظهرَت صورة صاحب المكتبة واقِفاً أمامَه وكأنه مُجسّمٌ ثلاثي الأبعاد، علِم مِن النظرة الأولى بأنه مجرد خيال وليس مُجسماً حقيقياً رغم دِقّتِه ووُضوحِه، ابتسَم صاحب المكتبة ثم قال

"صغيري آيدين، لقد كُنتُ قاسياً عليك في التدريب ولم أمنَحك الحب العائلي، لكنك تعلَم بِأني كنتُ أحبّك مثل ابني، لذلك لا تحزَن على موتي لأنه لم يكُن لِأجلِك وإنما لِأجلي أيضاً، فأنا لا أريد رؤية ابني يُعاني في مثل هذا العالم اللئيم"

صمت قليلاً ثم أكمل

"كُنت أنوي قضاء سنةٍ أخرى معك، لكن وقتي قد حان أسرع ممّا اعتقدتُه بِسبب بعض الإصابات القديمة، وليس أمامي غير مَنح طاقتي البدائية لك حتى لا تضيع هباءً، وللأسف فإن جَسدَك غير مُبارَك ولا يستطيع التدرّب على الطاقة، لذلك جهّزتُ بعض الأدوية الخاصة لِمُعالجة جسدِك حتى تتمكّن من استيعاب الطاقة البدائية واستخدامِها مِثلما أفعل أنا، كما سأترُك لك مُساعِدي الشخصي الذي سيُقدِّم لك النصائح ويُعينُك على التدريب، وهو أداةٌ من العصر القديم ويعمل بِالذكاء الاصطناعي، ولا يحتاج إلى الطاقة لِأنه يعمَل بِحرارة الجسد"

تنهّد ثم واصل

"للأسف.. لا تستطيع العيش وحيداً حتى بعد كل التدريب الذي مرَرتَ خِلالَه، لِأن بعض الأجناس ستُلاحِقك إذا لاحظَت بِأنك مُبارَكٌ ومُدرَّب جسَدياً لِضمِّك إليها رغماً عنك، لذلك سأحجِز لك مكاناً في إحدى المدارِس الخاصة، لكن.. يجب أن تكون حذِراً وأنت تدرُس فيها لِأنها مدرسةٌ مُشتركَةٌ يدرُس فيها الجميع، وحتى الأمراء والنبلاء مِن الدول المجاورة يدرسون فيها، ومع أنهم لا يستطيعون التخلّص مِنك داخِل المدرسة إلا أن الأمر يختلِف عِندما تكون خارِجَها"

كان آيدين يستمِع بحِرصٍ حتى يفهم ما هي المهمّة التي سيُكلّفُه بِها عمّه، لكن حديث عمّه انتهى بِسرعةٍ حين قال

"على أي حال، عِش سعيداً ولا تركَع لِأحد، هذه هي وصيّتي الأخيرة لك"

انتهى التسجيل فقطّب آيدين حاجِبَيه وقال في نفسِه

[هل هناك رسالةٌ أخرى أو أي تفاصيل عن المهمّة التي يُريد مني تنفيذَها ؟]

أجابَه المساعد الشخصي باختصار

{لا}

تجمّد الدّم في شرايِين آيدين لِبعض الوقت قبل أن يشعُر بِخفقانٍ قوي في قلبِه، وتزامَن هذا مع دمعةٍ مُتلألئة قسّمَت خدّه إلى نِصفَين، انحنى وأسنَد جبهتَه على راحة يدِه لِوقتٍ طويل قبل أن يرفع رأسَه بِعزمٍ لا مثيل له، نظر قليلاً إلى يدَيه ثم قال

[أخبرني بِكل ما قام بِه عمّي لِأجلي، كيف استطاع إعطائي هذا الجسد ؟]

أجابه

{استخدَم تقنيةً مُحرّمة مُخصّصة لِسرقة الحيويّة والمُميّزات الجسدية للضحية، لكنّه استخدَمها بِطريقةٍ معكوسة وكأنك أنت هو الذي استخدَمها عليه، وكنتُ أنا الوسيط بينكُما لإنجاح العملية بعد موتِه، ولِأن هذه العملية صعبةٌ كثيراً فقد استخدَم الكثير مِن الأدوية لِنقل مُميّزاتِه الجسدية مثل قوّة الحواسّ والعضلات وغيرِها، وبِما أنك كُنتَ تُعاني أصلاً مِن ألمٍ فضيع فقد أضاف عمليةً جانبيةً باستخدام سلسلةٍ مصنوعة من معدِن الذهب العُضوي لِتقوية هيكلِك العظمي، لذلك أنت الآن تملِك جسداً أقوى مِما كان عليهِ جسدُه، وما عليك سِوى التدرّب على هذه الخصائص الجديدة لاستكشافِها}

كان يتحدّث بينما يعرِض بعض الرسوم التوضيحية ثم أكمل قائلاً

{أما بالنسبة للطاقة البدائية فقد نقَل إليك مركز الطاقة وخطوط الطول الخاصة بِه لِأنك لم تكُن تملِكُها، وهذا لا يعني بأنك قد أصبحتَ قوياً مثلَه وإنما يعني بِأن تدريبَك سيكون أكثر ثباتاً مِن أقرانِك، لكن تفعيل مركز الطاقة قد يأخُذ وقتاً أطول مِن الأسبوع الذي بقيتَه مُغمىً عليك، بل ربما ستحتاج إلى مُساعدةٍ خارجِية، وهذا سيحدُث طبيعياً في مرحلة الإيقاظ داخِل المدرسة}

بدأ آيدين يفهَم ما حدَث وعلِم بِأنه قد بقِيَ أسبوعاً كاملاً وهو مُغمىً عليه في قاعة التدريب، وبِتفكيرِه في هذا.. سأل

[لماذا تم تفجير قاعة التدريب ذاتياً ؟]

قال

{حتى يُخفي آثارَك نِهائياً، فأنت الآن لستَ شخصاً مُسجّلاً في النظام العالمي، تستطيع الحصول على أي هويةٍ تُريدُها، وجِلدُك المُعالَج ليس عادياً وإنما هو جلدٌ صناعي مُخصّص، تستطيع الشعور بِه مثل الجلد العادي ويُمكِن عِلاجُه إذا جُرِح، لكنّه يُعطيك خصائص كثيرة مثل الصلابة وتغيِير لونِه والعلاج السريع بالطاقة البدائية، كما تستطيع تغيِير شكل وجهِك وشعرِك لِعدّة نماذِج، وهذا الشيء كان يعمل عليه عمّك منذُ اتِخاذِك تلميذاً لِأنه ليس شيئاً معروفاً عِند أحد}

عرض له النماذِج التي يُمكِنه التحوّل إليها وكان عددُها ثلاثة، وأحدُها هو النموذج الذي يستخدِمُه الآن، حدّد أحد النماذِج ثم قال

{صِناعة نموذجٍ جديد يأخُذ الكثير مِن الوقت ويحتاج إلى الطاقة البدائية، وأنت لا تستطيع استخراج الطاقة مِن مركز الطاقة الخاص بِك، لذلك لا تستطيع إضافة أية نماذِج جديدة في الوقت الحالي}

شعر آيدين بِعضلات وجهِه تشتدّ وتتحرّك فقام بِسرعةٍ إلى المرآة في الحمام، وهناك رأى انعِكاس شخصٍ آخر لا يعرِفُه، وكان أكثر نُضجاً مِن شكلِه السابق، غيّر شكلَه إلى النموذج الثالث وكان عجوزاً يُشبِه صاحب المتجر، نظر إلى يدَيه فتعجّب لِأن لون وشكل جِلدِه قد تحوّل أيضاً وصار بُنّياً مليئاً بالتجاعيد، ابتسم وقال بِصوتٍ مسموع

"ههه هذا غريب"

صُدِم فجأة وقال

"صوتي أيضاً صار مِثل صوت عمّي ؟"

قال المساعد الشخصي

[صِناعة النماذِج تعتمِد على سرقة شكل شخصٍ آخر بعد قتلِه، لكن لا تقلق، فالنموذجان الآخران قد سُرِقا مِن شخصَين لا أحد يعرِفُهما، وقد قضى عمّك الكثير من الوقت للحصول عليهِما لِأنه لم يرغَب بِقتل الأبرياء أو أخذ أشكال المُجرمين المعروفين]

أغلق آيدين عينَيه قليلاً وشعر بامتنانٍ أكبر تِجاه عمِّه، استعاد شكلَه الأول ثم قال

[سأُبقي هذا الشكل في الوقت الحالي، كم تأخُذ عملية نسخ نماذِج جديدة ؟]

أجابَه

{حسب طاقتِك البدائية ومهارتِك في استِخدامِها، عمّك كان يحتاج إلى يومٍ كامِل، أما أنت فقد تحتاج شهراً أو أكثر من العمل المتواصِل، وهذه المدة ليسَت جيدةً لِأن جثّة الضحيّة ستَتحلّل ولن تستطيع استكمال العمل عليها}

تنهّد آيدين وعلِم بأنه لن يستطيع صِناعة نماذِج جديدة في وقتٍ قريب، وقرّر ترك الأمر إلى أن يستطيع استِخدام طاقتِه، لذلك سأل عن أكثر شيءٍ مُهم في الوقت الحالي

[ما هي الطاقة البدائية وكيف أستطيع استِخدامها ؟]

أجابَه

{حدثَت حربٌ عالمية قبل قرون، وتم استخدام الكثير من الأسلِحة المُحرّمة فيها، وكانت هذه الأسلِحة تستخدِم الكيمياء وتنشُر مواداًّ مُتفاعِلة وخطيرة مثل الغازات السامة والإشعاعات الحارِقة، وهذا جعل العالم في وضعٍ حسّاس وصار البشر يعيشون في القواعِد الأرضية والسراديب المعزولة، وبعد مرور الوقت توصّل بعضهُم إلى طريقةٍ آمِنة تعتمِد على نوعٍ من الفِطريات التي تستهلِك هذه الطاقات القاتِلة كغذاء، وهذا جعل الهواء يُصبِح صافياً وصالحاً للعيش مرةً أخرى بعد زِراعة هذه الفِطريات في جميع أنحاء العالم خلال عدّة قرون، لكـ..}

قاطعَه آيدين

[الجميع يعرِفون هذه القصة، أعطِني المعلومة التي أريدُها]

أجابَه

{تأقلَمت الفطريات مع الطاقات التي كانت تستوعِبها لعدّة قرون وصارَت تبُثّ العديد مِن أنواع الطاقات النقية والتي تندرِج تحت مُسمى الطاقة البدائية، وهذه الطاقة العائِمة في الهواء تؤثر على بعض البشر والحيوانات وتُكسِبُهم بعض خصائص تِلك الفِطريات، وفي البداية تم اعتِبار هذا مرضاً قاتلاً لأن استيعاب الكثير من الطاقة دون تصريفِها قد يؤدي في أدنى الحالات إلى احتِباسِها وتوقّف بعض وظائف الجسم، وفي بعض الحالات قد تصِل إلى انفِجار الجسد بأكملِه، لكن هذا لم يكُن حال الحيوانات بِسبب أجسادِها الفريدة والقريبة مِن الطبيعة}

توقّف قليلاً ثم أكمل

{بعد يأس البشر من هذا المرض الجديد.. ظهرَت طريقةٌ ارتِجالية تعتمِد على بعض الفنون القديمة، ومع أن الكتابات القديمة تقول بأن هذه الفنون كانت نظريةً فقط وكان البعض يعتبِرونها رِياضاتٍ روحية.. إلا أنها صارَت أمل كل شخصٍ مُصاب، لذلك يتم فحص المواليد الجُدد وتصنيفِهم إلى مُبارك وغير مُبارك، حيث المولود المُبارك يتم صرف راتبٍ شهريٍّ لِأجلِه وتتِم مُراقبتُه منذ وِلادتِه إلى أن يبلُغ خمسة عشر عاماً، وحينها فقط سيكون بإمكانِه بدء رِحلة التحكّم في الطاقة البدائية قبل أن تظهَر عليه أعراض المرض في سنّ العشرين أو أقل، وهذا جعل البشر ينقسِمون إلى نِصفَين يحكُم أحدُهما الآخر}

صمت أخيراً فسأله آيدين

[ولماذا تتغيّر أشكال الأجناس حسب نوع الطاقة التي يتدرّبون عليها ؟]

التعليقات
blog comments powered by Disqus