الفصل الاول

فتحت عيني ببطء، والضوء الخافت يتسلل من نافذة صغيرة، يخترق الغرفة ويكشف عن السقف المتهالك فوق رأسي. شعرت بصداع خفيف، كما لو أن النوم لم يمنحني راحتي، وعيني تحاول التكيف مع الغرفة الباردة والغريبة.

نهضت من السرير، ورجلاي ترتعشان قليلًا من التعب، والتفت إلى جانبي الأيمن. أمامي كان مكتب قديم، خشبي ومغطى بطبقة من الغبار، وفوقه نافذة صغيرة بالكاد تسمح للنهار بالدخول. لم أرَ في حياتي مكتبًا كهذا من قبل، ولم يكن هذا مكتبي، ومع ذلك بدا مألوفًا بطريقة غريبة.

لم أتمالك نفسي من التساؤل:

أين يعقوب؟

صمت الغرفة كان ساحقًا، وكأن الجدران نفسها تراقبني. فجأة، اخترق الصمت صوت غريب، حاد بعض الشيء، ولكنه يبدو مرحًا في الوقت نفسه:

“آدم… آدم… هيا، تعال والعب معي!”

ارتجفت كل كياني، وقلبي بدأ ينبض بسرعة. التفت خلفي، وحين التقيت بجدار أبيض مغطى بخدوش عشوائية، شعرت بقشعريرة تسري على ذراعي. كان هناك رقم مكتوب بشكل غامض، 2104 ، محفور بطريقة غير متقنة على الجدار.

رقم خزنة؟ أم رمز لهاتف؟ لم أستطع تخيل معناه بعد، لكن شيء بدا لي مهمًا، شيئًا سيقودني لاحقًا إلى كشف سر كبير.

أخذت نفسًا عميقًا، وحاولت تهدئة نفسي. لم يكن لدي خيار سوى استكشاف الغرفة. نظرت حولي بعناية، وعيني وقعت على الباب الذي يقف على يساري. بدا وكأنه يدعوني للخروج، وكأن الغرفة نفسها تحاول دفعني نحو شيء مجهول.

لكن فضولي تغلب عليّ، فتقدمت نحو المكتب القديم. فتحت الأدراج ببطء، واحدة تلو الأخرى، أبحث عن أي أثر قد يربطني بالرقم أو بالصوت الغريب، لكن لم أجد شيئًا، لا خزنة ولا هاتف، ولا أي شيء قد يفيدني. شعرت بالإحباط، ولكن في آخر درج، رأيت شيئًا يلمع قليلاً، ملفًا قديمًا مختومًا.

كتابة على الغلاف كانت واضحة:

“من رئيس الأكاديمية ثيدوس، إلى آدم”

تسارعت أنفاسي وأنا أمسك بالختم الرسمي بين يدي، شعرت ببرودة المعدن تنتقل إلى أصابعي. فتحت الختم ببطء، كأن كل حركة من حركاتي يمكن أن تكشف لي سرًا خطيرًا.

عندما فتحت الملف، صدمت الكلمات عينيّ:

“مبارك قبولك في أكاديمية صيادي الكوابيس.”

جلست للحظة، أحاول استيعاب ما رأيت. أكاديمية… صيادي… كوابيس؟ كل شيء بدا غريبًا، كأن حياتي قد تغيرت بين لحظة وضحاها،

كان عقلي فارغًا من الذكريات. كل شيء بدا ضبابيًا، وكأن حياتي قبل هذه اللحظة مجرد حلم بعيد لا أستطيع تذكره. الملف الذي بين يدي لا يزال موضوعًا على المكتب، ومع ذلك شعرت بشيء غريب: يقين داخلي بأنني يومًا ما سأستعيد كل ما فقدته.

اسمُي كان مكتوبًا على الغلاف بوضوح. أنا المقصود.

لكن… صيادين الكوابيس؟ هل يمزح معي أحدهم؟ أم أن ما أعيشه الآن جزء من عالم خيالي لم أدركه بعد؟

دفعت بنفسي نحو الباب. لم أعد أطيق البقاء في الغرفة الغريبة.

ما إن فتحت الباب، حتى ضربتني موجة من الرياح الباردة، تدخل تحت ملابسي، تلسع جسدي، وتجعلني أرتجف. نظرت إلى أسفل: كنت أرتدي قميصًا أسود وبنطال جينز خفيف، غير كافيين لمواجهة هذا البرد المفاجئ.

أمام عيني، كان منظر المدينة يشبه متاهة ضخمة من الشقق المبنية فوق بعضها البعض، كل مبنى يعلو الآخر بلا ترتيب واضح، وكأن المدينة نفسها صُممت لإرباك أي غريب يخطو فيها. كانت الشوارع ضيقة، مع حافتها أكوام من الأعمدة الكهربائية، وأسلاك معلقة تشبه شبكة عنكبوتية تمتد بين الأبنية.

أصوات المدينة كانت صاخبة وغريبة: صرير السيارات، محركات الدراجات، صدى الناس في الشوارع الضيقة، وأحيانًا أصوات غير مفهومة تأتي من الأزقة، كأن المدينة نفسها تتنفس.

فتحت فمي لأتكلم، لكن لم يخرج صوت. شعرت بالعجز، بالضياع الكامل.

— أين بحق الجحيم أنا؟

نظرت حولي ثانية. الشقق كانت متراصة بلا نظام، جدرانها مطلية بألوان باهتة، بعضها مغطى برسومات غريبة وكتابات مشوشة. النوافذ الصغيرة محمية بشبكات معدنية، وبعض الشرفات تحوي ملابس معلقة تتأرجح بفعل الرياح. كل شيء كان يبدو مألوفًا وغريبًا في نفس الوقت، كأنني دخلت عالمًا ليس للعاديين.

مدينة ضخمة، مزدحمة، مزدوجة الطبقات، تنبعث منها رائحة الطعام، الزيوت، والهواء الملوث في آن واحد… مدينة أشبه بساحة اختبار، مكان يتحدى كل شيء أعرفه عن العالم، وكل شيء أعرفه عن نفسي.

ومع كل خطوة أخطوها على الرصيف المتصدع، شعرت بشعور بالافه الغريب رغم اني متاكد رغم ذكريات باني لم اكن من سكان هذي المنطقه

بدأت أمشي في الشوارع بلا هدف واضح، فقط أتحرك كمن يقوده الفضول أكثر من العقل. الناس من حولي كانوا يتحدثون لغة غريبة، أصواتها لم تكن مألوفة لأذني. حاولت التركيز في الكلمات، في نطق الحروف، لكنني لم أستطع ربطها بأي لغة أعرفها.

لم تكن الإسبانية.

ولا الإنجليزية.

ولا الفرنسية.

ولا حتى العربية.

ومع ذلك… كنت أفهمهم.

توقفت للحظة، هذا الإدراك أصابني بالارتباك. كيف يمكنني فهم لغة لا أعرفها؟ كيف تصل الكلمات إلى عقلي وكأنها مترجمة مسبقًا داخلي؟

لكن لم يكن لدي جواب.

واصلت السير متجاوزًا الناس. وجوه كثيرة تمر بجانبي: رجال يحملون أكياسًا، نساء يتحدثن بسرعة، أطفال يركضون في الأزقة. بعد عدة خطوات سمعت ضجيجًا مألوفًا، صوت ضحكات وصيحات حماس.

التفت فرأيت مجموعة من الصبية يلعبون كرة القدم في الشارع. الكرة تتدحرج بين أقدامهم فوق الإسفلت الخشن، وأصواتهم تعلو كلما اقترب أحدهم من المرمى الصغير المصنوع من حجارتين.

للحظة قصيرة، شعرت بشيء دافئ في داخلي… شيء يشبه الذكرى، لكنني لم أستطع الإمساك به.

تابعت السير.

شيئًا فشيئًا بدأت الشقق المتراكمة تختفي خلفي. المباني القديمة، الجدران المتشققة، الأسلاك المتشابكة فوق الرؤوس… كلها تلاشت تدريجيًا.

ثم دخلت منطقة مختلفة تمامًا.

الهواء بدا أنظف.

الطرق أعرض.

الأرصفة نظيفة ومرتبة.

أمام عيني ارتفعت مبانٍ ضخمة، ناطحات سحاب زجاجية تعكس ضوء الشمس، أبراج عملاقة تمتد نحو السماء كأنها تحاول لمس الغيوم.

كانت هذه بلا شك منطقة الأثرياء.

توقفت قليلًا أنظر إلى السيارات التي تمر بجانبي. لكنها بدت… غريبة.

أشكالها لم تكن مألوفة.

تصاميم لم أرها من قبل، ولا أتذكر أنني رأيتها في أي مكان. حاولت تذكر أي موديل، أي شركة، أي شيء… لكن ذاكرتي بقيت فارغة.

تمتمت لنفسي:

“على ما يبدو… كنت أعيش في حي الفقراء.”

هذا المكان بدا وكأنه عالم مختلف تمامًا عن الشوارع التي خرجت منها قبل دقائق.

واصلت السير حتى تجاوزت المباني الضخمة، وبعد مسافة قصيرة انفتح المكان أمامي فجأة.

كانت هناك بركة ماء طبيعية واسعة، سطحها يعكس ضوء الشمس مثل مرآة هادئة. الأشجار تحيط بها من كل جانب، وأصوات الطيور تتردد فوق الماء.

توقفت.

لم أستطع منع نفسي من الابتسام قليلًا.

همست بهدوء:

“كان يجب أن يرى يعقوب هذا المكان…”

لكن بينما كنت مندمجًا في مشاهدة البركة، رفعت رأسي قليلًا…

وتجمدت مكاني.

هناك، فوق الجبل المقابل، وقف تمثال عملاق لرجل يفتح ذراعيه نحو السماء.

كان يرتدي عباءة طويلة، وذراعاه ممدودتان كأنهما تحتضنان المدينة كلها. التمثال كان ضخمًا لدرجة أنه بدا كأنه يراقب كل شيء من الأعلى.

شعرت بشيء يضرب عقلي فجأة.

الذكريات بدأت تومض.

صور متفرقة.

أصوات.

أسماء.

أماكن.

أمسكت رأسي بيدي بقوة بينما اندفعت موجة هائلة من الألم داخل جمجمتي.

“آآه…!”

الذكريات كانت تتدفق بعنف، كأن أحدهم فتح سدًا داخل عقلي.

ثم أدركت الحقيقة.

همست بصوت متقطع:

“أنا…”

توقفت أنفاسي لحظة.

“أنا في… ريو دي جانيرو.”

تسارعت أنفاسي.

“عاصمة البرازيل…”

سقطت على ركبتي فوق الأرض بينما الألم يمزق رأسي. كل الذكريات التي كانت مفقودة بدأت تعود دفعة واحدة.

صرخت داخليًا وأنا أحاول تحمل الألم.

وعندما خفضت نظري، رأيت الشيء الوحيد الذي كان ما يزال في يدي.

الملف.

ملف القبول.

نظرت إلى الكلمات مرة أخرى.

أكاديمية صيادي الكوابيس.

فهمت أخيرًا.

رفعت رأسي قليلًا، والغضب والخوف يمتزجان داخلي.

تمتمت بأسنان مشدودة:

“اللعنة…”

قبضت يدي بقوة.

“اللعنة!”

ثم خرج السؤال الذي كنت أخشاه أكثر من أي شيء آخر:

“هل… سأموت في هذا العالم اللعين؟”

والمدينة الصاخبة خلفي استمرت في حياتها… وكأن شيئًا لم يحدث.

2026/03/12 · 7 مشاهدة · 1152 كلمة
M Ah
نادي الروايات - 2026