الفصل …

خلال الأيام التالية، بدأ زاروث يتعرّف أكثر على أرجاء القصر وخدمه. كان الخدم والحشم يعاملونه باحترام شديد، تمامًا كما يفعلون مع الجد إلدريك والجدة سيلين.

وبعد أسبوع، قرر أن يذهب إلى مكتب جده.

طرق الباب بخفة.

– "تفضل بالدخول." جاءه صوت إلدريك بنبرته المهيبة.

فتح زاروث الباب ببطء وقال بهدوء: – "جدي…"

ابتسم إلدريك فور أن رآه، وتغيّرت ملامحه الجادة إلى حنان أبوي غامر: – "آه، يا فتى، لماذا تطرق الباب؟ يمكنك الدخول متى شئت."

ابتسم زاروث ابتسامة خفيفة: – "ستخربني بالدلال هكذا يا جدي."

ضحك العجوز بحرارة: – "وما العيب في ذلك؟ إن لم أدللك أنا، فمن سيفعل؟" ثم أشار له بالجلوس أمامه. – "أخبرني، ما الذي جاء بك اليوم لزيارتي؟"

جلس زاروث وأخذ لحظة يجمع أفكاره قبل أن يتحدث: – "أريد أن أعرف عن المهن في هذا العالم… كيف يستخدم الناس الـ

مانا

هنا؟"

أومأ إلدريك وكأنه كان يتوقع هذا السؤال منذ زمن: – "سؤال جيد، وحان الوقت بالفعل أن أشرح لك."

جلس العجوز متكئًا إلى الوراء، يمسّد لحيته البيضاء: – "هناك ثلاثة طرق أساسية يسلكها البشر في هذا العالم: الساحر، المحارب، والهجين. وكل طريق منها له فروع وتخصصات."

رفع إصبعه الأول: – "السحرة يستخدمون المانا عبر التعاويذ. يحفرون نقوش التعويذ في

بحر الوعي

لديهم، ومن خلال التلاوة يسيطرون على العناصر أو المفاهيم."

قاطعه زاروث رافعًا يده: – "وكم عدد التعاويذ التي يمكن للإنسان أن يمتلكها؟"

ابتسم الجد برضا: – "سؤال مباشر ومهم. يعتمد العدد على حجم

بحر الوعي

، وهو الذي يخزن المانا أيضًا. الساحر المبتدئ يتقن ثلاث تعاويذ في المستوى الأول، ستة في المستوى الثاني، تسعة في الثالث… وهكذا حتى يصل إلى سبعةٍ وعشرين تعويذة في المستوى التاسع."

رمش زاروث بعينيه متسائلًا: – "وهل هذا هو الحد الأقصى للسحرة؟"

ضحك إلدريك: – "بالطبع لا. دائمًا هناك عباقرة يولدون ببحر وعي أوسع، أو يجدون فرصًا نادرة توسّع قدرتهم."

هز زاروث رأسه بتفهم. كان يعلم أن التنانين الحقيقية تمتلك قدرة تفوق البشر بعشرة أضعاف في بحر الوعي، لكن فتحه في سن مبكرة أمر صعب، وغالبًا يحتاج موارد هائلة… والتنانين بطبيعتها لا تتخلى عن كنوزها بسهولة.

أكمل الجد: – "أما المحاربون، فيسلكون طريقًا مختلفًا. فهم يضخون المانا داخل أجسادهم ويقوّونها مع الزمن، ليزيدوا سرعتهم وقوتهم وصلابتهم، بل وأحيانًا يدمجونها مع أسلحتهم أو دمائهم. سيفيّون، رماح، ملاكمون، حاملو دروع… كل سلاح له مقاتل."

ثم رفع إصبعًا ثالثًا: – "والهجين… نادر جدًا. يجمع بين الطريقين. أقوياء، لكن السيطرة على قوتهم صعبة. يحتاجون إلى تحكم لا يُصدّق ليستطيعوا استخدام التعزيز الجسدي وإلقاء التعاويذ في الوقت نفسه."

لمع بريق في عيني زاروث. إن كان عليه الاختيار، لكان هذا هو طريقه. فجسده كان قويًا بما يكفي لتحمّل التعزيز.

لكن الجد غيّر نبرته فجأة: – "وهناك طرق أخرى، أقل شهرة: مروّضو الوحوش، نقّاشو الرون، الكيميائيون، صنّاع الأدوات، عقدة الأرواح، المستحضرون، وحتى الحدادون الروحيون. أغلب هذه المهن تُدرَّس في الأكاديميات الكبرى أو في عائلات الأباطرة، لكن بعضها نادر للغاية، ولا يظهر ورثته إلا مرة في جيل."

انحنى للأمام، بعينيه بريق حماسة مكبوتة: – "وهناك… أولئك الذين لا يتبعون أي طريق. يسمّيهم الناس الوحوش. لا يسيرون على القوانين المعروفة، بل يصنعون طريقًا خاصًا بهم. غالبًا يولدون بحظ عظيم، ويحملون أقدارًا ثقيلة."

تجمّد زاروث متفاجئًا. لم يجد أي أثر لهم في الإرث التنيني. فسأل بفضول: – "ما هؤلاء الوحوش؟ وكم عددهم؟"

قهقه إلدريك: – "لا تقلق يا فتى، إنها مجرد أسطورة. لم يثبت وجودهم يومًا. لكن الحكاية تقول إنهم جشعون، يريدون تعلم كل الطرق ودمجها في طريق واحد يصل بهم إلى القمة. لكن لم ينجح أحد منهم حتى الآن."

أطرق زاروث يفكر. بدا الأمر مستحيلًا، فالعمر البشري قصير، ولا يكفي لاستيعاب كل هذا. لكن بذرة الفكرة استقرت في ذهنه.

رفع رأسه، وحدّق في عيني جده: – "جدي… أي طريق اتبعت أنت؟"

2025/09/08 · 91 مشاهدة · 585 كلمة
نادي الروايات - 2026