تنبيه للقراء

قبل ما تبدأ قراءة الفصل، خُد بالك إن الرواية وسيلة للمتعة والتأمل، بس ما تنساش نفسك وحياتك الحقيقية. اهتم بوقتك، بصحتك، وبمسؤولياتك… وخلي القراءة إضافة جميلة ليومك مش بديل عنه.

"هاه… كانت مدينة مزدهرة في عز مجدها، والآن لم يتبقَّ منها سوى الخراب." قالها إلدارك وهو يهز رأسه متحسّرًا قبل أن يتقدّم نحو بوابة المدينة.

تبادل الآخرون النظرات فيما بينهم قبل أن يتبعوه. أما أوريون، فشعر بشيء مختلف لحظة وصوله. كان يتوقع أن يشعر بالاشمئزاز أو الانقباض، لكن الغريب أنه لم يشعر بشيء من ذلك. بل كان إحساسه هو نفسه كما في الطريق إلى هنا… ذهنه ظل هادئًا كبركة ساكنة. لكن هذه المرة، كان قادرًا على إدراك "الظلام" عن قرب وبوضوح أكبر.

قال إلدارك وهو يتجه نحو بوابة المدينة: "ستة من قادة الشياطين هاجموا هذا المكان بجيشهم الذي لا ينتهي من الأتباع."

الأرض قاحلة، بلا نباتات، ولا حتى صيّادي كنوز أو بشر آخرين. الجميع يتجنب هذا المكان عمدًا، لأنه لا يجلب سوى الضيق والوحشة.

الطريق مليء بالتشققات، والأسلحة القديمة الصدئة مبعثرة على الأرض. نظرت فيورا حولها بخوف خفيف، واقتربت أكثر من أوريون، بينما لحقت بها رينا من الجانب الآخر. لكن أوريون لم يلتفت إليهما، إذ كان منشغلًا بمحاولة فهم عنصر الظلام بعمق أكبر.

لقد أدرك أنه يفسد جوهر العناصر الأخرى، ويحوّلها لشيء آخر… شيء شرير.

تحدثت سيلين بصوت حزين وهي تنظر إلى المشهد الكئيب حولها: "لقد أرسل الملك الكثير من جنوده لدحر جيش الشياطين، لكن ذلك أضعف المملكة كثيرًا. ومع ذلك… كان الأمر يستحق، فقد ساعدتنا الممالك المجاورة لنحافظ على استقرار قمة الرعد."

سأل أوريون بهدوء: "هل كان السبب هو أعراق أخرى تطمع في مملكتنا؟"

أومأ إلدارك بفخر، وسعادة خفيفة تملأ قلبه لسرعة فهم حفيده. أما فيورا فأمالت رأسها وقالت باستغراب: "لكن لماذا؟ أليس الشياطين هم العدو المشترك؟ ألا يجدر بنا القضاء عليهم أولًا قبل أن نفكر في قتال بعضنا؟"

ابتسمت سيلين وربّتت على خدها برفق: "البشر – والعديد من الأعراق الأخرى – أنانيون يا فيورا. هناك أعراق اشتهرت بالثراء من ويلات الحروب، كالـغوبلن مثلًا. لذا، لا يمكنك الوثوق كثيرًا بالغرباء. الممالك البشرية والإمبراطورية هي من ساعدتنا حقًا."

أومأت فيورا ورينا بصمت، متذكرَتين أن لا أحد في هذا العالم الوحشي يُمكن الاعتماد عليه تمامًا.

ظل أوريون يستمع في صمت، بينما عيناه تقعان على بقع الدم اليابسة، وعظام الوحوش، وبقايا البشر المتناثرة في كل مكان. 'حتى دفنًا لائقًا لم يجدوا… أم أن هذه بقايا الشياطين؟ ربما بينهم بعض الشبه بالبشر…' فكّر في نفسه وهو يعبر البوابة المهدمة نصفها بالدماء وآثار القتال.

قال إلدارك متنهّدًا: "كلما عدت إلى هنا، لا أجد سوى الذكريات السيئة."

التفت إليه أوريون وسأله: "هل شاركت في مثل هذه الحروب يا جدي؟"

أومأ إلدارك بجدية، دون أي كبرياء هذه المرة: "لقد خضت معارك أكثر مما أود أن أخبرك… وكل واحدة منها كانت وحشية للغاية. باستثناء معركة واحدة فقط، حين كان معنا السيد فجر." وظهر الاحترام في عينيه عند ذكر الاسم.

"فجر؟" تساءل أوريون وهو يميل رأسه بفضول.

فتدخلت هيلينا بهدوء: "أخبِره عن السيد فجر لاحقًا. الآن عليه أن يرى بنفسه… ليفهم لماذا لا يمكن للبشر أن يعيشوا بسلام مع الشياطين، وما الذي يفعله الشياطين بالبشر."

واصلوا سيرهم داخل المدينة، ولم يجدوا سوى أنقاض وجدران ملطخة بالدماء. مرّر أوريون يده على أحد الجدران، حيث التصقت بقع الدم البنيّة بعد مرور كل هذه السنوات. لم يعرف حتى إن كان دمًا بشريًا أم دمًا شيطانيًا.

اقتربت فيورا ورينا خلفه خطوة بخطوة، تراقبانه في صمت.

'موت… دمار… فساد… حزن… هل هذا ما يجرّه الشياطين أينما حلّوا؟' تساءل أوريون في داخله، وهو ينظر إلى شوارع المدينة الواسعة الملطخة بالدماء اليابسة.

ظل يتنقّل بين الأماكن، فرأى بقايا العائلات، الأزواج، الأطفال، وحتى الحيوانات الأليفة… كل شيء كان شاهدًا على المذبحة. قلبه بدأ يبرد وهو يستوعب حجم المأساة.

وبينما هم يقتربون من السوق المركزي، شاهدوا التماثيل الضخمة محطّمة: "من… هؤلاء؟" تمتم أوريون.

أجاب إلدارك: "هؤلاء هم أسياد المدينة، قادة العشائر، وكل من حقق إنجازًا عظيمًا هنا. كانت هذه التماثيل أعظم شرف يُمنح… لكن حتى أعظم الشرف لا يصمد أمام يد القدر القاسية."

أخذ أوريون نفسًا عميقًا وأكمل سيره، لا يرى سوى أسلحة محطمة. بينما فيورا ورينا تشدّان قبضتيهما والدموع تملأ أعينهما، تتخيلان ما عاناه سكان المدينة قديمًا.

وصلوا أخيرًا إلى قلب المدينة، حيث كان قصر الحاكم قائمًا… لكنه لم يكن سوى كومة هائلة من الأنقاض. لم يكن غريبًا، فالشياطين دمّروا كل مكان مرّوا به.

وقف أوريون في وسط هذا الخراب، ينظر حوله، وقلبه يتثاقل بالحزن. لم يعد مرتاحًا لهذه المدينة كما تخيّل أول الأمر. صحيح أنه لم يتأثر بظلام المكان، لكن التاريخ المأساوي هزّ وجدانه.

'الشياطين…' تمتم داخليًا.

اقتربت رينا، أخذت نفسًا عميقًا ثم أمسكت يده بقوة، بينما هو ظل صامتًا، غارقًا في أفكاره. تركه إلدارك والآخرون يعيش لحظته، يعلمون أن حمايته أكثر من اللازم ستضرّه ولن تنفعه، ولا يريدون أن يتكرر معه ما حدث مع لوسيَن.

بعد لحظة، قال إلدارك بصوت هادئ: "هل فهمت الآن قصدي حين قلت إن البشر والشياطين لا يمكنهم التعايش؟ هذه المدينة مجرد منطقة صغيرة من أثر الحرب… والمناطق الأكثر دمارًا أسوأ بأضعاف مضاعفة."

تنهد تنهيدة ثقيلة وهو يضيف: "لقد كان الوضع حينها أفظع عشرات المرات مما تراه الآن."

وضعت سيلين يدها بلطف على كتفه، دون أن تقول شيئًا.

_______________________________________________________________________________________________

تعليق ختامي

لو شايف الترجمة عجبتك أو عندك ملاحظات حابب تضيفها، سيب رأيك في تعليق 👇 وكمان تقدر تدعمني عشان أقدر أكمل يوميًا من 10 لـ20 فصل بالترجمة الكاملة عبر الرابط: paypal.me/AhmedGad952776

2025/09/10 · 41 مشاهدة · 843 كلمة
نادي الروايات - 2026