لمسة دفء بعد عناء
التفتت رينا حولها قبل أن تهمس بخفوت: "لكنها ستكون ثالثة من يساعد سيدنا… هل أنتِ راضية بهذا يا فيورا؟"
ضحكت فيورا برقة: "أنا سعيدة ما دمت أملك ولو زاوية صغيرة في قلبه. ثم إنها تبدو مهمة جداً عند سيدنا، فالأفضل أن تبقى قريبة منه."
تنهدت رينا وقالت بغيظ مكبوت: "هاه… لا يعجبني الأمر. كنت أظن أننا نحن الاثنتان كافيتان لسيدنا، فإذا به يُدخل أخرى إلى حياته. تُرى… هل سيتكرر هذا في المستقبل؟"
ارتجفت أذنا فيورا من القلق، وصمتت لحظة وهي تفكر. في أعماقها لم تكن تحب أن يشاركها أحد مكانتها عند سيدها، لكنها هزّت رأسها قائلة: "ليكن ما يكون… الأجدر بنا أن نرسّخ مكانتنا في قلبه أكثر."
ارتسمت على وجه رينا ابتسامة ماكرة: "ألم ندرس اليوم كله من أجل ذلك؟"
خجلت فيورا قليلاً وهي تتذكر ما قرأتاه معاً، بينما همست رينا بحماس: "هيا… حان وقت التجربة." ثم طرقت باب غرفة أوريون.
سمعوا صوته من الداخل: "تفضلا بالدخول."
فتحت رينا الباب، ودخلت ومعها فيورا.
قالت رينا بخفوت: "لقد هيّأنا لها الغرفة المجاورة لك يا سيدي."
أومأ أوريون برضا: "أحسنتم، إنها بحاجة إلى راحة طويلة بعد ما مرّت به. أشكركما على تفهّمكما ومساعدتكما لها."
ابتسمت رينا بدفء: "لا داعي للشكر يا سيدي… نحن هنا لخدمتك."
وأضافت فيورا بهدوء وإخلاص: "سندعمك دائماً فيما يسعدك."
ضحك أوريون برفق، وقد زال التوتر الذي أحاط بهم في البداية: "أنا محظوظ بوجودكما بجانبي."
تبادلت رينا نظرة ماكرة مع فيورا التي احمرّ وجهها بخجل، ثم تقدمت رينا بخطوة وقالت بنغمة لاهية: "لقد كان يومك مرهقاً يا سيدي، جولات في المدينة وأحداث غير متوقعة… ألا تستحق بعض الاسترخاء؟"
رفع أوريون حاجبيه بفضول: "استرخاء؟ وما الذي تفكران فيه؟"
اقتربت فيورا بخجل وقالت بصوت ناعم: "لقد تعلمنا اليوم بعض الطرق في كتبنا… لتخفيف التعب وإزالة الإرهاق."
ابتسم أوريون وقد زاد اهتمامه: "أها… إذن ماذا عليّ أن أفعل؟"
أشارت رينا إلى الكرسي المريح بجانب النافذة: "اجلس هناك يا سيدي، واترك الأمر لنا."
جلس أوريون متكئاً براحة، بينما اقتربت رينا لتجلس قرب قدميه، فيما وقفت فيورا خلفه عند كتفيه.
قالت فيورا بلطف: "أرح جسدك تماماً… دَعنا نهتم بك الآن."
أغمض أوريون عينيه مستسلماً. بدأت رينا بتدليك ساقيه بحركات مترددة لكنها مفعمة بالنية الطيبة، فيما كانت فيورا تضع أناملها المغمورة بطاقة هادئة على كتفيه، تدفع عنه التصلّب والشد.
شعر أوريون بالدفء يتسلل إلى جسده، والراحة تنساب في عروقه، فتنهد بارتياح وقال: "من أين لكما هذه المهارة؟"
قهقهت رينا بخفة: "لقد قضينا اليوم كله نتعلمها من أجلك."
أضافت فيورا بخجل: "أردنا أن نجد طريقة نخفف بها عنك."
ابتسم أوريون وهو يغمض عينيه: "حقاً… أنتما تدللانني كثيراً. كيف سأجد زوجة تتحمل هذا الدلال؟"
ضحكت رينا وقالت بمرح: "بل أنت تستحق ذلك وأكثر. أما زوجتك… فستكون بلا شك من خيرة نساء هذا العالم."
خجلت فيورا من كلامها بينما تابعت بخفوت: "سعادتك هي سعادتنا."
أطلق أوريون تنهيدة رضا: "هاه… هكذا تكون الحياة."
وانساب المساء هادئاً، حتى غلبه النعاس وهو بين دفء اهتمامهما.
حين فتح عينيه لاحقاً، كان الليل قد حلّ. تمطى بجسده وهو يتثاءب قائلاً: "آه… ما أروع هذا النوم."
ثم طرق الباب صوت رينا: "سيدي، حان وقت العشاء."
فأجاب وهو ينهض: "قادم."
سار أوريون في الممرّ المضاء بمصابيح خافتة، تتبعه رينا وفيورا. كان في مزاج رائق بعد يوم طويل.
سألته فيورا بخجل: "هل أعجبك التدليك، يا سيدي؟"
ابتسم قائلاً: "أعجبني؟! لقد كان رائعاً. لم أشعر براحة كهذه منذ زمن."
تهللت وجوههما سروراً، وقالت رينا بحماس: "سنجعلها عادة إذن، فهذا أقل ما نستطيع."
ضحك أوريون: "لا مانع عندي أبداً."
وما لبثوا أن وصلوا قاعة الطعام، فاستقبلهم الشيخ إلدريك قائلاً: "ها قد جئت أخيراً! حسبنا أنك ستفوّت العشاء."
أما سيلين فسألت بهدوء: "وأين الفتاة الإلفية؟ أما زالت نائمة؟"
أومأ أوريون: "نعم، إنها تستريح الآن. قدّمت لها رينا وفيورا المساعدة."
رفعت سيلين حاجبها باستغراب: "سِراف؟ هل أخبرتك باسمها؟"
أجاب أوريون وهو يبتسم: "لا، لكن لا يمكن أن أناديها دائماً بـ(الفتاة)، فاخترت لها هذا الاسم."
ضحك إلدريك قائلاً: "حسناً فعلت… هل تحادثتما قليلاً معها؟"
أجاب أوريون مبتسماً بسخرية لطيفة: "لا، فهي لم تنطق بكلمة حتى الآن."