---

البداية

لم يكن الليل ليلًا، بل كان جرحًا مفتوحًا في السماء. قمر هائل يطفو بين الغيوم، مشبعًا بلونٍ أحمر داكن، يسكب نوره على الأرض كجرحٍ ينزف ولم يندمل.

امتدّ ضوءه عبر السهل الممزق، ففضح ما حاول الظلام دفنه: آلاف الأجساد الملقاة كأعوادٍ مكسورة، عظام بارزة من لحمٍ مسحوق، وعيون جامدة كأنها ما زالت تحدّق في مشهد لم يكتمل.

الهواء أثقل من أن يُستنشَق، مشبعًا برائحة الحديد المحترق والدماء المتخثرة والدخان المتصاعد من نيران لم تنطفئ بعد.

الصمت أول ما يلفت الانتباه. صمت مرعب، لا يشبه سكون الليل المعتاد، بل كأنه سكون مقبرة ابتلعت أصوات ساكنيها.

لم يكن يُسمع سوى صرير الريح وهي تجرّ قطع القماش الممزقة عن الرماح المكسورة، أو أنين جريحٍ يلفظ آخر أنفاسه.

بدا المشهد لوحة معلّقة بين الحياة والموت، بين صرخة لم تُطلق بعد ودمعة لم تجد عينًا لتسقط منها.

لكنّ ذلك الصمت لم يدم طويلًا. فجأةً، دوّى من بعيد صخبٌ هائل، كهدير بحرٍ غاضب. ارتجّت الأرض تحت وقع الأقدام، وعاد الحديد ليغني نشيد الخراب، تتقاطع شفراته في شررٍ يضيء ما تبقى من ظلام.

ارتفعت الصرخات، بعضها بشريٌّ يائس، وبعضها غريب، كأنه قادم من أعماق الجحيم.

صار الميدان جحيمًا مفتوحًا: نار ودخان، صرخات ودموع، أجساد تتساقط كما تتساقط أوراق الخريف في عاصفةٍ لا ترحم.

على أطراف السهل، كانت الأطياف تتقاتل كأشباحٍ ضائعة، لا يُعرف فيها مَن يهاجم ومَن يدافع. وجوه غطّاها السخام والدم، عيون ملتهبة بالجنون أو ممتلئة بالرجاء، أيادٍ تتشبث بسيوفٍ مكسورة أو دروعٍ مثقوبة.

كان القتال بلا غاية، أشبه برقصة موتٍ كبرى، لا هدف لها سوى ابتلاع المزيد.

ثم جاءت الذروة… صرخة واحدة مزّقت السماء، تلاها انفجار من الضوء غمر الميدان، حتى أنّ الظلال نفسها تلاشت لوهلة. ارتجّت الأرض كما لو أنها ستنشق وتبتلع كل ما فوقها، واشتعلت السماء بلون القرمز.

القمر، الذي كان يراقب المشهد كعينٍ جهنمية، بدا وكأنه يقترب أكثر فأكثر، يملأ السماء بحضوره، يصبغ كل شيء بلون الدم. لا سماء ولا أرض، لا أبيض ولا أسود… كل شيء صار أحمر.

ثم… توقّف كل شيء. كان الصمت هذه المرة أثقل من أي صرخة. توقّف الحديد عن الرنين، والأقدام عن الركض، حتى الهواء بدا متجمّدًا في مكانه. لم يبقَ سوى أصوات متقطعة: حشرجة جريح يلفظ آخر نفس، تنهيدة مقاتل أنهكته الأيام قبل أن تنهكه السيوف.

بدا العالم كأنه حبس أنفاسه، ينتظر لحظة لم تأتِ بعد.

وهناك… في أقصى حافة الميدان، وقف شابٌ مبهَم الحضور. لم يكن صوته بين الصرخات، ولا سيفه بين الشفرات المتشابكة. جسده متصلّب كعمودٍ من طين، عيناه واسعتان تحدّقان في الفوضى بعجزٍ يقطّع القلب.

وجهه شاحب، كأن الدم نزح منه قبل أن تنزفه المعركة. يداه المتشنجتان تتمسكان بمقبض سيف لم يُرفع. عرق بارد انسدل من جبينه، واختلط بالتراب على خده، كأن الزمن توقف عنده وحده.

لم يكن بطلًا ولا زعيمًا. لم يلتفت إليه أحد، ولم يُشر إليه أحد. كان وجوده هناك أشبه بقطرة ماء ضائعة في محيط من الدم.

ومع ذلك، كان في عينيه شيء آخر… مزيج من الخوف والرهبة، ومن إدراكٍ غامض أنّ ما يحدث أمامه ليس مجرد معركة، بل حدث يفوق التصور، حدث قد يغيّر وجه العالم.

وفجأةً… تغيّر كل شيء. ارتجف القمر الأحمر، وانطفأ نوره شيئًا فشيئًا، كما لو أن يدًا خفية امتدت لتخنق ضوءه.

زحف الظل فوقه ببطء، يبتلعه رويدًا رويدًا، حتى غرق في ظلامٍ دامس. خسوف كامل… لحظة بدت فيها السماء نفسها وكأنها أعلنت النهاية.

ارتجفت أنفاس الشاب، واتّسعت عيناه أكثر، كأنّه يرى سقوط العالم بأم عينه. في قلبه، في تلك اللحظة، لم يكن هناك شك: النهاية قد حلّت، الليل تبدّل إلى قبرٍ بلا جدران، يسع كل من بقي قائمًا.

وسكونٌ عم الأفق، لم يكن صمتًا عاديًا، بل وجهًا آخر للخوف… انتظارًا أثقل من الموت، حتى بدت الأرض معلّقة في شهقة لم تُطلق.

السماء غارقة في خسوفها، والقمر ميت يطفو كجفنٍ مغمض فوق العالم. والهواء صار رمادًا متطايرًا يتسرب إلى الصدور، يملأها بفراغٍ أشد وطأة من أي سيف.

ومع ذلك، كان هناك إحساس مبهم… كأن طريقًا غير مرئي كان يُشَقّ وسط الظلال. لم يُرسَم على حجر، ولم يُخطّ على تراب، بل كان حيًّا، يتلوّى ككائنٍ جائع، يبتلع كل من اقترب منه.

لم يكن طريق نجاة، ولا درب هلاك… بل ممرٌّ يلتهم الخطى، ويترك السائر فيه معلّقًا بين ظلٍّ ونور.

كالدرب الذي يمشيه المرء في نومه، يجهل كيف بدأه ويعجز أن يصحو منه. كل خطوة فيه تُثقل القدم أكثر، وكل وقفة تُذيب الأمل شيئًا فشيئًا. ومع ذلك — لم يتوقف أحد. كأن الاستمرار نفسه سحر، أو لعنة لا تنكسر.

وفي قلب هذا الغموض، ظلّ اسم غريب يتردّد بلا صوت. اسم يشبه الهمس الذي تسمعه الأرواح وهي تغادر، أو الصدى الذي يبقى معلقًا بعد أن ينطفئ كل شيء.

لم يكن أحد يعرف معناه، ولا أحد تجرأ أن يفسره. لكنّ الأرض والسماء، النار والرماد، كلّها بدت وكأنها تُشير إليه، تنتظر اللحظة التي سيُقال فيها بصوتٍ مسموع.

اسم ذلك الطريق… اسمٌ خُلِق ليبقى معلقًا حتى النهاية:

— مسار الحمقى.

--- ​

2026/03/27 · 4 مشاهدة · 762 كلمة
نادي الروايات - 2026