---

الفصل العاشر: صوت من الظلال ---

ساد صمت ثقيل بعد الصرخة التي مزقت الليل. لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان صمتًا مختلفًا، غريبًا، يكاد يطبق على صدر يوسف فيخنقه.

شعر أن حتى حفيف الأوراق توقف، وأن الريح توقفت عن الهبوب بين الأغصان، وأن الغابة كلها تحبس أنفاسها في انتظار شيء لا يعرف ما هو.

وقف هناك، في وسط المخيم المهجور، والدماء لا تزال تلطخ حذاءه، ورائحة الموت لا تزال عالقة في خياشيمه. كان جسده متصلبًا، عيناه مثبتتان على الظلام الذي ابتلع الصرخة. كان يسمع دقات قلبه فقط، كانت عالية جدًا لدرجة أنه ظن أنها ستسمعه كل من في الغابة.

لم يهدأ عقله لحظة. كانت الصور تعود إليه مجددًا: أشلاء الرجل الضخم متناثرة بين الجذور، دماؤه تغذي جذوع الأشجار، عيناه المنزوعتان تاركتان فراغين داميين في وجهه، صرخته المتجمدة على شفتيه.

ثم الصرخة التي سمعها قبل قليل، تلك التي توقفت فجأة كأن الهواء نفسه ابتلعها.

تساءل في داخله، وصوته الداخلي كان مرتجفًا:

"هل هذا ما شعر به أولئك المساكين قبل أن يتحولوا إلى قطع لحم منثورة؟

هل هذا الشعور البارد في معدتي هو نفسه الذي سبق موتهم؟

هل كانوا يسمعون دقات قلوبهم بهذه الصرامة وهم يعرفون أن النهاية قادمة؟"

كان يعد الثواني في صمته، كل ثانية تطول كأنها ساعة. كان يتوقع أن يسمع خطوات تقترب، أن يرى عيونًا حمراء تتوهج في الظلام، أن يشعر بأنفاس شيء ساخن على قفاه. لكن لم يأت شيء. فقط الصمت. الصمت الثقيل الذي كان يكاد يصمه.

---

ثم شق السكون صوت.

كان صوتًا بشريًا، ضعيفًا، خافتًا، قادمًا من بين الأشجار الكثيفة على بعد خطوات منه. صوت أنثوي، محمّل برجاء مذبوح، كأن صاحبته على حافة الموت:

— "أرجوكم… أنقذوني… أي أحد… أنا عالقة!"

تجمّد يوسف مكانه. شعر بشعره يقف على مؤخرة عنقه. قلبه الذي كان يدق بعنف بدا وكأنه توقف للحظة، ثم عاد يدق بقوة أكبر، كأنه يحاول تعويض ما فاته.

كان الصوت قريبًا. قريبًا جدًا. ربما على بعد خطوات منه. لكنه لم يرَ أحدًا. كانت الأشجار من حوله كثيفة، والظلام حالك، والضوء القادم من النار الخافتة كان بالكاد يصل إلى حيث يقف.

انقسم قلبه نصفين. نصف يريد الركض فورًا، أن يبتعد عن هذا المكان، عن هذه الأصوات، عن هذا الخوف. نصف آخر لم يستطع تجاهل استغاثة إنسان. كان يتذكر صوت أمه عندما كانت تستغيث يومًا، كان يتذكر أن أحدًا لم يأتِ لمساعدتها.

حدث نفسه بحدة، لكن صوته الداخلي كان متشنجًا:

"هذا فخ. هذا صيد. لا شك في ذلك. لا يمكن أن يكون مصادفة أن يأتي صوت امرأة بعد كل ما حدث."

لكن صوتًا آخر داخله قال:

"وماذا لو كانت حقًا امرأة تحتاج إلى المساعدة؟ ماذا لو تركتها هنا وماتت؟ هل ستسامح نفسك؟"

بدأت الأفكار تتناوب بسرعة، كأن عقله يعمل بأقصى سرعة رغم الإرهاق والجوع:

"المخلوق الذي قتلهم… اختفى بعد أن ذبح الغرباء. ربما اكتفى بهم. ربما ليس في هذه المنطقة الآن. لو أراد مطاردتنا جميعًا، للاحق الرجل القصير الذي فرّ مذعورًا…"

"لكن صوت امرأة؟ كيف وصلت وحدها إلى هنا؟ كيف نجت من ذلك المخلوق؟ ولماذا هي عالقة في شجرة في وسط الغابة في الليل؟"

كل هذه الأسئلة دارت في رأسه وهو واقف في مكانه، قدماه كالجذور مثبتة في الأرض. كان يعرف أن أي خطوة دون حساب قد تكون الأخيرة. كان يعرف أن هذه الغابة لا ترحم.

تنفس ببطء، حاول أن يهدئ قلبه الذي كان يكاد ينفجر. ثم فتح فمه مترددًا، صوته خرج مبحوحًا متشققًا:

— "هل هناك أحد؟ هل تسمعينني؟"

صمت للحظة. كانت الثانية تطول كأنها سنة. ثم جاء الرد مسرعًا، متوسلًا، كأن صاحبته كانت تنتظر سماع صوت بشري:

— "أجل… أرجوك ساعدني! أنا عالقة ولا أستطيع النزول!"

شد يوسف قبضته حول صدره كأنه يحاول منع قلبه من الانفجار. كان صوته مرتجفًا، لكنه حاول أن يبدو واثقًا:

— "أين أنت؟ هل أنتِ عالقة في الأعلى؟"

جاء الصوت من جديد، أقرب هذه المرة، كأنه تحرك نحوه خطوة:

— "نعم! أرجوك أسرع… لا أستطيع التحمل! الأغصان بدأت تنكسر!"

رفع يوسف رأسه، يبحث بين قمم الأشجار العملاقة التي كانت تحيط به. كانت أغصانها متشابكة فوق رأسه كسقف من ظلال كثيفة، والضوء كان بالكاد يصل إلى هناك. لم يرَ شيئًا. لا حركة، لا ظل بشري، لا شيء.

فكر لحظة، ثم صاح:

— "هل يمكنك هزّ الشجرة التي أنتِ عالقة فيها؟ لأعرف مكانك؟"

توقف الصوت للحظة. ثم اهتزت إحدى الأشجار الطويلة على بعد خطوات منه. اهتزت أغصانها العليا بعنف، والأوراق تساقطت منه كأن شيئًا ثقيلًا يتحرك هناك.

لكن المشهد لم يقنع يوسف. نظر إلى الشجرة بعينين ضيقتين، وحاول أن يرى شكلاً بشريًا بين أغصانها. لم يرَ شيئًا. كانت الأغصان تتمايل، والأوراق تتساقط، لكن لم يكن هناك ظل لإنسان.

سأل بصوت حاد، هذه المرة كان صوته أكثر حدة:

— "قبل أن آتي… كيف أصبحتِ عالقة في أعلى هذه الشجرة؟ كيف تسلقتيها؟"

جاء صوتها مرتجفًا، كأنها على وشك البكاء:

— "كان هناك رجلان… حاولا التعدي علي… لم أجد مهربًا سوى أن أتسلق الشجرة! أرجوك لا تتركني!"

فكر يوسف بسرعة. رجلان؟ لكن الغرباء الذين رآهم كانوا ثلاثة. أين الثالث؟

ثم تساءل: وهل يعقل أن امرأة عادية تسلقت شجرة بهذا الارتفاع؟

هذه الشجرة كانت أطول من أي شجرة في المنطقة، جذعها أملس، أغصانها الأولى على ارتفاع بعيد. حتى هو، رجل في ريعان شبابه، لم يكن ليتسلقها بسهولة.

ازدادت الشكوك في عقله. كل خلية في جسده كانت تصرخ أن هذه خدعة. أن ما يتحدث معه ليس إنسانًا. أن ما ينتظره بين أغصان تلك الشجرة ليس امرأة عالقة.

لكن صوتها كان مقنعًا. كان فيه من الضعف والرجاء ما يجعله يتردد. تذكر صوت أمه عندما كانت تتصل به في الليل خائفة. تذكر أن أمه كانت دائمًا تقول له: "إذا سمعت أحدًا يستغيث، فلا تتخلى عنه. مهما كان."

قال في نفسه وهو يعض على شفته السفلى:

"لن أسمح للغابة أن تقتل أخلاقي. لن أصبح مثل هؤلاء الغرباء القساة. لكني لن أكون أحمق وأرتمي في حضن الموت."

قال بصوت مسموع، حاول أن يجعله هادئًا:

— "لا أستطيع تسلق هذه الشجرة هكذا. ليس لدي حبال ولا أدوات. سأبحث عن شيء يساعدني."

ردت بسرعة، وكأنها كانت تنتظر هذه الإجابة:

— "حسنًا… لكن أسرع رجاءً! لا أستطيع التحمل أكثر!"

---

بدأ يوسف يتحرك. كان يمشي ببطء، عيناه تتفحصان الأرض كأنه يبحث عن شيء يساعده في الصعود. كان ينحني أحيانًا ليلتقط غصينًا، ثم يرميه. كان يتقدم خطوة، ثم يتراجع أخرى.

لكن في داخله، كان قلبه يدق كالطبول. كان يحسب خطواته بدقة، مبتعدًا شبرًا شبرًا عن محيط الشجرة. كان يعرف أن ما يتحدث معه ليس إنسانًا. كان يعرف أن الخطر قريب.

شعر بأن عينين تراقبانه. لم يرَهما، لكنه شعر بهما. كان الإحساس معروفًا لديه منذ الطفولة، عندما كان يلعب في الظلام وكان يشعر أن أحدًا ينظر إليه من خلف الستارة.

كان يشعر بهما على قفاه، على كتفيه، على ظهره. كان مراقبًا من كل زاوية.

وفجأة، أحس بارتطام فوقه بين الأغصان. كان صوتًا ثقيلًا، ليس صوت إنسان يتحرك بحذر، بل صوت شيء كبير ينزل من الأعلى بسرعة. رفع رأسه، قلبه كاد يقفز من حلقه.

لم يرَ شيئًا. كانت الأغصان لا تزال تتحرك، والأوراق لا تزال تتساقط، لكن لم يكن هناك شيء مرئي.

تساءل في نفسه، وصوته كان يرتجف:

"لو كان هذا المخلوق قادرًا على قتلي، فلماذا يضيع وقته؟ لماذا يستدرجني بهذه الطريقة؟ لماذا لا ينقض عليّ كما فعل مع الغرباء؟"

كانت الأسئلة تنهشه من الداخل، يجرّه الخوف نحو حافة الانهيار. كان يشعر أنه إن بقي في هذا المكان لحظة أطول، سيفقد صوابه. كان بحاجة إلى الخروج. إلى أي مكان غير هذا المكان.

وفي وسط توتره، لمح شيئًا.

كان هناك جدول ماء صغير، خلف شجرة كبيرة على بعد خطوات منه. كان الماء يلمع تحت ضوء القمر الخافت الذي اخترق الأغصان، يتدفق بهدوء بين الصخور.

فكرة واحدة خطرت له، فكرة يائسة، لكنها كانت أفضل من لا شيء:

"هذا الجدول… إنه متصل بالنهر الأكبر. رأيت النهر عندما كنت أسير. إن قفزت فيه وتظاهرت أني سقطت بالخطأ، ربما أجرفني التيار بعيدًا. ربما أبتعد عن هذا المكان قبل أن ينقض عليّ."

بدأ يتحرك ببطء نحو الجدول. كان يحاول ألا يبدو أنه يقصد الذهاب إلى هناك، بل كان يتظاهر بأنه لا يزال يبحث عن شيء يساعده في الصعود. تقدم خطوة، ثم توقف، ثم تقدم مجددًا. كان كل خطوة تقربه من الماء، وكل خطوة تزيد من سرعة دقات قلبه.

كان على بعد خطوات قليلة من الجدول.

شعر بقرب الماء. رأى تدفقه أمامه، سمع خريره الخافت. مد يده نحو الماء، ظن للحظة أنه سينجح، أن يديه ستلمسان سطحه البارد قبل أن يدركه شيء ما.

لكن قبل أن يصل، توقفت الأصوات فجأة.

---

لم يعد هناك صوت للمرأة العالقة. لم يعد هناك حفيف للأغصان. لم يعد هناك شيء.

حلّت سكينة ثقيلة جعلت يوسف يتنفس براحة للحظة. ظن أنها انتهت. ظن أن ما كان هناك قد رحل.

لكن هذه الراحة لم تدم طويلًا.

سمع صوت خشخشة الأغصان من حوله. لم تأتِ من مكان واحد، بل من كل مكان. من الأمام والخلف، من فوقه وتحت قدميه. كان الصوت يأتي من كل اتجاه، كأن الغابة كلها تتحرك.

ثم دوّى صوت المرأة مجددًا.

لكنه كان مختلفًا هذه المرة. لم يكن ضعيفًا ولا مرتجفًا. كان حادًا، قاسيًا، كالسكين التي تشق الهواء:

— "لماذا لم تأتِ لمساعدتي؟" قال الصوت ببرود. "يبدو أنك عديم الرحمة. تركتني أصرخ وأتوسل وأنت تتظاهر بأنك تبحث."

تجمّد يوسف. أراد أن يجيب، لكن لسانه كان ثقيلًا.

أكمل الصوت، وكان يزداد حدة مع كل كلمة:

— "والآن تحاول الهرب؟ تظن أن الماء سينقذك؟ تظن أن التيار سيأخذك بعيدًا عني؟"

شعر يوسف بركبتيه ترتجفان. كان يريد أن يركض، لكن قدميه لم تطعه.

ثم تغير الصوت فجأة.

لم يعد صوت امرأة. لم يعد صوتًا بشريًا أصلًا. صار أكثر غلظة، أعمق، كأن الأرض نفسها تتكلم. كان الصوت يخرج من الحلق لا من الفم، يهتز في الصدر، يملأ الفضاء كله:

— "أيها الغبي… ها قد وقعت في الفخ."

انشق الظلام أمامه.

خرج من بين الأشجار مخلوق هائل، كالظلمة التي تجسدت فجأة. كان طوله يزيد على أي إنسان رآه يوسف من قبل، جسده هجين بين ثور ووحش، عضلاته تتراكم فوق عضلات كأنها دروع طبيعية.

قرون ملتوية تخرج من رأسه، تعانق الهواء كتاج من عظام ميتة، كل قرن ينتهي بطرف حاد كالرمح.

عيون حمراء متقدة كانت تتوهج في الظلام، كجمرتين لم تطفأ منذ قرون. كانت ترى كل شيء، تخترق الظلام كأنه لا شيء. نظراتها كانت ثقيلة، تقع على يوسف كأنها أحجار تتراكم على صدره.

أنياب حادة كالسيوف تخرج من فمه المفتوح، تلمع في ضوء القمر الخافت. بينها كان يرى لسانًا أسود طويلًا يتحرك كالأفعى، يلمس الهواء كأنه يتذوق خوف يوسف.

جسده كان مغطى بشعر خشن أسود، وفي بعض الأماكن كان الجلد مكشوفًا، تظهر عليه ندوب قديمة كأنها سجلات معارك خاضها قبل أزمنة. ذيل معوج كان يتحرك خلفه كأفعى ثانية، يضرب الأرض بين الحين والآخر فيترك أثرًا عميقًا في التراب.

وقف المخلوق أمام يوسف، حاجبًا عنه الطريق. كان ينظر إليه من أعلى، رأسه مائل قليلًا إلى الجانب، كمن يتأمل شيئًا صغيرًا لا يستحق الالتفات.

ثم ضحك.

كانت ضحكة تخرج من أعماق صدره، تهز المكان كله. ارتجفت الأشجار من حوله، وتساقطت الأوراق كأنها خائفة، والهواء نفسه بدأ يرتجف. كانت ضحكة كأنها طلاسم شيطانية، كلمات قديمة لا يفهمها يوسف لكنها كانت تجعل جلده يتقلص.

توقف الضحك فجأة. نظر المخلوق إلى يوسف بعينيه المتوهجتين، ثم قال بصوت جهوري يزلزل صدر يوسف، جعل أسنانه تحتك ببعضها من شدته:

— "أنا رسول هذه الأرض ومنقذها. أنا الذي يوزع العدالة على المنبوذين. فلتأخذ عقابي وسأغفر لك، أيها المذنب الحقير.

رحمتي واسعة، وإن جئتني طائعًا، منحتك موتًا رحيمًا بلا ألم.

وإن أبيت…" توقف، وابتسم ابتسامة أظهرت أنيابه الطويلة — "فسوف تتقطع أوصالاً كما رأيت."

ارتعشت ركبتا يوسف.

كان يحاول أن يتمالك نفسه، أن لا يظهر ضعفه، لكن جسده كان يخونه. شعر ببلل بارد يتسلل من تحت إبطيه، وشعر بأنفاسه تتقطع. صرخ في حيرة، وصوته كان بالكاد يخرج من حلقه:

— "أي ذنب اقترفت؟ ماذا فعلتُ؟ أنا لم أؤذِ أحدًا! جئت إلى هنا صدفة!"

قهقه المخلوق حتى ارتجت الأغصان من حوله. كان ضحكه كالرعد، يملأ الفضاء ويرتد من الأشجار كأن الغابة كلها تضحك معه.

— "أيها الواهم!" قال بصوت فيه ازدراء واضح. "أنت في أرض المنبوذين. لا يُلقى أحد هنا إلا بعد أن يلطّخ نفسه بالذنوب.

لا مجال للبراءة. كل من وطئت قدماه هذه الأرض هو مذنب. أنت مذنب. هم مذنبون. الجميع مذنبون."

حاول يوسف التماسك. كان يعرف أن هذا المخلوق لا يريد سماع أعذاره، لكنه لم يستطع أن يبقى صامتًا. صرخ، وصوته كان أعلى مما توقع:

— "وإن كنت مذنبًا، فأنت أيضًا هنا! أنت أيضًا في هذه الأرض! ألم ترتكب ذنبًا أنت؟ لماذا لا تعاقب نفسك؟"

تغير وجه المخلوق فجأة. تحولت ملامحه إلى قناع جهنمي من الغضب. ازدادت عيناه توهجًا، وأنفاسه أصبحت ساخنة، شعر يوسف بحرارتها على وجهه رغم المسافة بينهما. قال بصارمة جعلت يوسف يتراجع خطوة قسرًا:

— "أتجترئ على مقارنتي بك؟ أنا رسول هذه الأرض ومبشّرها!

لقد خلّصت نفسي حين تخلّيت عن جسدي البشري الحقير… ومنذ ذلك الحين وأنا سيد هنا، مخلّص، أملك الحق أن أُعاقبكم أنتم أيها المنبوذون."

اقترب خطوة. كانت خطوته ثقيلة، جعلت الأرض تهتز تحت قدم يوسف. أكمل بصوت أصبح أكثر هدوءًا، لكن هدوءه كان أخطر من صراخه:

— "أنت يا صغير، لا تعرف شيئًا. أنت لا تعرف أين أنت، ولا ماذا فعلت لتستحق أن تُلقى هنا. لكنني أعرف.

أعرف كل ذنب ارتكبته، كل خطيئة أخفيتها، كل ظلمة في قلبك. أنا أراها الآن. أراها تتلوى في صدرك كدودة."

شعر يوسف أن الكلمات تضغط على صدره مثل صخور ثقيلة. لم يكن يعرف إن كان المخلوق يقول الحقيقة، أم أنه يحاول تدميره نفسيًا قبل أن يقتله جسديًا.

لكنه شعر فجأة بكل ذنوبه تعود إليه. كل الأخطاء التي ارتكبها، كل الكلمات التي نطق بها ولم يكن يجب أن ينطق، كل اللحظات التي تمنى فيها لو كان أفضل مما هو.

هز رأسه بعنف، وحاول أن يتخلص من هذا الإحساس. صرخ:

— "أنا لا أنتمي لهذه الأرض! جئت صدفة! جرفتني الأمواج إلى هنا! لم أختر هذا! لم أكن أعرف أن هذا المكان موجود!"

ابتسم المخلوق بخبث. كانت ابتسامته بطيئة، كأنه يمنح يوسف وقتًا ليفهم ما سيقوله. ثم قال، وكلماته كانت تتساقط كالحجارة في ماء راكد:

— "هذا ما يقوله الجميع في البداية. كل من يأتي إلى هنا يقول إنها صدفة، إنه لم يختر هذا، إنه بريء. لكن سرعان ما يفهمون. يفهمون أن لا شيء هنا يحدث صدفة. لا وجودك هنا، ولا وصولك إلى هذا المخيم، ولا لقاءك بي. كل شيء مكتوب. كل شيء مقدر."

رفع يده الضخمة، وأصابعه الطويلة تتحرك في الهواء كأنها ترسم مصيرًا لا مفر منه. أعلن بصوت لا يقبل الجدال:

— "انتهى وقت الكلام. حان وقت العقاب."

---

فجأة، شعر يوسف أن الأرض تحت قدميه تختفي.

نظر إلى الأسفل فرأى الجذور التي كان واقفًا عليها تتحرك. كانت تخرج من التراب كأفاعي عملاقة، تتلوى وتلتوي، تبحث عن قدميه. حاول أن يقفز، أن يهرب، لكن الجذور كانت أسرع. التفّت حول كاحليه، وشدّته نحو الأرض بقوة لا تقاوم.

صرخ. حاول أن يمسك بغصن شجرة قريب، لكن الأغصان تحركت أيضًا. تحولت من أغصان يابسة إلى أذرع مرنة، انقضت عليه من كل جانب. التفّت حول ذراعيه، حول خصره، حول عنقه. كانت باردة، رطبة، كأنها جلود ثعابين لا أغصان أشجار.

نظر إلى المخلوق فرآه واقفًا هناك، لا يتحرك. كان ينظر إليه بعينيه المتوهجتين، ويبتسم. كان يبتسم كمن يشاهد عرضًا لا يريد أن يفوت منه شيء.

حاول يوسف أن يصرخ، أن يستغيث، أن يفعل أي شيء. لكن الأغصان كانت تضغط على عنقه، تخنقه. صوته خرج كشهقة مكتومة لا تسمع.

بدأت الجذور تسحبه نحو الأرض. كان يشعر بالتراب يبتلعه، كأن الأرض نفسها تفتح فمها لتأكله. دخل التراب في فمه، في أنفه، في عينيه. طعمه مر، ورائحته كرائحة الموت الذي رآه قبل قليل.

كان يحاول أن يقاوم، أن يشد، أن يتحرر. لكن الجذور كانت أقوى منه. كانت تضغط على جسده من كل اتجاه، تسحقه، تدفعه إلى الأسفل.

في آخر لحظة قبل أن يختفي تمامًا، رفع عينيه نحو المخلوق. كان لا يزال واقفًا هناك، ينظر إليه. لكن شيئًا تغير في وجهه. لم يعد يبتسم. كان وجهه جامدًا، كمن ينتظر شيئًا لم يحدث بعد.

ثم ابتلعته الأرض في شيء أشبه بالبوابة.

شعر للحظة أنه يعبر فجوة بين عالمين، أن جسده لم يعد في المكان نفسه.

---

كل شيء أصبح ظلامًا. لا صوت، لا هواء. كان يسقط، يسقط في فراغ لا نهاية له. الجذور كانت لا تزال تمسكه، تسحبه إلى الأسفل، إلى مكان لا يعرفه.

كان يريد أن يصرخ، لكن صوته لم يخرج. كان يريد أن يبكي، لكن دموعه لم تأتِ. كان فقط يسقط، ويسقط، والظلام من حوله يزداد كثافة، والبرد يزداد قسوة، والخوف يزداد عمقًا.

وفجأة، توقف السقوط.

كان هناك، في قاع الظلام، لا يعرف أين هو، لا يعرف ما سيحدث له. كان فقط هناك، مغمض العينين، يسمع دقات قلبه التي كانت تخفت تدريجيًا.

آخر ما تذكره قبل أن يفقد وعيه: صوت المخلوق يهمس من بعيد، كأنه من مكان آخر، من عالم لا ينتمي إليه:

— "هذه بدايتك يا يوسف… وليست نهايتك."

ثم لا شيء.

لم يبق سوى الظلام.

---

نهاية الفصل العاشر

--- ​

2026/03/28 · 1 مشاهدة · 2635 كلمة
نادي الروايات - 2026