------

الفصل الحادي عشر: قاع الظلام

--- فتح عينيه.

لم يكن يعرف متى أغمي عليه، ولا كم مضى من الوقت منذ أن ابتلعته الأرض.

كان آخر ما يتذكره: صوت المخلوق يهمس من بعيد، الجذور تلتف حول عنقه، التراب يدخل في فمه. ثم لا شيء. ظلام مطبق. صمت كالموت.

والآن… فتح عينيه.

فوجد نفسه في عالم آخر.

لم تكن غابة، ولا أرضًا يعرفها. لم يكن هناك أشجار ولا سماء ولا تراب مبلل برائحة العفن التي اعتاد عليها في الأيام الماضية.

كان مكانًا مختلفًا تمامًا، كأنه سقط من عالم إلى عالم آخر، من حياة إلى حياة أخرى لا تشبه الأولى.

كان فضاءً واسعًا لا يرى له نهاية. اتسعت عيناه محاولًا إدراك ما حوله، لكن بصره لم يجد ما يتوقف عنده.

لا جدران، لا أعمدة، لا حدود. فقط فراغ ممتد في كل اتجاه، يبتلع كل شيء في صمته الثقيل.

سقف هذا العالم — إن كان هناك سقف — كان من دخان أسود كثيف. لم يكن دخانًا عاديًا يتصاعد من نار ثم يتبدد. بل كان كيانًا قائمًا بذاته، يتحرك ببطء فوق رأسه كسحابة ميتة، يلف ويتمدد، ينقبض وينفتح، كأنه يتنفس.

كان يخفي ما فوقه، يحجبه، كأنه يقول: لا شيء هناك يستحق أن تراه.

أما الأرض التي كان واقفًا عليها — أو التي سقط عليها — فكانت من جمر. لم تكن تحترق، لكنها كانت متوهجة ببريق أحمر خافت، يتسلل من بين شقوقها الصغيرة كعيون مريضة ترمش في الظلام.

شعر بحرارتها من خلال حذائه الممزق، حرارة ليست كحرارة النار العادية، بل حرارة تخترق الجلد والعظم كأنها تبحث عن شيء في داخله.

وقف يوسف هناك، لا يتحرك. كان جسده منهكًا، وعقله مشوشًا، وعيناه لا تصدقان ما تراه. حاول أن يفهم أين هو، كيف وصل، ماذا يحدث .

لكن لم يأته جواب. فقط هذا الفضاء الشاسع، وهذا الدخان الأسود، وهذه الأرض المتوهجة.

ثم رآه.

---

في وسط هذا الفضاء، على بعد خطوات منه، كان هناك عرش. لم يكن عرشًا كأي عرش رآه في حياته. كان هائلًا، ضخمًا، كأنه نبت من الأرض نفسها لا وُضع عليها.

مصنوع من حجر أسود يلمع كالمرآة المعتمة، تعلوه أشواك حديدية ملتوية كأذرع ميتة تمددت لتقبض على من يجلس عليه.

على ذلك العرش، جلس المخلوق.

نفس المخلوق الذي خادعه بصوت المرأة، الذي واجهه في الغابة، الذي حكم عليه بالعقاب.

كان جالسًا هناك، متكئًا على ذراع العرش، رأسه مرفوع، عيناه الحمراوان تنظران إلى يوسف من بعيد. لكنه لم يكن وحيدًا هذه المرة.

حوله، كان هناك المئات.

مخلوقات صغيرة، لا يزيد حجم الواحد منها عن حجم طفل صغير، كانت تملأ المكان. تتراقص، تقفز، تضحك، تصيح.

كانت أجسادهم مشوهة، وجوههم لا تشبه وجوه البشر. بعضهم له عين واحدة في وسط جبهته، وبعضهم له ثلاث عيون موزعة بلا انتظام. أفواههم واسعة، تبتسم بلا سبب، تضحك بلا نكتة.

كانوا يركضون بين قدمي العرش، يتسلقون على بعضهم، يتدحرجون على الأرض المتوهجة كأنها لا تحرقهم. كانت أصواتهم عالية، مزعجة، لا تشبه أصوات الأطفال العاديين.

أصواتًا متقطعة، كأنها تصدر من حناجر مصدعة، تمزج بين الضحكة والصرخة في آن.

ضحك أحدهم قريبًا من أذن يوسف، فالتفت إليه. رأى وجهًا مشوهًا بعينين منفرجتين وفم مقلوب، يضحك ويدور حوله كالكلب المسعور.

تراجع يوسف خطوة، فاصطدم بآخر كان خلفه. شهق وابتعد، لكن المزيد كانوا يقتربون.

بدأت المخلوقات الصغيرة تتجمع حوله من كل جهة. كانت تلمس ثيابه بأصابعها الصغيرة الرفيعة، تشدها، تتركها.

كانت تنظر إليه بعيونها المختلفة، تدرس وجهه، تشم رائحته. كان بعضها يقهقه وبعضها يصيح وبعضها يهمس بكلمات لا يفهمها.

حاول يوسف أن يبتعد، أن يجد مخرجًا. لكن المكان كان مفتوحًا بلا حدود، والمخلوقات كانت تحاصره من كل جانب. و تزداد عددًا، تقترب أكثر، تلمسه أكثر. شعر بأن قلبه يكاد ينفجر من صدره، وأن أنفاسه تتصاعد بسرعة.

ثم رأى المخلوق على العرش يرفع يده.

توقفت المخلوقات الصغيرة فجأة. تصلبت مكانها كأنها تحولت إلى تماثيل. توقف ضحكها، توقف صياحها، توقف حتى حركتها. ساد صمت ثقيل، صمت مختلف عن كل ما سبقه.

نظر المخلوق على العرش إلى يوسف من بعيد. لم يقل شيئًا. فقط نظر. وكانت نظرته كافية ليجعل يوسف يشعر بأنه عارٍ أمامه، بأنه لا شيء، بأنه مجرد حشرة تحت قدمه.

ثم أشار بإصبعه الطويلة نحو يوسف. إشارة واحدة، لا تحتاج إلى كلمات.

فانقضت عليه المخلوقات الصغيرة.

لم تعد تتراقص وتضحك. تحولت فجأة. كانت أيديهما الصغيرة التي كانت تلمسه بدافع الفضول أصبحت مخالب حادة تمسك بذراعيه، بساقيه، بكتفيه، بشعره. كانت أظافرها طويلة، سوداء، تخترق ثيابه وتكاد تصل إلى جلده.

حاول أن يصرخ، لكن أحدها وضع يده — أو مخلبها — على فمه. كان جلدها باردًا، زلقًا، كأنه جلد ضفدع. شعر بطعم مر على شفتيه، ورائحة كبريت تملأ أنفه.

سحبته المخلوقات. لم يكن يمشي، بل كان يُجر على الأرض المتوهجة.

شعر بحرارة الجمر من خلال ثيابه الممزقة، لكنه لم يحترق. كانت الحرارة تخترقه، لكنها لا تحرقه. كأنها تريد أن تشعره بها فقط، أن يعرف أنها هناك، دون أن تترك أثرًا.

كانت المخلوقات تصدر أصواتًا أثناء سحبه. لم تكن تضحك الآن، بل كانت تهمس. تهمس بكلمات لا يفهمها، بأصوات متعددة تتداخل وتتزاحم.

كانت كلماتها كالسهام الصغيرة تدخل في أذنيه وتستقر في رأسه.

نظر إلى الخلف وهو يُسحب، فرأى المخلوق على العرش. كان لا يزال جالسًا هناك، ينظر إليه. لكن شيئًا تغير في وجهه. لم يعد يبتسم. كان وجهه جامدًا، كمن يشاهد شيئًا لا يريد أن يفوت منه تفصيل واحد.

ثم انتهى الفضاء الواسع فجأة.

أمامهم، كان هناك كهف يفتح فمه في الأرض. لم يكن كهفًا عاديًا. كانت فتحته سوداء بالكامل، سوداء لدرجة أنها كانت تبدو كأنها قطعة من لا شيء في وسط المكان.

لم يكن يرى ما بداخلها. كان يرى فقط الظلام. ظلامًا كثيفًا، ثقيلًا، كأنه سائل أسود يملأ الكهف إلى حافته.

لم تتردد المخلوقات الصغيرة. دفعته نحو الكهف، فسقط في فتحته. شعر بأنه يسقط، يسقط في فراغ لا قاع له. ابتلعه الظلام من كل جانب، والهواء صار باردًا فجأة بعد حرارة الجمر.

لم يعد يرى شيئًا.

لا جدار، لا سقف، لا أثر للمخلوقات التي كانت تسحبه. كل شيء ابتلعته العتمة. كانت عيناه مفتوحتين، لكنهما لا ترىيان شيئًا. كانت يداه ممدودتين، لكنهما لا تلمسان شيئًا. كان يسقط، أو ربما توقف عن السقوط. لم يعد يعرف الفرق.

---

الظلام هنا ليس مثل ظلام الليل الذي عرفه يومًا. كان ظلام الليل عاديًا، تعرفه عيناه وتألفه. كان يأتي مع غروب الشمس، ويرحل مع شروقها. كان له نجوم تضيئه، وقمر يخفف سواده، وأشجار تتحرك في مهب الريح، وأصوات حشرات تملأ فراغه.

أما هذا الظلام، فكان مختلفًا.

كان كيانًا كثيفًا يلتف حوله كالشرنقة. كان يتسلل إلى مسامه، يدخل في فمه وأنفه كغبار خانق لا يستطيع السعال. كان يزحف على جلده، يلامسه من كل مكان، كأنه ماء بارد لا يجف. كل نفس يلتقطه كان يملأ رئتيه بثقل لا يطاق، كأن الهواء نفسه صار أثقل من الحديد.

شعر به يضغط على صدره من الداخل، كأن قبضة باردة تمسك قلبه وتعصره ببطء. حاول أن يتنفس بعمق، لكن كل محاولة كانت تزيد من ثقل الرئتين. شعر بأنه يختنق، بأن الأكسجين يتحول إلى رصاص في صدره.

جلس — أو ربما سقط. لم يعد يعرف الفرق بين الجلوس والسقوط. كلاهما يؤدي إلى نفس النتيجة: الأرض تحت جسده. لكن الأرض هنا لم تكن أرضًا عادية. لم تكن ترابًا ناعمًا، ولا صخرًا صلبًا، ولا رملًا ينساب بين الأصابع.

كانت باردة، لكنها لم تكن باردة كالثلج أو الحجر. كانت باردة كشيء حي، كجلد حيوان لم يسبق له أن شعر بدفء الشمس. كانت رطبة، لكنها لم تكن رطبة كالمطر أو الندى. كانت رطبة كعرق بارد يخرج من جسد خائف.

وضع كفيه على الأرض ليتحسسها. شعر بشيء يتحرك تحتهما.

لم يكن وهمًا. كانت الأرض تتحرك. ترتفع وتنخفض برفق، كأنها تتنفس. كان نبضًا خفيفًا ينتقل من باطنها إلى راحتيه، نبض بطيء، ثقيل، كأن قلبًا ضخمًا ينبض في مكان بعيد تحت قدميه. شعر بأن الأرض ليست جمادًا، بل شيء حي، شيء ينبض، شيء يتنفس، شيء يعاني.

جذب يديه بسرعة، وضمهما إلى صدره. شعر بأن أصابعه لا تزال تحتفظ بالإحساس، كأنها لمست شيئًا لا يمكن غسله أبدًا. فركها ببعضها، لكن الإحساس ظل. ظل عالقًا في جلده، في عظامه، في ذاكرته.

جلس هناك، منكمشًا على نفسه، لا يتحرك. كان خائفًا من أن يلمس الأرض مجددًا. كان خائفًا من أن يشعر بذلك النبض مرة أخرى. كان خائفًا من أن يعرف أن الأرض التي تحته حية، وأنها تعاني، وأنه واقف على جسدها.

ثم جاءت الأصوات.

---

لم تبدأ فجأة. كانت هناك دائمًا. ربما كانت أذناه فقط لم تكونا مستعدتين لسماعها. لكنها الآن كانت واضحة، مرتفعة، لا يمكن تجاهلها.

امرأة تبكي. لم يكن بكاؤها كأي بكاء عرفه يوسف. لم يكن بكاء حزن يخرج من القلب، ولا بكاء ألم يخرج من الجرح. كان بكاءً ممزقًا، مجروحًا، كأن حلقها يتمزق مع كل شهقة، كأن صوتًا آخر يخرج من داخلها لا تريده، لا تستطيع إيقافه.

كانت تبكي دون توقف، دون أن تأخذ نفسًا، كأنها تبكي منذ أزمنة ولم يعد لديها ما تقدمه سوى هذا الصوت.

صبي يصرخ. صرخته عالية، حادة، تخترق الظلام كسهم لا يخطئ هدفه.

لم تكن صرخة خوف من شيء يراه، ولا صرخة استغاثة تطلب نجدة. كانت صرخة من يعرف أن لا أحد سيأتيه، لكنه لا يستطيع التوقف. كانت صرخته تعلو وتخفت على إيقاع لا يفهمه، تتصاعد إلى ذروة حادة ثم تنخفض إلى همس مبحوح، ثم تعود من جديد.

ورجُل يضحك. ضحكة مجنونة، متقطعة، كأنها تخرج من صدر مثقوب لا يستطيع حبس الهواء. تبدأ منخفضة كهمس، ثم تتصاعد ببطء، تتحول إلى قهقهة عالية، ثم تنتهي فجأة كمن قطعها سكين. ثم تعود من جديد.

تضحك على شيء لا يراه أحد، على نكتة لا يفهمها إلا هو. كانت ضحكته تملأ الظلام، تختلط ببكاء المرأة وصراخ الصبي، فتصنع جوقة من العذاب لا تتوقف.

حاول يوسف أن يحدد مصدر الأصوات. أدار رأسه يمينًا، فسمعها من اليسار. أداره يسارًا، فسمعها من اليمين. أدار جسده بالكامل، فسمعها من كل مكان. من أمامه ومن خلفه. من فوق رأسه ومن تحت قدميه. كانت تحيط به، تلفه، تدخل في أذنيه من كل اتجاه كأنها تحاصره.

رفع يديه وضعهما على أذنيه. ضغط بقوة. ضغط حتى شعر بألم في راحتيه. لكن الأصوات لم تتوقف. لم تكن تأتي من الخارج فقط. كانت تأتي من الداخل أيضًا. كأنها تزرع في رأسه مباشرة، في عمق جمجمته، في طيات دماغه. كأنها جزء منه لا يستطيع فصله، كأنها صارت جزءًا من ذاته.

فتح فمه ليتكلم. أراد أن يصرخ: "توقفوا! أرجوكم توقفوا!" أراد أن يصمتهم بقوته، أن يعلو صوته فوق أصواتهم. لكن صوته لم يخرج. فتح فمه مجددًا، دفع الهواء من رئتيه، حرك لسانه، فتح شفتيه.

لكن لا صوت. كأن الظلام ابتلع صوته قبل أن يصل إلى أي مكان. كأنه صار أخرس في هذا العالم، صار مجرد مستقبل للأصوات، لا مصدرًا لها.

همس — أو ظن أنه همس — بكلمات لا يسمعها حتى هو:

— "توقفوا… أرجوكم توقفوا…"

لكن الكلمات ماتت في فمه. لم تصل إلى أذنيه. لم تصل إلى أي مكان. ابتلعها الظلام كأنها لم تكن.

---

رفع ركبتيه إلى صدره، ولف ذراعيه حولهما. جلس منكمشًا على نفسه، كطفل صغير يختبئ من عاصفة لا تنتهي. كان جسده يرتجف.

لم يكن يرتجف من البرد فقط — رغم أن البرد كان قارسًا، يتسلل تحت جلده كإبر صغيرة تبحث عن عظم — بل كان يرتجف من خوف لا يعرف له اسمًا.

خوف ليس له مصدر واحد. يأتي من كل شيء ومن لا شيء. من الظلام الذي يحيط به، من الأرض التي تتنفس تحته، من الأصوات التي تملأ رأسه، من صمته هو. خوف يتجاوز الجوع والتعب، يتجاوز كل ما عرفه من قبل. خوف ينهشه من الداخل ببطء، كأنه يأكل روحه قضمة قضمة، يبتلعها قطعة قطعة، حتى لا يبقى منه سوى قشرة فارغة.

"هذا ليس واقعًا… إنه وهم. نعم، مجرد وهم. لا بد أنه وهم."

حاول أن يقنع نفسه. كرر الكلمات في رأسه مرارًا، جعلها شعارًا يتشبث به. لكن حتى كلمة "وهم" بدأت تفقد معناها. كانت تتكرر في رأسه حتى صارت مجرد صوت فارغ، لا يحمل أي معنى. مثل اسم تكرره حتى تتحول حروفه إلى لا شيء، مثل كلمة كررتها حتى صارت طنينًا في أذنيك لا يشير إلى شيء.

ثم بدأت أفكاره تتشقق.

حاول أن يتذكر وجه أمه. أغمض عينيه — رغم أن العتمة كانت نفسها سواء أغمضهما أم فتحهما — وركز بكل ما تبقى له من قوة. شعرها الملفوف على كتفها. عيناها الكبيرتان. تجاعيدها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ابتسمت. ابتسامتها التي كانت تملأ البيت دفئًا.

لكن الصورة لم تثبت. كانت ترتعش أمامه كسراب في صحراء. كلما حاول أن يثبتها، تفلت منه. العيون ذابت أولًا. تحولت إلى نقطتين مظلمتين، ثم تلاشتا تمامًا. ثم الفم. ثم الأنف. ثم ملامح الوجه كلها. ثم لم يبق سوى ظل بلا شكل، صورة بلا تفاصيل، وجه لا يشبه أحدًا.

حاول أن يتذكر فؤاد. رفيقه في الرحلة. صوته الذي كان يضحك به قبل أن يبتلع البحر السفينة. وجهه عندما كان يقف على سطح السفينة ينظر إلى الأفق، يقول: "لا تخف، البحر هادئ الليلة."

ظهرت صورته للحظة كظل بعيد، كذكرى لذكرى، كصورة التقطت من مسافة بعيدة ثم تحللت. كأن ورقة قديمة تحترق، تتحول إلى رماد ثم تختفي في الهواء.

صرخ داخليًا. لم يخرج صوت، لكن الصرخة كانت هناك. في صدره. في رأسه. في كل خلية من جسده. كانت صرخة صامتة لا تسمعها إلا هو، لكنها كانت تمزقه من الداخل:

— "لا! لا تفعلوا بي هذا! اتركوني على الأقل بذكرياتي! إن أخذتموها، ماذا يبقى لي؟ ماذا يبقى لي إن لم أعد أتذكر من أنا؟"

لكن الذكريات كانت تتبخر كالماء على صخرة ساخنة. كلما تمسك بواحدة، انسابت من بين أصابعه كالرمال. كلما حاول أن يثبت أخرى، تلاشت كالدخان.

لم يعد يتذكر متى كانت آخر مرة رأى فيها أمه. لم يعد يتذكر لون عينيها. لم يعد يتذكر إن كانت تضع عطرًا أم لا. لم يعد يتذكر إن كانت تحب الشاي أم القهوة. لم يعد يتذكر شيئًا.

ثم تسلل سؤال إلى ذهنه. سؤال لم يأتِ من الخارج، بل نبت في داخله كشوكة تنمو في صدره:

"من أنا؟"

توقف. فكر. حاول أن يجد الإجابة. كانت بسيطة. يعرفها منذ أن كان طفلًا. يعرفها كاسمه الذي يكتبه في كل ورقة، يرد عليه كلما نودي به.

"يوسف… أنا يوسف."

لكن الاسم بدا غريبًا. كأنه اسم لشخص آخر. كأن أحدهم همسه في أذنه قبل لحظات، وليس اسمه هو. كأنه يسمعه لأول مرة في حياته. كرره مرارًا، جعله شفاهه تتحرك في الظلام:

— "يوسف… يوسف… يوسف…"

حتى فقد المعنى. صار مجرد صوت: ياء، سين، فاء. حروف لا تشير إلى أحد. لا تشير إليه. كان يمكن أن يكون اسم أي شخص. كان يمكن أن يكون اسمًا وضعه أحدهم عليه دون أن يسأله.

"هل أنا إنسان؟"

سأل نفسه. نظر إلى يديه. لم يرَهما. لمس وجهه. شعر بملامحه. أنفه. فمه. عيناه. جفناه. كان هناك. كان يشعر بجسده. لكنه لم يكن متأكدًا. هل الإحساس بالوجود دليل على الوجود؟ أم أن الظلام يمكن أن يخلق إحساسًا بلا حقيقة؟

"أم أنني صرت مجرد فكرة فارغة؟ صوت يتردد في قبو مظلم بلا جسد؟"

كلما حاول أن يتمسك بعقله، كلما حاول أن يثبت نفسه على شيء، يأتي صوت جديد من الظلام. لا يعرف إن كان من الخارج أم من الداخل. لا يعرف إن كان المخلوق يهمس به أم أن أفكاره هي التي تتحول ضده. يهمس بهدوء، كمن يقرأ حكمًا لا رجعة فيه:

— "أنت مذنب… أنت منبوذ… لم يكن لك أن تعيش أصلًا…"

حاول أن ينكر. حاول أن يصرخ: "أنا لست مذنبًا!" لكن الكلمات لم تأتِ. والظلام لم يرد. فقط الهمس استمر، يتكرر، يتردد في رأسه كصدى لا ينتهي، كجرس يدق في بئر عميق ولا أحد يسمعه.

---

الظلام لم يعد ثابتًا.

في البداية، كان مجرد غياب للضوء. كان شيئًا سلبيًا، فراغًا تركته الأشعة حين غادرت. لكنه الآن صار شيئًا آخر. صار كيانًا حيًا يتحرك من حوله، يزحف على جلده، يلامسه من كل مكان.

شعر به على وجهه أولًا. كان باردًا، رطبًا، كأنه يلتصق بجلده. حاول أن يمسحه بيده، لكن يده لمست المزيد منه. كان في كل مكان. على ذراعيه، على رقبته، على صدره. كان يزحف تحت ثيابه، يلامس جسده مباشرة، كأن آلاف الأصابع الباردة تلمسه في الوقت نفسه.

شعر به يدخل في فمه كلما تنفس. كان الهواء ثقيلًا، ملوثًا بهذا الظلام، يملأ رئتيه بثقل لا يطاق. شعر بأنه لا يستنشق هواء، بل يستنشق ظلامًا. كان يدخل إلى حلقه، إلى قصباته الهوائية، إلى كل جزء من رئتيه. كان يثقل صدره من الداخل، يضغط على قلبه، يعصره ببطء.

شعر به يضغط على جمجمته من الخارج. كأن قبضة عملاقة تمسك رأسه وتضغط، تضغط ببطء، تريد أن تسحقه. كان الألم خفيفًا في البداية، ثم تزايد، صار خافقًا، صار كأن رأسه سينفجر في أي لحظة.

أغمض عينيه — رغم أنهما كانتا مفتوحتين — وحاول أن يتذكر شيئًا. أي شيء. اسمه. عمره. لون السماء. طعم الخبز. صوت المطر. أي شيء يثبت أنه كان إنسانًا في مكان آخر قبل أن يأتي إلى هذا المكان.

لكن لا شيء.

كان فارغًا. كأن كل ما كان فيه قد سُحب منه. كأنه صعد إلى أعلى جبل في العالم، ثم نظر إلى الأسفل فوجد هاوية لا قرار لها. لا أرض تحت قدميه. لا شيء يمسكه. كان يسقط في فراغ لا نهاية له، وكان الظلام يزداد كثافة كلما سقط أعمق.

صرخ. هذه المرة خرج الصوت. لم يكن صوته وحده. كان صرخة اختلطت بصراخ المرأة وبكائها، بصراخ الصبي وضحكة الرجل المجنونة. اندمج صوته مع أصواتهم، صار واحدًا منها. لم يعد هناك يوسف يصرخ وحده. كان هناك جوقة من الصرخات، وهو واحد من أعضائها. صار جزءًا من هذا الجحيم، جزءًا من هذه الجوقة الأبدية التي لا تتوقف.

"لقد انتهيت."

هكذا قال لنفسه. أو قال له شيء في داخله. لم يعد يعرف الفرق.

"لا جدوى. لا مخرج. لن يراني أحد. لن يعرف أحد أنني كنت هنا."

حتى كلمة "كنت" بدأت تفقد معناها. هل كان؟ هل وُجد أصلًا؟ هل كان هناك يومًا في مكان اسمه العالم، في بيت له جدران ونوافذ، مع أم لها وجه وصوت، مع صديق يضحك معه؟ أم أنه كان دائمًا هنا؟ في هذا الظلام، في هذه الصرخات، في هذا العذاب الذي لا ينتهي؟ هل حياته كلها كانت مجرد حلم؟ وهذه هي الحقيقة التي استيقظ عليها أخيرًا؟

استسلم.

أرخى جسده. توقف عن المقاومة. ترك الظلام يلتهمه. ترك الصرخات تغمره. ترك نفسه تغرق. لم يعد هناك شيء يمسك به. لم يعد هناك شيء يستحق أن يمسك به. كان يغرق في قاع لا قرار له، والظلام من حوله يزداد كثافة، والبرد يزداد قسوة، والخوف يزداد عمقًا.

كان على وشك أن يختفي تمامًا. كان على وشك أن يصير مجرد صوت آخر في هذه الجوقة الأبدية. كان على وشك أن يفقد حتى فكرة أنه كان يومًا إنسانًا اسمه يوسف.

ثم سمع شيئًا.

---

همهمة خفيفة.

كانت بعيدة جدًا. بعيدة كأنها تأتي من مكان آخر غير هذا المكان. من عالم لا يعرفه. من مكان لا وجود للظلام فيه. لكنها كانت واضحة. واضحة كخيط فضي في ظلام أبدي. لم تكن صرخة. لم تكن بكاء. لم تكن ضحكة مجنونة. كانت همهمة متصلة، منتظمة، تنساب ببطء كالماء في مجرى خفي.

صوت ماء.

لم يصدق أولًا. ظن أن عقله، في لحظة انهياره الأخيرة، خلق هذا الصوت كأمل أخير. كآخر حبل يرميه لنفسه قبل أن يغرق. لكن الصوت استمر. لم يختفِ. لم يتحول إلى صرخة أو بكاء. استمر كما هو، نقيًا، واضحًا، مختلفًا.

تزايد. صار أوضح. صار أقرب.

رفع رأسه بصعوبة. كان رقبته متصلبة، وعضلاته متشنجة من الانكماش الطويل. لكنه رفعها. أدار أذنه نحو الصوت. كان يأتي من مكان ما في الظلام. لا يعرف أين. لا يعرف كم يبعد. لكنه كان هناك. كان موجودًا.

أراد أن يركض نحوه. لكنه لم يعد يملك جسدًا للركض. لم يعد يشعر بقدميه. لم يعد يشعر بيديه. لم يبقَ له إلا أذناه، وهذا الصوت، وهذا الخيط الرفيع الذي يمسكه بالحياة. تعلق به كمن يتعلق بآخر شجرة على حافة الهاوية.

ثم — نور.

في البداية، كان نقطة صغيرة في البعيد. بحجم بذرة الخشخاش. ظن أنها وهم آخر، أن عينيه بدأتا تخدعانه كما خدعه عقله. لكن النقطة لم تختفِ. كبرت. كبرت ببطء، ثم بسرعة، ثم بسرعة أكبر.

صارت بحجم قبضة اليد. ثم بحجم رأس. ثم بحجم جذع شجرة. ثم صارت كجرح في بطن الليل، فجوة يندفع منها الضوء كأنه دم جديد، كأن الظلام ينزف نورًا.

الضوء شق العتمة. لم يدخلها بلطف، بل شقها كسيف يقطع جسدًا. انفلق الظلام نصفين، وتدفق النور من بينهما كموجة بيضاء عمياء، غمرت المكان، غمرت يوسف، غمرت كل شيء.

أغمض عينيه. كان الضوء شديدًا، يؤلم، يحرق. شعر به على وجهه كحرارة شمس لا تطاق، كأنه يقف أمام فرن مفتوح. لكنه لم يستطع أن يبتعد. كان جسده مثبتًا في مكانه، والضوء يغسله من رأسه إلى أخمص قدميه، يدخل تحت جفنيه المغمضين، يخترق جلده، يصل إلى عظامه.

ثم سمع الصراخ.

لكنه هذه المرة لم يكن صراخه. لم يكن صراخ المرأة ولا الصبي ولا الرجل المجنون. كان صراخ المخلوق. ذاك الذي ابتلع الأرض، الذي جلس على العرش، الذي حكم عليه بهذا الجحيم. كان يصرخ. لم تكن صرخة غضب ولا تهديد. كانت صرخة ألم. أنين مكسور، ممزق، كأن الضوء يحرقه من الداخل. كأن كل خلية في جسده تذوب وتصرخ معًا.

فتح يوسف عينيه بصعوبة. كان الجفنان ثقيلين، والنور لا يزال يلسعهما. لكنه فتحهما.

ورأى.

في وسط الضباب المتصاعد من الأرض، كان هناك شكل. ليس المخلوق الأسود ذا القرون. شيء آخر. مخلوقًا أبيض مشعًا، يتحرك على أربعة أرجل. جسده كان ضبابيًا، شفافًا، كأنه صورة لم تكتمل بعد، كأنه مصنوع من نور غير مستقر. لكنه كان هناك. كان يتحرك ببطء، كل خطوة يخطوها تترك أثرًا على الأرض.

من تحت قدميه — أو ما يشبه القدمين — كانت تنبت زهور. صغيرة، ملونة، لا تشبه أي زهرة رآها يوسف من قبل. كانت تتفتح في لحظة، تزهر بكل ألوانها: أحمر كالدم، أصفر كالشمس، أبيض كالثلج. ثم تذبل وتموت في اللحظة التالية. تذبل بتلاتها، تنكمش على نفسها، تتحول إلى رماد يختفي في الهواء. تاركة أثرًا من جمال قصير لا يدوم، كأنها تقول: كنت هنا، لكنني رحلت.

حاول يوسف أن يرى وجهه. مد بصره بكل ما تبقى له من قوة. لكن الملامح كانت ضبابية، غير واضحة، كأنها ترتعش تحت الضوء. لم يستطع أن يعرف إن كان إنسانًا أم حيوانًا أم شيئًا آخر. لم يستطع أن يعرف إن كان منقذًا أم مجرد ظل آخر في هذا العالم. كان فقط هناك. يتحرك. يترك الزهور خلفه. ويختفي في الضوء.

فتح فمه ليتكلم. أراد أن يسأل: من أنت؟ لماذا جئت؟ هل أتيت لتنقذني؟ هل هناك أمل؟

لكن لسانه لم يتحرك. صوته لم يخرج. كان جسده منهكًا لدرجة أنه لم يعد يقوى على الكلام. كان كل ما تبقى له من قوة قد استنفد في مجرد البقاء واعيًا.

كل ما استطاع فعله هو أن يستسلم.

اجتاحته الغيبوبة كموجة باردة بعد لهيب النور. شعر بأن جسده يغرق في سرير ناعم من لا شيء. بأن الظلام الذي كان يخنقه قبل قليل يتحول إلى سكون هادئ. بأن الصرخات تبتعد، تبتعد، حتى تصير همسًا بعيدًا، ثم لا شيء.

قبل أن يغيب تمامًا، سمع شيئًا آخر. لم يكن صوت ماء. لم يكن همهمة. كان صوتًا مختلفًا. كأن ختمًا يُغلق، كأن بابًا يُسدل، كأن صدعًا في جدار العالم قد أُغلق.

ثم لا شيء. فقط الظلام الهادئ. فقط الصمت الذي لم يعد يخنق. وشعر — في آخر لحظة قبل أن يغيب — بأن شيئًا قد انغلق خلفه، كأن بابًا ثقيلًا أُسدل في أعماق الأرض.

---

نهاية الفصل الحادي عشر

---

2026/03/28 · 1 مشاهدة · 3592 كلمة
نادي الروايات - 2026