الفصل الثاني عشر: آثار في الغابة
---
استيقظ يوسف على صوت الماء.
لم يكن استيقاظًا مفاجئًا، بل صحوًا بطيئًا، كمن يصعد من قاع بحر عميق إلى سطح لا يراه بعد. كان صوت النهر يتردد بين الأشجار الكثيفة، خريره المتواصل كأنه يوقظه عمدًا من سباته، أو كأنه كان هناك دائمًا ينتظر أن يعود إلى الوعي.
فتح عينيه ببطء.
أول ما شعر به كان الصداع. ليس صداعًا عاديًا، بل ثقلًا يضغط على رأسه من الداخل، كأن صخرة صغيرة ما زالت ترتطم بجمجمته من الداخل. مد يده إلى جبينه، فتحسس العرق البارد الممزوج بتراب رطب التصق بوجهه. كانت أصابعه باردة، ترتجف قليلًا، لكنها كانت تتحرك.
جلس متكئًا على مرفقه، يحاول ترتيب أنفاسه. كانت الأرض من تحته ناعمة موحلة، تنبعث منها رائحة الطين والطحالب ورائحة شيء آخر، شيء يشبه العفن القديم الممزوج برائحة الخشب المتفسخ.
مع كل حركة له، أحس بألم يسري في عضلاته، ألم خفيف لكنه منتشر، يذكره بمدى الإرهاق الذي نزل بجسده.
نظر إلى يديه. كانتا متسختين، الأظافر ممتلئة بالتراب، وبعض الخدوش الصغيرة لا يتذكر مصدرها. حرك أصابعه واحدة تلو الأخرى، يتأكد أنها تعمل. كانت تتحرك. كان حيًا.
جلس ساكنًا لحظة، ينظر إلى ما حوله دون أن يدير رأسه. كان في مكان لا يعرفه. أشجار كثيفة تحيط به من كل جانب، بعضها مائل، بعضها مغطى بطحلب رمادي يتدلى كستائر بالية.
الضوء كان خافتًا، يتسرب من بين الأغصان المتشابكة على شكل بقع صفراء باهتة على الأرض. لم يكن يعرف كم نام. لم يكن يعرف أين هو. لكنه كان حيًا.
حاول أن يسترجع ما جرى.
تدافعت الأحداث إلى ذهنه متشابكة، غير منتظمة، كخيوط حبل مقطوع لا يعرف كيف يلم شتاته. تذكر لحظة سقوطه من القارب الذي هاجر فيه.
تذكر الماء البارد يبتلعه، والظلام يلفه، ثم استيقاظه على ذلك الشاطئ الغريب حيث الأشجار لا تشبه أي أشجار عرفها. تذكر الغابة المظلمة، والمخلوق الذي واجهه، والجوع الذي هد جسده حتى صار الظل أصلب منه.
تذكر المخيم المهجور. الرجل المجنون. الغرباء الثلاثة حول النار. الجسد الممزق، الرأس على جذع الشجرة، العينان المنزوعتان. المطاردة.
كل هذا تذكره. كان حاضرًا في ذهنه كصور ملتقطة من مسافة بعيدة.
لكن حين حاول أن يستحضر ما بعد ذلك… صدمه الفراغ.
لا شيء. لا صورة، لا صوت، لا إحساس واضح. كأن تلك اللحظات محيت من داخله، كأنها لم تكن. كان يعرف أن شيئًا حدث. كان يعرف أنه واجه شيئًا كبيرًا، شيئًا مرعبًا.
لكنه لم يستطع أن يمسكه. كل ما تبقى كان إحساسًا غامضًا في صدره، ثقلًا لا يستطيع تسميته. لا يعرف إن كان خوفًا أم ألمًا أم شيئًا آخر. لا يعرف.
جلس هناك، يداه على ركبتيه، يتنفس ببطء. كان الصداع لا يزال هناك، لكنه بدأ يخف. كان الجسد يئن من الداخل، لكنه كان يتحمل.
رفع بصره إلى السماء المحجوبة بأغصان كثيفة. كانت بقع الضوء تتحرك ببطء مع ميل الشمس. لم يكن يعرف كم نام، لكنه عرف أنه نام طويلًا.
نهض.
كانت ركبتاه ترتجفان قليلًا، وساقاه تترنحان تحت ثقل جسده. تمسك بجذع شجرة قريب، شعر باللحاء الخشن تحت كفه، ورائحة الخشب الرطب تملأ أنفه. وقف هناك لحظة، يسمع دقات قلبه التي كانت تتباطأ تدريجيًا.
نظر حوله. كانت الغابة كما هي، كثيفة، مظلمة، صامتة. لكن شيئًا ما كان مختلفًا. لم يستطع أن يحدده. كان هناك هدوء في داخله لم يكن موجودًا من قبل. لم يكن هدوء اليأس، ولا هدوء الإرهاق. كان هدوءًا آخر، أعمق، كأن شيئًا في داخله قد استقر بعد عاصفة طويلة.
لم يفكر في الأمر كثيرًا. لم يكن لديه وقت للتفكير.
---
صوت النهر لا يزال ينساب في الأجواء، خافتًا لكنه واضح. اتجه نحوه. كانت خطواته بطيئة، لكنها ثابتة. كان يضع قدميه بحذر، يتجنب الجذور البارزة والأغصان اليابسة التي قد تنكسر تحت قدميه. كانت عيناه تتحركان ببطء، تراقبان الأرض أمامه، تراقبان الظلال بين الأشجار، تراقبان كل شيء دون أن تركز على شيء واحد.
وصل إلى الضفة.
كان النهر أوسع مما تذكر. الماء يتدفق بسرعة، يضرب الصخور الكبيرة في وسطه فيتصاعد رذاذ خفيف يلمع في الضوء الخافت. كان التيار قويًا، يحمل معه أوراقًا يابسة وأغصانًا صغيرة، يدفعها إلى الأسفل بلا توقف.
رفع بصره إلى الجهة الأخرى. على الضفة المقابلة، كانت هناك شجرة منخفضة متدلية أغصانها فوق الماء. كانت تحمل ثمارًا صغيرة حمراء اللون، تتأرجح مع الريح الخفيفة كأجراس صامتة.
شعر بمعدته تنقبض. كان الجوع هناك دائمًا، ينتظر في الخلف، لكنه الآن أصبح فجأة حاضرًا، قويًا، يقرص معدته من الداخل. أدار عينيه عن الثمار للحظة، وحاول أن يفكر.
الماء كان سريعًا، والصخور تحت السطح لا يراها. أي خطأ يعني السقوط في التيار، والذي قد يسحقه بين الصخور أو يجرفه بعيدًا. لم يكن هناك جسر. لم يكن هناك قارب. لم يكن هناك شيء.
جلس على حجر قريب، ونظر إلى الماء.
مرت دقائق. كان يراقب التيار، يراقب كيف يضرب الصخور، كيف ينحني حولها، كيف تتشكل الدوامات الصغيرة عند حوافها. كان يراقب دون أن يفكر كثيرًا. كان فقط ينظر.
ثم بدأ يبحث حوله.
كانت هناك جذور طويلة ملتفة عند قاعدة شجرة ضخمة خلفه. بعضها كان جافًا، يابسًا، سهل الكسر. لكن بعضها كان لا يزال رطبًا، مرنًا. اختار بعض الجذور الرطبة، وجذبها بيديه. فصلها بجهد، حتى كون منها حبلًا متينًا. جرّبه، شده بكلتا يديه. كان قويًا بما يكفي.
التقط حجرًا بحجم كفه من بين الصخور. كان أملس، ثقيلًا. ربطه في طرف الحبل بعقدة شدها جيدًا. ثم لف الحبل عدة مرات في الهواء، يقدر المسافة، يقدر الوزن، يقدر الزاوية.
رماه.
ارتطم الحجر بالماء، وسقط في التيار قبل أن يصل إلى الضفة الأخرى. كان بعيدًا. زم شفتيه، وسحب الحبل ببطء. أعاد لفه. جرب مجددًا.
هذه المرة، صعد الحجر في الهواء أعلى، قطع مسافة أبعد، ثم التف حول فرع منخفض على الضفة الأخرى. سمع صوت الحجر وهو يرتطم بالفرع، ثم سمع الحبل وهو يشد.
انتظر. نظر إلى الفرع. كان سميكًا، يبدو ثابتًا. شد الحبل من طرفه برفق، جرب صلابته. كان الفرع يتحرك قليلًا، لكنه لم ينكسر. شد بقوة أكبر. كان ثابتًا.
أخذ نفسًا عميقًا.
أمسك طرف الحبل جيدًا بكلتا يديه. غطس في الماء.
البرد كان صادمًا. شعر به في قدميه أولًا، ثم في ساقيه، ثم في صدره. كان الماء يضرب جسده بقوة، يحاول أن يقتلعه من مكانه. شد على الحبل بكل ما أوتي من قوة، وجر نفسه قدمًا قدمًا.
صفعه الماء على وجهه، دخل في فمه، في أنفه. كاد يختنق، فرفع رأسه أعلى، وتنفس بسرعة قبل أن تعود موجة جديدة. كانت عضلات ذراعيه تحترق، ويداه تزلقتان على الحبل المبلل. لكنه واصل. زحف عبر الماء، يجر نفسه بصعوبة، قدمه تبحث عن موطئ بين الصخور الملساء.
كان التيار يحاول أن يقتلعه في كل خطوة. كان يحس بأن قدمه اليسرى تزلقت، فشد على الحبل بقوة أكبر، وأرجح جسده نحو الأمام. واصل.
حتى وصل.
سقط على الضفة الأخرى منهكًا، وجهه في التراب، صدره يعلو ويهبط بعنف. كانت ذراعاه ترتجفان، ويداه لا تزالان مقبوضتين على الحبل كأنهما لا تستطيعان أن تفتحا. بقي هناك دقائق، يستمع إلى صوت الماء الذي كاد يقتله قبل لحظات، يشعر بالأرض الصلبة تحت جسده، يشعر بأنه حي.
ثم نهض ببطء.
اقترب من الشجرة. كانت الثمار الحمراء تتدلى أمام عينيه، قريبة، يمكنه لمسها. مد يده، قطف واحدة. كانت دافئة من الشمس، ناعمة الملمس، عليها غبار خفيف. وضعها في فمه دون تفكير.
كان الطعم غريبًا. حلاوة خفيفة في البداية، ثم مرارة تظهر بعدها، تبقى على اللسان لحظات ثم تختفي. لم يهتم. قطف أخرى، ثم أخرى. أكل ببطء، مضغ جيدًا، شعر بالطعام يمر في حلقه ويسقط في معدته الخاوية. لم تكن وجبة، لكنها كانت كافية لتمنحه شيئًا من القوة.
جلس مستندًا إلى جذع الشجرة، ينظر إلى النهر الذي عبره. كان التيار لا يزال يجري بقوة، والصخور لا تزال مغمورة تحت الماء. نظر إلى يديه: كانتا حمراوين من البرد، والخدوش الصغيرة تظهر على الأصابع. نظر إلى الحبل الذي صنعه: كان لا يزال مربوطًا بالفرع، يتأرجح مع الريح.
"لو أنني تسرعت أكثر…" فكر. لكنه لم يكمل الجملة.
كان يعرف أنه لو فكر كثيرًا، لو تردد، لما كان ليعبر أبدًا. كان يعرف أن الجوع يجعله أسرع، لكنه أيضًا يجعله أكثر خطأ. كان يعرف أن ما فعله لم يكن شجاعة، بل كان ضرورة.
نهض. كانت ساقاه لا تزالان ترتجفان قليلًا، لكنه وقف. نظر إلى الغابة أمامه. كانت مشابهة للتي خلف النهر، لكنها كانت أكثر كثافة، والأشجار فيها أطول، والظلال أعمق. لم يكن يعرف إلى أين يتجه. لم يكن يعرف إن كان يتقدم أم يدور في حلقة. لكنه كان يعرف أنه لا يستطيع البقاء هنا.
بدأ يسير بمحاذاة النهر، تاركًا إياه عن يمينه. كان الماء دليله الوحيد. كان يمشي ببطء، لكنه لم يتوقف. كان يضع قدميه بحذر، يتجنب الجذور والصخور، لكنه لم يعد يتعثر كما كان يفعل في الأيام الماضية. كانت خطواته أكثر ثباتًا، وعيناه تتحركان بهدوء بين الأرض والأشجار والسماء المحجوبة.
مرت ساعات. الضوء بدأ يتغير مع ميل الشمس، يصبح أكثر اصفرارًا، ثم برتقاليًا، ثم أحمر خافتًا يتسلل من بين الأغصان كأنه يحترق ببطء.
ثم توقف.
---
كان هناك، على الطين الرطب قرب النهر، أثر.
جثا على ركبتيه ليراه عن قرب. كان أثر قدم، واضحًا، لم يُمْحَ بعد. كانت الخطوط لا تزال حادة، والأرض حولها لم تجف تمامًا. نظر إلى الأرض حول الأثر، فرأى آخر. ثم آخر. كان هناك عدة آثار، بعضها غائر أكثر، وبعضها خفيف كأن صاحبه كان يركض أو يمشي بسرعة.
رفع بصره إلى الأمام. كان الأثر يتجه نحو الغابة، يختفي بين الجذوع.
جلس هناك للحظة، عيناه لا تفارقان الأثر. كان يعرف أن هناك آخرين غيره في هذه الغابة. كان قد صادف بعضهم. لكن رؤية هذا الأثر هنا، قريبًا جدًا، كان مختلفًا. كان شخصًا حقيقيًا مر من هنا، منذ وقت قصير. كان يمكن أن يكون لا يزال قريبًا.
لم يكن يعرف إن كان هذا جيدًا أم سيئًا. كان يعرف أن بعض من قابلهم كانوا خطرًا. وكان يعرف أن بعضهم قُتل قبل أن يلتقيهم. كان يعرف أن الوحدة خطيرة، لكن الصحبة قد تكون أكثر خطرًا.
نهض. نظر إلى الأثر مرة أخيرة، ثم رفع عينيه إلى الغابة. لم يقرر بعد إن كان سيتبعه أم لا. لكنه أراد أن يعرف.
بدأ يمشي ببطء على خطى الأثر، تاركًا النهر خلفه. كان الأثر واضحًا في البداية، ثم بدأ يخف، يختفي أحيانًا بين الحجارة، ثم يظهر مجددًا على التراب الرطب. كان صاحبه يمشي بثبات، ليس في عجلة، لكنه لم يتوقف كثيرًا.
مشى هكذا دقائق، وكانت الغابة من حوله تزداد كثافة، والأشجار تتقارب، والظلال تتداخل. ثم توقف فجأة.
كان هناك شيء في الهواء. لم يكن صوتًا، ولا رائحة. كان شيئًا آخر. شعورًا. شعورًا بأن شيئًا ما يتغير. بأن الغابة من حوله لم تعد صامتة كما كانت. كان هناك صمت، لكنه صمت مختلف. صمت من يترقب.
وقف مكانه، لا يتحرك. كان يتنفس ببطء، وعيناه تتفحصان ما حوله دون أن تدور. كان يسمع قلبه، لكن قلبه كان هادئًا. كان يسمع الريح في الأغصان، لكن الريح كانت خفيفة. كان يسمع…
خطوات.
بعيدة أولًا، ثم أقرب. لم تكن خطوات إنسان فقط. كان هناك صوت آخر معها. صوت حوافر. ثقيل، منتظم، يضرب الأرض بقوة.
تصلب جسده. كانت أنفاسه تتوقف في صدره. كان كل شيء في الغابة يصمت فجأة، كأن الأشجار نفسها تحبس أنفاسها. لم يعد هناك صوت الريح. لم يعد هناك صوت الأغصان. فقط الخطوات. والحوافر. تقترب.
وقف هناك، لا يتحرك. كان يعرف أنه يجب أن يختبئ. كان يعرف أن عليه أن يقرر بسرعة. لكنه لم يشعر بالذعر. كان هناك هدوء في داخله، غريب، عميق، كأنه يعرف أن الوقت لم يضيع بعد.
نظر حوله. كانت هناك شجيرة كثيفة على بعد خطوات. كان يمكنه أن ينحني خلفها. كان يمكنه أن ينتظر حتى تمر الخطوات. كان يمكنه أن يقرر بعد ذلك إن كان سيتبعها أم لا.
تحرك بهدوء. لم يركض. لم يتعجل. مشى خطوات بطيئة نحو الشجيرة، جثى خلفها، وجعل جسده منكمشًا في ظلها. كان يسمع الخطوات تقترب. كانت قريبة جدًا الآن.
كان قلبه يدق، لكنه كان هادئًا. كانت عيناه تنظران من بين الأغصان، تراقبان المكان الذي ستظهر منه الخطوات.
وكانت الغابة من حوله ، تنتظر.
في صمت.
---
نهاية الفصل الثاني عشر
---