الفصل الثالث عشر: جدار الظلال

---

تقدم يوسف بخطوات لا تكاد تسمع، جسده منحني قليلًا إلى الأمام، كمن يحاول أن يشغل حيزًا أصغر في الفضاء.

كانت قدماه تلامس الأرض برفق، تبحث عن مواضع لا صرير فيها، لا حصى تتحرك، لا أغصان يابسة تنكسر. كان يستعين بظلال الأشجار الكثيفة، ينتقل من ظل إلى ظل، كأنه جزء من الليل نفسه.

كان الهواء رطبًا، ثقيلًا، يحمل رائحة التراب الممزوج بالرطوبة والطحالب المتعفنة ورائحة شيء آخر، شيء يشبه الحديد البارد.

كل نفس يلتقطه يبدو أثقل من سابقه، كما لو أن الغابة نفسها كانت تختبر عزمه، تريد أن ترى إن كان سيستمر أم سينهار.

الأشجار من حوله تتكاثف كلما تقدم. جذوعها سميكة، متقاربة، كأنها تحاول أن تمنع المزيد من الدخول. كانت أغصانها متشابكة فوق رأسه كسقف من ظلال كثيفة، والضوء كان بالكاد يصل إلى الأرض. كان يمشي في شبه ظلام دامس، يعتمد على عينيه اللتين بدأتا تألفان الغياب التام للضوء.

ثم سمعها.

كانت أصواتًا لم يسمع مثلها من قبل في هذه الغابة. ليست أصوات حيوانات، ولا حفيف أوراق، ولا خرير ماء. كانت أصواتًا بشرية، لكنها لم تكن تشبه الأصوات التي سمعها في المخيم المهجور. كانت مختلفة.أكبر. كانت أكثر تنظيمًا. وأكثر قسوة.

صليل السلاسل. حوافر الخيول تضرب الأرض الرطبة بثقل. خشخشة معدنية منتظمة، كأنها إيقاع لا يتوقف. وصرخات. صرخات رجال تبدو منهكة، متقطعة، مختلطة بخوف وحزن وربما يأس.

توقف يوسف فجأة. جثى خلف جذع شجرة ضخم، جعل ظهره ملتصقًا باللحاء الخشن، وأدار أذنه نحو الأصوات. كان قلبه يدق بسرعة، لكنه كان هادئًا. كان هناك هدوء غريب في داخله، هدوء لم يكن يعرفه من قبل، يسمح له بالتركيز، بالاستماع، بتحليل ما يسمعه دون أن يختنق بالخوف.

اقتربت الأصوات. صارت أوضح. صار يمكنه تمييز الكلمات.

قال سجين — من صوته كان يتعب، يلهث، كأنه على وشك السقوط — بصوت متقطع بالكاد يخرج من حلقه:

— "أرجوكم… قليل من الماء… قطرة… فقط قطرة…"

أجاب جندي غليظ — كان صوته مرتفعًا، فيه سخرية باردة، كمن يضحك على شيء لا يراه غيره:

— "الماء؟ ستشرب عندما نصل. إن وصلنا أصلًا."

ضحك جندي آخر، ضحكة قصيرة جافة، كأنها ليست ضحكة حقًا بل إشارة لشيء لا يفهمه إلا من كان معهم.

قال سجين آخر — كان مختلفًا، كان فيه غضب أكثر من اليأس، فيه تمرد لا يريد أن يموت — بنبرة يائسة لكنها حادة:

— "نحن لسنا مجرمين… أقسم أننا أُخذنا ظلمًا! لم نفعل شيئًا! أقسم بكل ما هو مقدس!"

رد جندي ثالث بصوت بارد:

— "كل من يأتي إلى هنا يقول ذلك."

تسمر يوسف مكانه. كان جسده كله متصلبًا، لا يتحرك، لا يتنفس تقريبًا. كانت عيناه مثبتتين على الفسحة الصغيرة بين الأشجار حيث كانت الأصوات تأتي. كانت يداه مقبوضتين على اللحاء خلفه، والأظافر تغرز في الخشب الرطب.

ثم رآهم.

كانوا يخرجون من بين الأشجار كطيف طويل لا ينتهي. المشاعل في أيديهم ترسم ظلالًا متحركة على الجذوع، تجعل كل شيء يبدو أكبر مما هو، وأكثر رعبًا.

الجنود كانوا ثمانية. ثمانية رجال على ظهور الخيل، بملابس معدنية تلمع تحت وهج المشاعل. لم تكن دروعًا كاملة، لكنها كانت كافية لتجعلهم يبدون أكبر من أي إنسان رآه يوسف من قبل.

كانت خوذاتهم تغطي رؤوسهم، تاركة فتحات ضيقة للعيون، تجعل وجوههم تبدو كأقنعة جامدة لا تعبير فيها. كانت سيوفهم تتأرجح عند خصورهم، تصدر صوتًا معدنيًا خفيفًا كلما تحرك الحصان.

خلفهم، كان السجناء يمشون. ثمانية رجال أيضًا، لكنهم لم يكونوا على ظهور الخيل. كانوا يمشون على الأرض، أيديهم مربوطة بسلسلة طويلة تربط الواحد بالآخر، وكأنهم حلقة واحدة لا تنفصل.

أكياس جلدية سوداء تغطي وجوههم، لا يرى منها شيء. كانت خطواتهم متثاقلة، ثقيلة، كأن كل جر للسلاسل يسحب الحياة منهم قليلًا قليلًا. بعضهم يعرج، و بعض الاخر يكاد يسقط في كل خطوة.

تقدمت القافلة ببطء. كانت المشاعل ترفرف، تنير وجوه الجنود من الأسفل فتجعل ملامحهم شيطانية. أصوات الحوافر تضرب الأرض الرطبة فترتفع بقع من الطين. والسلاسل كانت تصدر صريرًا معدنيًا متواصلًا، كأنها تغني أغنية حزينة لا تتوقف.

رفع أحد السجناء رأسه بصعوبة. كانت حركته بطيئة، كأن رقبته لا تطيع. قال بصوت متقطع، بالكاد مسموع:

— "ألم يكفِ ما فعلتم بنا؟… أسبوع كامل بلا نوم… بلا ماء… بلا طعام… ماذا تريدون منا بعد هذا؟"

ضحك أحد الجنود. كان ضحكه مرتفعًا، خشنًا، يملأ الفسحة الصغيرة. أجاب، وصوته كان كمن يشرح شيئًا بديهيًا لطفل غبي:

— "ستنالون راحة طويلة حين تصلون إلى الكهف. لا تقلقوا. لن يزعجكم أحد بعدها."

ساد صمت للحظة. صمتًا ثقيلًا، كأن الكلمات سقطت كالحجارة في ماء راكد. ثم همس أحد السجناء — كان صوته خافتًا، مرتجفًا، كأنه يتحدث إلى نفسه أكثر مما يتحدث إلى غيره:

— "الكهف…"

قال آخر من السجناء — كان في نهاية السلسلة، جسده أنحف من البقية، كأن المرض أكل منه — بصوت فيه رجاء مذبوح:

— "نحن لسنا مجرمين… أقسم أننا أُخذنا ظلمًا… أسماؤنا في السجلات… ابحثوا في السجلات…"

لم يجبه أحد. فقط صوت الحوافر والسلاسل.

ثم تمرد أحدهم. كان في منتصف السلسلة، جسده أقوى من البقية، صوته مشحون بالغضب الذي لا يطاق. صرخ فجأة، وصوته كان أعلى مما توقع:

— "بل نُعامل كالبهائم! نحن لسنا أقل شأنًا منكم! لنا حقوق! لنا كرامة!"

توقف القائد فجأة. كان في مقدمة القافلة، على حصان أسود ضخم، لجامه من حديد، وعباءته سوداء ترفرف مع الريح. لم يلتفت، لكنه رفع يده. توقف كل شيء.

توقف الجنود عن الحركة. توقفت الخيول عن السير. توقف السجناء عن المشي.

ساد صمت تام.

ثم تحرك جندي ضخم من مؤخرة القافلة. وجهه مغطى بندبة عريضة تمتد من جبهته إلى ذقنه، تشطر وجهه نصفين. لم يقل شيئًا. اقترب من السجين الذي تكلم، ودفعه بعقب رمحه.

كانت الضربة قوية، مركزة في صدره. سقط السجين على الأرض، والسلاسل جرت معه، فشد البقية وترنحوا.

قال الجندي بصوت بارد، كمن يشرح قاعدة لا تقبل الجدال:

— "اصمت أيها القذر. لو لم تكن القيود في معصميك لعلّمتك كيف يتكلم الرجال."

كان السجين على الأرض، يلهث، يحاول أن ينهض.

الدم يقطر من شفته الممزقة. لم يتكلم. لم يعد يتكلم.

عندها، شد القائد لجام حصانه الأسود. التفت للمرة الأولى. وجهه تحت الخوذة شبه مخفي، لكن عينيه كانتا تلمعان في ضوء المشاعل كالزجاج المكسور. قال بصوت اخترق الليل كالسيف، هادئًا لكنه قاطع:

— "كفى عبثًا. السير لن يتوقف. ضعافكم سيتساقطون وحدهم. لا نضيع وقتنا على من لا يستحق العبور."

أدار وجهه، وحرك حصانه. استأنفت القافلة السير.

---

ظل يوسف هناك، خلف الجذع، لا يتحرك. قلبه يدق، لكنه كان هادئًا. كانت عيناه تتابعان القافلة وهي تبتعد ببطء، المشاعل تصغر، الأصوات تخفت. كان يفكر.

كلمة "الكهف" التصقت في ذهنه كشوكة صغيرة لا تخرج. الكهف. ذكروها مرتين. قالوا إن السجناء سينالون راحة طويلة حين يصلون إلى الكهف. قالوا إن الضعفاء سيتساقطون وحدهم. ماذا يعني ذلك؟

أي كهف يقصدون؟ ولماذا يتحدثون عن السقوط والعبور كأنها أحكام نهائية لا رجعة فيها؟

نظر إلى السجناء للمرة الأخيرة قبل أن تبتلعهم الأشجار. كان أحدهم يمشي ورأسه منحني، و الاخر يجر قدميه، وبعضهم لا يزال يرفع رأسه عاليًا رغم الأكياس على وجوههم. لم يبدُ أنهم بريئون بالكامل. لكنهم لم يبدوا أيضًا كمجرمين خطرين. كانوا يبدون كبشر. خائفين و منهكين. يساقون إلى مكان لا يعرفونه.

أطلق زفرة طويلة بعد أن اختفت القافلة تمامًا. كان صدره يتحرر من ضغط لم يشعر به إلا بعد أن رحلوا. جلس على الأرض لحظة، ظهره مستندًا إلى الجذع، عيناه لا تزالان مثبتتين على المكان الذي اختفوا فيه.

"لو كنت قد ظهرت لهم…" فكر. لم يكمل الجملة. كان يعرف النهاية. لو ظهر، لكان الآن في تلك السلاسل. أو ميتًا في مكان ما بين الأشجار. لم يكن معه ما يثبت أنه ليس مثلهم. لم يكن معه شيء. فقط جسده المنهك، وعقله المتعب، وهذا الهدوء الغريب الذي وجده في داخله.

نهض. نظر إلى المسار الطيني الواضح الذي تركته القافلة خلفها. آثار الأقدام مختلطة بآثار الحوافر، وخطوط السلاسل محفورة في الأرض الرطبة كأنها ندوب. كانت القافلة ثقيلة، وتركت أثرًا لا يمحى بسرعة.

تردد. كان يعرف أن اتباعهم قد يكون خطيرًا. كان يعرف أنهم إن عثروا عليه، فلن تكون له حجة. لكنه كان يعرف أيضًا أن التيه في هذه الغابة وحده قد يكون أشد خطرًا. لم يعد لديه طعام. لم يعد لديه ماء. لم يعد لديه أي فكرة عن الاتجاه الصحيح.

وهؤلاء — مهما كانوا قساة — كانوا بشرًا. كانوا يعرفون أين يمشون. و يعرفون أين يذهبون. كانوا يعرفون أين يجدون الماء والطعام.

قرر أن يتبعهم. ليس عن قرب. ليس حيث يمكن لأحد أن يراه. لكن من بعيد. من خلف الظلال. حيث لا تصل المشاعل. حيث لا تسمع الخطوات.

---

سار في ظلام الليل الثقيل. كانت الأشجار من حوله تبدو أكبر في الظلام، كأنها تكبر كلما نظر إليها. أغصانها تتدلى كأذرع منهكة، والطحلب الرمادي يتدلى منها كستائر بالية. كل خطوة يخطوها تزيد من إحساسه بالرهبة، لكنه لم يتوقف.

الطين تحت قدميه لزجًا، يلتصق بحذائه، يزيد وزنه كل خطوة. الهواء باردًا، رطبًا، يدخل إلى رئتيه كسائل كثيف. كان يضع قدميه حيث وضعت القافلة قدميها، يتجنب الأغصان اليابسة، يتجنب الحجارة الملساء.

ضل يفكر وهو يمشي. عقله يعمل ببطء، لكنه كان يعمل. يحاول أن يفهم. الجنود. السجناء. السلاسل. الكهف. من هم هؤلاء؟ من أين جاءوا؟ وإلى أين هم ذاهبون؟

"هل سيأخذهم الكهف فعلًا؟" سأل نفسه. "ماذا لو لم يكونوا وحدهم؟ ماذا لو كان هناك آخرون؟ ماذا لو كان هناك مدينة؟ مجتمع؟"

الأفكار تتزاحم في رأسه. هو يعرف أنه لا يستطيع أن يثق بأي أحد. و يعرف أن أولئك الذين رآهم كانوا قساة. لكنه كان متأكدا أنه لا يستطيع أن يبقى وحده إلى الأبد.

"كيف سأعرف من يمكن الوثوق به؟"

لم يجرؤ على التفكير في الإجابة. هو يعرف أن الإجابة قد تكون مؤلمة. ركز على الحركة الصامتة. على التأكد من أن كل خطوة لا تفضحه. على الاستماع إلى كل صوت في الغابة، ليعرف إن كان هناك أحد غيره.

الهواء مشبعًا برائحة التراب المبتل وأوراق الأشجار المتحللة ورائحة شيء آخر، شيء يشبه الدخان البعيد. كانت رياح خفيفة تصفح الأغصان، تسبب حفيفًا متقطعًا يزيد من توتره، يجعل كل ظل يبدو كخطر يقترب.

سار هكذا ساعات. لا يعرف كم. كان الظلام يحيط به من كل جانب، والأشجار لا تتغير، والأرض لا تختلف. يمشي في حلقة مفرغة، أو هكذا شعر أحيانًا. لكنه يرى أثر القافلة أمامه، خطوط السلاسل على الأرض، وبقع الطين التي أثارتها الحوافر. هو يعرف أنه لا يزال على الطريق الصحيح.

---

ثم توقف.

هناك شيء أمامه. شيء مختلف. شيء لم يره من قبل في هذه الغابة.

رفع بصره ببطء، وعيناه تتسعان.

من بين الأشجار، هناك جدار. ليس جدارًا عاديًا. كان هائلًا. ضخمًا. يلامس السماء المظلمة تقريبًا. لم يكن يرى نهايته. يمتد يمينًا ويسارًا بلا نهاية مرئية، كأنه خط أقيم ليفصل عالمين.

تقدم خطوة. ثم أخرى. عنقه مرفوعًا، وعيناه لا تصدقان ما تراه.

الأشجار العملاقة التي طالما أدهشته صارت أقزامًا بجانبه. كانت جذوعها تلتصق بالجدار من الأسفل، كأنها تحاول أن تتسلقه لكنها لا تستطيع. الجدار أعلى منها بعشرات المرات. يبدو كأنه صنع للجبابرة، لا للبشر.

اقترب أكثر. قدماه تتحركان وحدها، كأنهما تريدان أن ترى عن قرب.

كان الجدار مصنوعًا من حجارة ضخمة، كل حجرة أكبر من إنسان، ملتصقة ببعضها بإحكام كأنها قطعة واحدة. لم يكن هناك فجوة، لا شق، لا ثغرة. كان الجدار كتلة واحدة متماسكة، كأن الأرض نفسها رفعت جدارًا لحماية ما وراءها.

لكن لم يكن الحجر وحده ما يمنع الدخول.

على طول الجدار، كانت هناك جذور ضخمة ملتفة كالأفاعي العملاقة. تخرج من الأرض، تتسلق الحجارة، تتشابك عند قاعدته كأنها تحضنه. الجذور سميكة، أقوى من أي جذر رآه يوسف من قبل، وكأنها نمت هنا لقرون.

وعلى تلك الجذور، هناك أشواك. لم تكن أشواكًا عادية. بل طويلة، حادة، تلمع تحت ضوء القمر الخافت كأنها مصنوعة من الزجاج الأسود. تنمو من الجذور في كل اتجاه، تشكل حاجزًا لا يمكن اختراقه. بعضها كان بطول ذراع، وبعضها أطول. كانت تتجه نحو الخارج، نحو الغابة، كأنها تقول: لا تقترب.

وقف يوسف هناك، لا يتحرك. كان فمه مفتوحًا قليلًا، وعيناه لا تزالان مثبتتين على الجدار. كان يحاول أن يفهم. من يبني شيئًا كهذا؟ لماذا؟ ماذا يخفي وراءه؟

همس بصوت لا يكاد يسمعه أحد:

— "من قد يبني شيئًا كهذا…؟"

لم يجب أحد. كان الجدار صامتًا. الجذور صامتة. و الأشواك تلمع في الظلام كعيون لا تنام.

تقدم خطوة أخرى. الجدار الآن أمامه مباشرة. كان يمكنه أن يلمسه لو مد يده. لكنه لم يفعل. هناك شيء في الهواء، شيء يجعله لا يريد أن يقترب أكثر. كان الهواء أثقل هنا. يضغط على صدره. كل نفس أصعب من الذي قبله.

الجدار ليس مجرد حجر. كان حصنًا. كان حصنًا حيًا، يتنفس، يراقب، يمنع.

نظر إلى الأعلى مرة أخرى. كان الجدار يختفي في الظلام. لم يكن يرى نهايته. يبدو كأنه يستمر إلى الأبد.

ثم رأى البوابة.

على بعد خطوات منه، قائمة كفم حجري يبتلع كل من يقترب. لم تكن بوابة عادية. كانت ضخمة، مصنوعة من خشب أسود سميك، مثبتة بمسامير حديدية كبيرة. كان الخشب قديمًا، متآكلًا، كأنه شهد أزمنة لا تعد. لكنه ما زال صامدًا.

على جانبي البوابة، هناك تمثالان.

لم يكن يعرف إن كانا من خشب أم من حجر. كانا طويلين، أطول من أي إنسان. منحوتان على هيئة بشر، لكن ملامحهما لم تكن بشرية. بدت مشوهة، مبالغ فيها. الوجوه كانت طويلة، والعيون واسعة وفارغة، تحدق في الفراغ كمن يرى ما لا يراه غيره. الأفواه كانت مغلقة بإحكام، كأنها تمنع أي شيء من الخروج أو الدخول.

وقف يوسف بعيدًا، ينظر إلى التمثالين. ضل يحس بأنهما ينظران إليه. لم تتحرك عيونهما الفارغة، لكنه يحس بأنهما تنظران إليه. كأنهما يعرفان أنه هناك. كأنهما ينتظران أن يفعل شيئًا.

نظر إلى البوابة مرة أخرى. كانت مغلقة. لا يرى ما وراءها. لكنه كان يعرف أن خلفها شيء آخر. مدينة؟ قرية؟ معسكر؟ أي شيء غير هذه الغابة. أي شيء.

وقف هناك لحظات طويلة. الهواء باردًا، والجدار صامتًا، والتمثالان ينظران بعيونهما الفارغة. كان يعرف أن التسرع سيكون حماقة. لم يكن معه هوية. و لا دليل. لم يكن معه شيء يثبت أنه ليس مثل أولئك السجناء. كل ما يملكه هو هذا الجسد المنهك، وهذا العقل المتعب، وهذا الهدوء الغريب الذي وجده في داخله.

ظل واقفًا هناك، بين رغبة في التقدم وخوف من أن يكون هذا القرار آخر ما يتخذه في حياته. رائحة التراب، برودة الهواء، وصوت الأشجار المحيطة — كلها جعلته يشعر بأن المكان حي. يتنفس. يراقب. ينتظر.

يراقب تحركاته، تمامًا كما رصد هو القافلة قبل لحظات. كان يقيسه، يوزنه، يقرر إن كان يستحق الدخول أم لا.

لكن البوابة لم تفتح. والتمثالان لم يتحركا. والجدار ظل صامدًا.

بقي يوسف هناك، في الظل، ينتظر. لا يعرف إن كان سيقرر التقدم أم التراجع. لا يعرف إن كان هذا هو المدخل الذي يبحث عنه أم فخ لا عودة منه.

و هو الان يعرف شيئًا واحدًا فقط: أنه لا يستطيع البقاء هنا إلى الأبد.

---

نهاية الفصل الثالث عشر

---

2026/03/28 · 1 مشاهدة · 2270 كلمة
نادي الروايات - 2026