الفصل الرابع عشر: بين أنياب الذئاب

---

وقف يوسف مدهوشًا أمام الجدار العملاق.

كان رأسه مرفوعًا إلى الأعلى، وعنقه مشدودة، وعيناه تتسعان كلما حاولت أن تدرك حجم ما تراه. بدا له أن الجدار لا نهاية له، لا في اليمين ولا في اليسار ولا في الأعلى، كأنه سور صنع ليخفي خلفه سماءً أخرى، أو كأنه خط فاصل بين عالمين لا يلتقيان.

ضل يتأمل في صمته. عيناه تتنقلان ببطء من الجذور المتشابكة التي تحتضن قاعدة الجدار كأذرع عملاقة، إلى الأبراج الخشبية الصامتة التي تعلوه كحراس لا ينامون، إلى الأشواك الطويلة التي تلمع تحت ضوء الشمس كأنها مصنوعة من زجاج أسود.

كل شيء في هذا المكان مصممًا ليبعد، ليمنع، ليقول لمن يقترب: لا مزيد من التقدم.

شعر فجأة بأن مجرد التفكير في تسلق هذا الجدار هو جنون. لم يكن هناك أي ثغرة، أي ضعف، أي نقطة يمكن أن تكون مدخلًا لمن لا يريدون الدخول. هذا الجدار لم يُبنَ ليُقتحم. بُني ليبقى.

جلس على صخرة قريبة، متعبًا من جهد الطريق ومن ثقل الأسئلة التي لم يجد لها جوابًا.

أغمض عينيه للحظة. حاول أن يخطط، أن يجد منفذًا، أن يفكر في حل. لكن كل فكرة كانت تتحطم في ذهنه كما تتحطم الأمواج على الصخور. لم يكن هناك طريق إلى الأمام. لم يكن هناك طريق إلى الخلف. كان عالقًا بين غابة لا تنتهي وجدار لا يُقتحم.

رفع بصره إلى السماء. كانت الشمس قد بدأت تنزلق ببطء نحو الغروب، والسماء كانت تميل إلى الحمرة. كان اللون البرتقالي يغلف الغابة كستار من نار خامدة، يزيد من رهبة المشهد. بدأت الظلال تتمدد، والأشجار صارت أطول، والجدار صار أشد سوادًا. كان يعرف أن الليل قادم. و الليل في هذه الغابة لا يأتي بالراحة.

---

لم تمض دقائق قليلة على جلوسه هناك عندما اخترق السكون صوت غريب.

صهيل خافت في البداية، بعيدًا، يأتي من عمق الغابة التي خلفه. ظن أنه وهم، أن أذنيه تلعبان به بعد كل ما مر به. لكن الصوت تكرر. كان أوضح هذه المرة، وأقرب. ثم جاء صوت آخر: وقع حوافر مسرعة على الأرض الرطبة، يتردد بين الأشجار كطبول حرب تقترب.

انتفض جسده. حبس أنفاسه. بدأ قلبه يدق فجأة بقوة، كأنه يوقظه من غفوة لم يشعر بها. وقف بسرعة، وتوارى خلف الجذع الضخم الذي اختبأ خلفه سابقًا. كانت يداه مقبوضتين، وعيناه مثبتتان على الفجوة بين الأشجار حيث كانت الأصوات تأتي.

ثم رآهم.

خرجوا من بين الأغصان الكثيفة كأنهم طردوا منها. ثلاثة خيول مسرعة، الغبار يتطاير خلفها، وأعناقها ممدودة، وعيونها مذعورة. كانت تلهث، وعرقها يختلط بالغبار فيصبغها بلون رمادي موحش. على ظهورها، هناك جنود. نفس الجنود الذين رأى قبل ساعات يقودون القافلة.

لكن ملامحهم تغيرت.

لم تعد الصرامة تملأ وجوههم كما رآهم أول مرة. لم يعد هناك ذلك الغرور، تلك القسوة الباردة. كان الذعر قد اجتاح وجوههم، ووحشة غريبة تملأ أعينهم. كانوا يلهثون كخيولهم، يلتفتون إلى الخلف كل لحظة، كأنهم يهربون من شيء لا يريدون أن يراه.

وراءهم، ظهر الكابوس.

أربعة ذئاب. لكنها لم تكن كأي ذئاب رآها يوسف في حياته. كانت ضخمة، أكبر من أي ذئب سمع عنه. أجسادها ممتلئة بالعضلات، تتحرك تحت الفراء الرمادي كأنها ثعابين تسبح في الماء. كانت عيونها صفراء متوهجة، كجمر مشتعل لا يطفأ، تنظر إلى الأمام بتركيز مخيف كأنها لا ترى سوى فريستها.

كانت أفواهها مفتوحة، واللعاب يتساقط بخيوط لزجة طويلة تتدلى من أنيابها الطويلة. تلك الأنياب كانت تتلألأ تحت آخر ضوء للشمس، بيضاء كالعظام، حادة كالسكاكين. كانت تركض بخفة مميتة، كأن الأرض تفرش نفسها لها، كأن كل خطوة تخطوها هي في مكانها الطبيعي.

ارتجف يوسف وهو يراقب. جسده صار متصلبًا، وعيناه لا تستطيعان أن تبتعدا عن تلك العيون الصفراء.

---

الجندي الأول في المقدمة يصرخ، صوته مبحوحًا من التعب والهواء الذي يدخل في حلقه:

— "أسرعوا! إنهم يقتربون أكثر! لا تتوقفوا!"

كان حصانه يتقدم على البقية بخطوة، لكن الفرق كان يضيق. و الذئاب خلفهم مباشرة تقريبًا.

رد الثاني، وهو يلتفت إلى الخلف بعينين متسعتين من الرعب، وصوته مرتفع متشقق:

— "اللعنة! هذه ليست مطاردة عشوائية!

لا يمكن أن تطاردنا كل هذه المسافة لمجرد الجوع!

أحدهم أطلقهم علينا! أحدهم يعرف طريقنا!"

كان حصانه يتعثر بين الحين والآخر، وكأنه على وشك السقوط. كان الجندي يضرب عنقه بعنف، يحاول أن يدفعه إلى الأمام.

أما الثالث، الذي في المؤخرة، فكان حصانه قد بدأ يتباطأ بشكل واضح. ضل الحيوان يلهث بصوت مرتفع، وعرقه يتدفق على جسده كأنه يذوب. كان الجندي يزمجر وهو يقاوم، يضرب الحصان بساقيه، يشد اللجام بعنف:

— "إنها مكيدة! تلك العصابة من أرض السفلاء! لا يريدوننا أن نصل بالسجناء إلى كهف الإعدام!

يريدون أن نتركهم هنا!"

صرخ الأول من الأمام، صوته كان أعلى من أي صوت آخر:

— "كفوا عن الكلام! البوابة أمامنا!

ركزوا على النجاة! لا تلتفتوا!"

البوابة قريبة. كان يوسف يراها من مكانه، وعلى جانبيها التمثالان الخشبيان العملاقان لا يتحركان. لكن المسافة بين الجنود والبوابة لا تزال بعيدة. والذئاب تقترب أكثر.

---

ارتجت الغابة تحت وقع الأقدام. صوت الحوافر مختلطًا بصوت المخالب، وصهيل الخيول مختلطًا بزئير الذئاب الخافت. الأشجار تتمايل كأنها تخاف، والأوراق تتساقط من فوق كأنها تحاول أن تبتعد عن المشهد.

توزعت الذئاب الأربعة كأنها تتبع خطة مرسومة بدقة. اثنان كانا يطاردان من الأمام، يضغطان على الجنود من الجانبين، يدفعونهما نحو مسار معين. واثنان كانا يضغطان من الخلف، يقطعان أي محاولة للتراجع أو التوقف.

كان الجندي الثالث في المؤخرة. حصانه قد بلغ أقصى طاقته. كان الحيوان يتنفس بصوت عالٍ متقطع، ورأسه منحني إلى الأسفل، وعيناه مذعورتان. كل خطوة كانت تبدو أصعب من التي قبلها.

جذب الجندي اللجام بعنف، وحاول أن يدفع الحصان إلى الأمام بقدميه. صرخ بصوت مرتفع:

— "تحرك! هيا أيها اللعين، لا تتوقف! إن أمسكوك بنا، نموت جميعًا!"

لكن الحصان لم يعد قادرًا. فجأة انكمشت قدماه الأماميتان، وبدأ يتباطأ أكثر، ثم توقف تمامًا. كان يقف هناك يرتجف، لا يستطيع أن يتحرك خطوة أخرى.

صرخ الأول من الأمام، صوته كان بعيدًا لكنه كان واضحًا:

— "اتركه! لا نستطيع إنقاذه! اركب معنا! ارمِ الحصان!"

لكن الحصانين الآخرين كانا أيضًا على وشك الانهيار. لم يكن هناك مكان لراكب ثالث.

ابتلع الثاني ريقه وهو ينظر إلى الخلف. وجهه صار شاحبًا، وعيناه تدمعان من الريح أو من الخوف. همس بصوت لم يسمعه إلا هو:

— "سامحنا…"

ثم أدار وجهه وواصل الركض.

توقف الجندي الثالث عن الصراخ. نظر إلى زميليه وهما يبتعدان، ثم نظر إلى الذئاب التي كانت تقترب بسرعة. كان يعرف أنه انتهى.

قفز من على ظهر حصانه وسقط على الأرض، يده تبحث عن سيفه.

وقف هناك، سيفه في يده يرتجف. وجهه مغطى بالعرق والغبار، وعيناه واسعتان من الرعب.

لكنه رفع سيفه بكل ما يملك من شجاعة يائسة. صرخ، وصوته كان مبحوحًا، متشققًا، كأنه يصرخ في وجه الموت نفسه:

— "تعالوا إذن! لن تأخذوني راكعًا!

تعالوا! أريكم كيف يموت رجال مملكة لاينهارت!"

هجم أول ذئب. كان سريعًا جدًا، أسرع مما توقعه الجندي. تفاداه الجندي بجسده، لكن مخالب الذئب شقت وجهه من الجبهة إلى الذقن. سال الدم غزيرًا، غطى عينه، ملأ فمه. لكنه لم يسقط. دفع سيفه بعشوائية أمامه، وهو يصرخ، يصرخ بلا توقف، كأن صراخه هو سلاحه الأخير.

لكن الذئب الثاني كان أسرع.

انقض على الحصان المرهق الذي لا يزال واقفًا هناك، يرتجف، لا يستطيع الهرب. غرز أنيابه في عنق الحصان، فصدر صهيل مروع ملأ الغابة. كان الصهيل طويلًا، حادًا، مختلطًا بوقع المخالب على الجلد، وصوت العض على العظم. ثم توقف فجأة. وسقط الحصان على الأرض، والدم يتدفق من عنقه.

من مكانه عند الجدار، لم يستطع يوسف أن يحرك ساكنًا.

جسده كله متصلبًا، ويداه مقبوضتان على الجذع الذي يختبئ خلفه، وأظافره تغرز في اللحاء. كان قلبه يدق بعنف، لكنه لم يستطع أن يتحرك. يشاهد. كان فقط متفرجا.

يرى الجندي وهو يقاتل وحده، الدم يغطي وجهه، وسيفه يتحرك في الهواء كأنه لا يصيب شيئًا. كان يرى الذئاب تدور حوله ببطء، كأنها تلعب بفريستها قبل أن تنهي الأمر. و يرى العيون الصفراء المتوهجة، والأنياب البيضاء، والفراء الرمادي الذي يتحرك كالظل.

تمتم في داخله، وصوته كان بالكاد يسمع:

"كم من مرة سأشهد الدماء تتناثر أمامي؟ كم من مرة سأقف عاجزًا لا أستطيع فعل شيء؟ متى سينتهي هذا؟"

لم يجب أحد. فقط صوت الجندي وهو يصرخ، وصوت الذئاب وهي تزمجر، وصوت جسده وهو يسقط على الأرض.

---

أما الجنديان الآخران، فقد وصلا أخيرًا إلى محيط الحصن.

كانا يلهثان، والعرق يتصبب من وجهيهما، وملابسهما مبللة بالغبار والعرق. حصانهما على وشك السقوط، وأعناقهما ممدودة، وعيونهما زجاجية من الإرهاق.

وخلفهما، الذئبان الآخران يقتربان بسرعة مرعبة. لم يكونا يركضان فقط، بل يطاردان بذكاء، يقطعان الزوايا، يقصران المسافة، كأنهما يعرفان أن الفريسة على وشك السقوط.

البوابة قريبة. كان التمثالان الخشبيان واقفين على جانبيها، صامتين، جامدين، كأنهما جزء من الجدار. يوسف يراهما من بعيد، وقلبه يدق بسرعة، وهو يتمنى أن يصل الجنود قبل أن تنال منهم الذئاب.

لكن الذئاب كانت أسرع. كانت على بعد خطوات قليلة من الحصان الأخير.

ثم حدث ما لم يتوقعه أحد.

ارتجت الأرض فجأة.

كانت ارتجاجة خفيفة في البداية، كأن شيئًا ثقيلًا تحرك في مكانه. ثم تزايدت، صارت أقوى. شعر يوسف بها في قدميه، في عموده الفقري، في أسنانه التي احتكت ببعضها قسرًا.

تحرك التمثالان الخشبيان العملاقان.

لم يكن هناك صوت لمفاصل تتحرك، ولا صرير خشب قديم. فقط هناك صامتين، ثم أصبحا متحركين. كأنهما ينتظران هذه اللحظة منذ أزمنة.

ارتفعت أذرعهما الخشبية ببطء، وفتحت صدورهما، ومن داخلها خرجت فؤوس هائلة لم يرَ يوسف مثلها من قبل. كانت شفراتها عريضة، حادة، تلمع تحت ضوء الشمس كأنها مصنوعة من ضوء مصمت.

وفي اللحظة نفسها، انطلقت الجذور التي كانت ملتفة حول قاعدة الجدار. كانت سميكة كأفاعي عملاقة، سوداء كالفحم، مغطاة بأشواك طويلة حادة. انطلقت فجأة إلى الأمام، كأنها كانت تنتظر الإشارة. التفّت حول جسدي الذئبين في لمح البصر، وغرست أشواكها في لحومهما.

سمع يوسف صوت الذئاب وهي تصرخ. لم يكن عويلًا عاديًا. كان صرخة ألم خارقة، عالية، تمزق الهواء. كانت تخرج من أفواهها المفتوحة، وتختلط بوقع الأشواك وهي تغوص في الجلد.

رفع التمثالان الفؤوس. حركتهما بطيئة لكنها ثقيلة، كأن كل فأس يزن جبالًا. توقفا للحظة في قمة الارتفاع، ثم هبطتا معًا بضربة واحدة.

اهتز الهواء. اصطدم الحديد باللحم والعظم. دوّى صوت القطع كالرعد في فسحة هادئة. سمع يوسف صوت الفؤوس وهي تخترق الجسد، ثم صوتها وهي تضرب الأرض تحته.

انفجرت دماء حمراء داكنة في المكان. لم تكن مجرد بقع. كانت تنفجر كأنها نافورة، ترتفع في الهواء ثم تسقط على الأرض، ترش الجدار، ترش الجذور، ترش التمثالين. ملأت رائحة الحديد الساخن المكان، ورائحة شيء آخر، شيء يشبه اللحم المحروق.

شهق يوسف. صوته مسموعًا هذه المرة، رغم أنه حاول كتمه. شعر بركبتيه ترتجفان، وشعر بغثيان يرتفع إلى حلقه. لكنه لم يتقيأ. كان جسده يتغير. كان يتعلم أن يتحمل.

"لو كنت أنا هناك…" فكر. لم يكمل الجملة. كان يعرف النهاية. لو كان هو هناك، لو إقترب من تلك البوابة، لكان الآن تحت تلك الفؤوس مثل الذئاب تمامًا.

ظل واقفًا خلف الجذع، لا يتحرك. كان يراقب الدماء وهي تجف على الأرض، والجذور وهي تنسحب ببطء إلى مكانها، والتمثالين وهما يعودان إلى صمتهما الأبدي.

---

بعد أن هدأت الغابة، وبعد أن اختفى صوت الذئاب وصوت الجنود، خرج يوسف من مخبئه ببطء.

الجو قد تغير. أصبح الهواء أثقل، ورائحة الدم لا تزال عالقة. كانت الشمس قد غابت تقريبًا، والظلال صارت طويلة جدًا، كأنها تريد أن تبتلع كل شيء.

نظر إلى مكان الجندي الثالث. رأى الجسد مقطعًا، والدرع ممزقًا، والسيف مكسورًا. كان الدم يغطي الأرض، والعظام مبعثرة بين الأعشاب. كان المشهد مقززًا، لكن يوسف لم يشعر بالغثيان. كان هناك تغير غريب في داخله. أصبح الموت جزءًا من يومه، كأنه عادة يومية لا يمكن الهروب منها.

اقترب بحذر. نظر إلى الدرع الحديدي الملقى بين الأشلاء. لا يزال صالحًا. فيه بعض الخدوش، وبعض الدماء الجافة، لكنه لم يكن ممزقًا. جثا على ركبتيه والتقطه. كان ثقيلًا، باردًا، ورائحة الحديد والدم لا تزال عالقة فيه. شده حول صدره، وربطه بحبال من اللحاء وجدها على الأرض.

ثم نظر إلى السيف. كان ثقيلًا، أعرض من أي سيف رآه من قبل. حمله بكلتا يديه، ورفعه بصعوبة. كان وزنه يثقل على ذراعيه، وقبضته كانت ترتجف قليلًا. لكنه تمسك به. كان أفضل من لا شيء. كان أفضل من اليدين المجردتين.

تمتم بصوت خافت، وهو ينظر إلى النصل الذي يلمع تحت آخر ضوء:

— "سيف ثقيل… لكنه أفضل من يدي المجردتين."

لف السيف بقطعة قماش وجدها بين بقايا الجندي، وعلقه على كتفه.

وقف هناك لحظة، ينظر إلى الجثة الممزقة، وإلى الدرع على صدره، وإلى السيف على كتفه. صار يشعر بثقل جديد على جسده. ليس ثقل المعدن فقط، بل ثقل آخر. ثقل القرار. ثقل المعرفة. ثقل البقاء.

نظر إلى الجدار من جديد. الغروب قد ألقى بظلاله الطويلة، والجدار العملاق بدا أكبر وأشد رهبة تحت وهج الشمس الراحلة. كان الظلام يزحف من تحت الأشجار، والهواء بدأ يبرد.

قرر أن يسير بمحاذاة الجدار، إلى اليمين. لعلّه يجد منفذًا آخر، بوابة أخرى، أي شيء. كان يعرف أن البوابة التي رأى فيها الجنود لا يستطيع الاقتراب منها. و يعرف أن التمثالين سيسحقانه كما سحقا الذئاب. لذالك قرر أن يبحث عن مكان آخر.

بدأ يمشي. كانت خطواته بطيئة، ثقيلة، تحت وطأة الدرع والسيف والإرهاق. كان الجدار إلى جانبه كجبل متحرك لا ينتهي. كانت ظلاله ترسم خطوطًا سوداء على الأرض، كأنها تبتلع الغابة قدمًا قدمًا.

سار هكذا ساعات. كان الظلام قد حل تمامًا، ولم تعد تسمع سوى خطواته وحفيف الريح في الأغصان. الجدار لا يزال مستمرًا، لا يظهر له نهاية. كان يبدأ يشعر باليأس، بأن هذا الجدار سيستمر إلى الأبد، وأنه سيمشي إلى أن يسقط.

ثم سمع شيئًا.

لم تكن خطوات. لم تكن حيوانات. كانت أصواتًا بعيدة، خافتة، لكنها كانت واضحة في صمت الليل. أصوات بشر. هتافات، غناء، أهازيج مبهمة لا يفهم كلماتها. كانت تأتي من خلف الجدار. من داخل الحصن.

توقف يوسف مكانه. شد قبضته على السيف، وقلبه بدأ يدق بقوة. كان يعرف أن الليل لم يأتِ بالراحة قط. كان يعرف أن هذه الأصوات قد تكون بداية شيء جديد، قد تكون خطرًا جديدًا، أو ربما — ربما — فرصة.

وقف هناك، في الظلام، يستمع إلى الأصوات التي تأتي من خلف الجدار، وهو لا يعرف إن وجب عليه أن يقترب أم يبتعد. كان يعرف شيئًا واحدًا فقط: أن فصلاً جديدًا يبدأ الآن.

---

نهاية الفصل الرابع عشر

--- ​

2026/03/28 · 2 مشاهدة · 2182 كلمة
نادي الروايات - 2026