الفصل الخامس عشر: طقوس الدم والنار

---

سار يوسف بمحاذاة الجدار ساعات لم يعد يعرف عددها. حل الظلام بالكامل، واختفت السماء خلف أغصان الأشجار الكثيفة، فلم يعد يرى شيئًا سوى سواد يتخلله بين الحين والآخر ضوء خافت من قمر لا يظهر.

امتد الجدار إلى جانبه كجبل أسود لا ينتهي، يتحرك معه خطوة بخطوة، يذكره باستمرار بأنه لا يزال خارجًا، بعيدًا، وحيدًا.

بلغ التعب عظامه. أثقل الدرع الحديدي على كتفيه، وضرب السيف فخذه كل خطوة برنين معدني خافت، ولم تفارق رائحة الدم أنفه منذ ساعات، مختلطة برائحة الطحالب الرطبة ورائحة الحجر البارد المنبعثة من الجدار. فكر في التوقف، في الجلوس لحظة، في إغلاق عينيه ولو لدقائق.

لكن شيئًا داخله دفعه إلى المضي. ذلك الهدوء الغريب الذي اكتشفه في نفسه بعد الصدع ظل هناك، يهمس له بأن يواصل، لا يتوقف، لأن شيئًا ما ينتظره.

ثم رأى الضوء.

لم يكن ضوء القمر. كان ضوءًا بشريًا، برتقاليًا محمرًا، يتسلل من بين الأشجار على بعد خطوات منه. خافت في البداية، ثم صار أوضح كلما تقدم. يتمايل، يتحرك، كأن نارًا لا تستقر تختبئ خلف الأغصان. ثم سمع الأصوات.

لم تكن أصوات الغابة التي تعود عليها. لا صرخات حيوانات، ولا حفيف أوراق، ولا خرير ماء. كانت أصوات بشر كثيرة، مرتفعة، مختلطة. ضحكات، وهمهمات، وكلمات متقطعة لا يفهمها. جاء الصوت من مكان واحد، مركز، كأن جمعًا من الناس تجمعوا في فسحة كبيرة خلف الأشجار.

توقف يوسف وجثا خلف جذع شجرة سميك، ووضع ظهره على اللحاء الخشن، وأدار أذنه نحو الأصوات. دق قلبه بسرعة، لكن جسده هادئ. تحركت عيناه ببطء تبحثان بين الأغصان عن مصدر هذا التجمع في وسط الليل.

ناس… كثيرون. ليسوا جنودًا فقط. أصوات مختلفة، لهجات مختلفة. تجمع كبير. في هذا الوقت؟

نظر إلى السماء. مظلمة بالكامل، والليل في منتصفه تقريبًا. من يجتمع في وسط الغابة في هذا الوقت؟ ولماذا؟

تردد. عرف أن الاقتراب من أي تجمع بشري خطر، وأن ملابسه الممزقة ودرعه المسروق وسيفه الثقيل قد يجعلونه هدفًا. لكنه عرف أيضًا أنه لا يستطيع البقاء وحده إلى الأبد. لا يستطيع العودة إلى الغابة. لا يستطيع التيه بلا هدف.

قرر التقدم.

تحرك ببطء، خطوة خطوة، ينتقل من ظل إلى ظل. وضع قدميه بحذر، يتجنب الأغصان اليابسة والحصى المتحركة. انحنى جسده، وترك السيف مربوطًا على ظهره، ويداه خاليتان. أراد أن يرى أولًا، أن يعرف، أن يفهم.

تباعدت الأشجار. ازداد الضوء ووضوح الأصوات.

ثم رآهم.

---

في فسحة كبيرة أمام الجدار، تجمع ضخم. لم يتوقع هذا العدد. عشرات من الناس، ربما مئة، أو أكثر. وقفوا في دائرة واسعة حول منصة خشبية ضخمة، رافعين أيديهم، مثبتين أعينهم على شيء في وسط المنصة.

غريت ملابسهم. لم يرَ يوسف مثلها من قبل. شبهت ملابس العصور القديمة التي يراها في الأفلام: أقمشة سميكة، وأحزمة جلدية، وأغطية للرأس، وأردية طويلة.

لكن التنوع صادم. بعضهم يرتدي ملابس نظيفة مرتبة كأنها جديدة، يقفون في الصفوف الأمامية، وجوههم هادئة وأيديهم مقبوضة أمامهم. وبعضهم يرتدي ملابس بالية ممزقة متسخة، يقفون في الخلف، وجوههم متعبة وعيونهم لا ترفع عن الأرض.

حتى الوجوه مختلفة: بعضها ناعم وبعضها خشن، بعضها أبيض وبعضها أسمر، بعضها يبدو غنيًا وبعضها يبدو فقيرًا.

الحشد كله لوحة من التناقضات اجتمعت هنا في هذا المكان في وسط الليل.

في وسط الفسحة منصة خشبية ضخمة، ليست مرتفعة كثيرًا لكنها كافية ليراها الجميع. صنعت من أخشاب سميكة داكنة، وزينت بمنحوتات غريبة على حوافها. وفي وسط المنصة عمود طويل نحيل يلمع تحت ضوء المشاعل كأنه مصنوع من معدن لا يعرفه يوسف.

يرتفع إلى الأعلى، أطول من أي إنسان، وينتهي بطرف حاد كالرمح.

وقف الحشد في صمت منتظر. لم يتحدثوا كثيرًا. بعضهم يهمس لصاحبه، وبعضهم ينظر إلى الأرض، وبعضهم يرفع رأسه نحو المنصة كمن ينتظر شيئًا لم يأت بعد.

تقدم يوسف أكثر، لا يزال خلف آخر الصفوف متخفيًا بين ظلال الأشجار. دق قلبه بقوة، لكنه لم يستطع الابتعاد. شيء في هذا المشهد شد انتباهه، شيء لا يفهمه لكنه لا يستطيع أن يرفع عينيه عنه.

ثم التفت إلى الجانب الآخر.

رأى البوابة.

لم تكن كالبوابة الأولى التي رآها. أصغر، أقل ضخامة، لكنها مفتوحة على مصراعيها. يرى من خلالها ممرًا ضيقًا يؤدي إلى داخل الحصن، وجدرانًا حجرية عالية تعلوها أبراج خشبية. لا دفاعات كبيرة حولها، فقط أربعة جنود متوزعون على جانبيها واقفين بثبات، أيديهم على سيوفهم. ينظرون إلى الحشد من حين لآخر، لكنهم لا يبدون قلقين.

راح يوسف يراقب البوابة، يفكر. هذه طريقه. إذا استطاع المرور من هنا، سيكون داخل الحصن، بين الناس، في مكان يجد فيه ماءً وطعامًا وربما مأوى. لكن كيف سيمر بين كل هؤلاء والجنود دون أن يلفت الانتباه؟

بينما يفكر، سمع ضجة من جهة البوابة. التفت فرأى مجموعة من الجنود يخرجون من الممر الضيق. ستة أو سبعة يسيرون ببطء، وأيديهم تمسك بشيء ثقيل.

تابوت.

كبير، مصنوع من خشب أسود لامع، مزين بزخارف ذهبية على أطرافه. حمله الجنود على أكتافهم، وخطواتهم ثقيلة متزنة كأنهم يحملون شيئًا مقدسًا.

وأمام الجنود، كانت تمشي امرأة.

توقف يوسف عن التنفس للحظة.

جميلة. جميلة بطريقة لم يرَ مثلها من قبل. جمال غريب شفاف، كأنها ليست من هذا العالم. وجهها بيضاوي ناعم يتوهج تحت ضوء المشاعل كأنه مصنوع من ضوء خافت. عيناها كبيرتان داكنتان تلمعان كأنهما تدمعان لكن الدموع لا تسقط. شعرها أسود طويل منسدل على كتفيها كستارة من حرير.

ترتدي ثوبًا طويلًا أبيض بسيطًا لكنه يبدو ثمينًا. على وجهها غطاء شفاف من قماش رقيق يغطي نصف وجهها الأسفل كأنه نقاب جنائزي. لم يخفِ الغطاء جمالها، بل زاده غموضًا وحزنًا.

مشت نحو المنصة ببطء، والجنود خلفها يحملون التابوت. لم ترفع عينها عن الأرض. يداها مقبوضتان أمامها، وأصابعها ترتجف قليلًا. صمت الحشد فجأة، حتى الهمسات توقفت. كل العيون على المرأة والتابوت.

صعد الجنود إلى المنصة ووضعوا التابوت في وسطها تحت العمود المعدني الطويل، ثم تراجعوا إلى الخلف ووقفوا على جانبيها كحراس.

صعدت المرأة بعدهم. وقفت بجانب التابوت، وضعت يدها عليه برفق. تلمس الخشب الأسود كأنه جسد حي، كأنها تودعه قبل أن يرحل.

ثم صعد رجل آخر.

عجوز سمين يجر خطواته بصعوبة على درجات المنصة الخشبية. يرتدي ثوبًا طويلًا أسود، وعلى رأسه عمامة كبيرة تخفي نصف وجهه. وجهه أحمر من الجهد، وأنفاسه متقطعة. تبعه جنديان يساعدانه على الصعود، ثم تركاه يقف بمفرده بجانب المرأة والتابوت.

وقف العجوز هناك لحظة يلتقط أنفاسه، وضع يده على صدره، ثم رفع يديه إلى السماء وفتح فمه.

كان صوته عاليًا قويًا لا يتناسب مع جسده السمين، يملأ الفسحة كلها، يرتد من الجدار ومن الأشجار، كأنه يأتي من كل مكان.

— "أيها الحاضرون من مدينة فورسن ومن ضواحيها، أيها الأحرار والعبيد، الأغنياء والفقراء، الجنود والمدنيون — اجتمعنا الليلة لنودع أعظم رجل عرفته هذه المدينة في مئة عام."

ساد صمت أعمق. نظر الحشد كله إلى العجوز، والعجوز إلى التابوت.

— "الراحل الدكتور إيليان فورسن" — اهتز صوته قليلًا — "طبيب المدينة، معالج الفقراء قبل الأغنياء، الرجل الذي أنقذ أرواحًا أكثر من أي إنسان في تاريخ هذه الجدران."

توقف ونظر إلى الحشد. بعضهم يبكي بصمت، وبعضهم يحدق في الأرض، وبعضهم يرفع أيديهم كأنهم يدعون.

— "من منكم لم يمسسه فضله؟" ارتفع صوته. "من منكم لم يعالجه أو يعالج أحد أفراد أسرته؟ من منكم لم يجد بابه مفتوحًا في منتصف الليل؟ من منكم لم يسمع كلماته الطيبة قبل أن يضع الدواء؟"

صمت. ثم همس أحدهم من الحشد: لا أحد. تردد الهمس في كل مكان: لا أحد… لا أحد…

رفع العجوز يده فسكت الجميع.

— "إيليان فورسن" — قال — "لم يكن طبيبًا فقط. كان عماد هذه المدينة. رجل نذر حياته للآخرين. وعندما جاء المرض الذي لا دواء له، وعرف أن أيامه معدودة، ماذا فعل؟ هل جلس في بيته ينتظر النهاية؟ هل جمع ثروته ووزعها على أهله؟"

هز رأسه.

— "لا. ظل يعالج حتى آخر يوم. ظل يفتح بابه حتى آخر ليلة. ظل يبتسم في وجه المرضى وهو يعرف أن الموت في عظامه."

أدار وجهه نحو المرأة الواقفة بجانب التابوت، يدها لا تزال على الخشب الأسود.

— "وترك خلفه ابنته الوحيدة، سيرين. التي وقفت بجانبه في كل يوم من أيام مرضه. التي حملت عنه ما لا يطيقه الرجال. التي لم تفارقه لحظة واحدة حتى أغمض عينيه."

رفعت المرأة — سيرين — رأسها للحظة. نظرت إلى الحشد بعينيها الكبيرتين الدامعتين، ثم أغلقت جفنيها وعادت تنظر إلى الأرض.

اقترب العجوز منها ووضع يده على كتفها برفق.

— "ابنتي" — صار صوته أبويًا دافئًا — "كلمي من أحبوك. كلمي من أحبوا والدك. كلمي من ينتظرون سماع صوتك."

ترددت سيرين لحظة. يداها ترتجفان، وشفتاها ترتجفان. أخذت نفسًا عميقًا، ثم رفعت رأسها وفتحت فمها.

كان صوتها مختلفًا عن العجوز. ليس قويًا ولا عاليًا، بل خافت رقيق كأنه يخرج من صدر مجروح. لكنه وصل إلى كل مكان، وأصغى الحشد كأنه يسمع لحنًا لا يتكرر.

— "أبي" — انكسر صوتها في البداية — "لم يكن طبيبًا فقط. كان صديقًا. كان سندًا. كان كل شيء."

توقفت، عضت على شفتها. تساقطت دموعها تتسلل من تحت الغطاء الشفاف، تسقط على ثوبها الأبيض.

— "كان يعلمني. كان يمسح دموعي. كان يقول لي دائمًا: سيرين، الناس ليست مجرد أجساد تعالج. الناس أرواح تخاف. ابدئي من خوفهم، وستجدين المرض."

شهقت. رفعت يدها إلى وجهها تمسح دموعها، ثم أكملت:

— "في آخر يوم له، كان لا يستطيع الكلام. كان يتنفس بصعوبة. لكنه أمسك يدي وضغط عليها. نظرت إليه، فرأيت عينيه. كانتا تقولان شيئًا. لم أفهمه حينها. لكني فهمته بعد أن رحل."

رفعت رأسها ونظرت إلى السماء.

— "كان يقول: لا تبكي. سأكون بخير. فقط كوني قوية."

ساد صمت طويل. الحشد كله لا يتحرك، حتى الريح توقفت عن الهبوب. ويوسف من مكانه خلف الأشجار شعر بأن قلبه يضيق. أراد أن يبتعد، أن لا يسمع أكثر. لكنه لم يستطع. صوتها ربطه بالمكان.

فكر في والدته. في آخر مرة رأى فيها وجهها. في الكلمات التي لم يقلها. في الوداع الذي لم يحدث. تذكر جنازة لم يحضرها، دموعًا لم يمسحها، يدًا لم يقبض عليها.

رفع العجوز يده مجددًا. اقترب من التابوت ووضع يده عليه إلى جانب يد سيرين.

— "حان الوقت" — قال — "لتكريم من يستحق التكريم. لتقديم الاحترام لمن علمنا معنى العطاء."

نظر إلى الحشد.

— "تعالوا. تقدموا. كل واحد منكم يحمل في قلبه ذكرى عنه. تعالوا أودعوه كما يليق به."

بدأ الحشد يتحرك. تقدموا نحو المنصة ببطء، صفًا صفًا. انحنوا أمام التابوت، وضعوا أيديهم على قلوبهم، وهمسوا بكلمات لا يسمعها أحد. بعضهم بكى، وبعضهم لمس التابوت كأنه يلمس جسدًا حيًا، وبعضهم وقف هناك لحظات لا يتحرك ثم تراجع إلى مكانه.

ظل يوسف يراقب. العجوز السمين، المرأة الجميلة، التابوت الأسود، الحشد الذي يبكي. فكر: هؤلاء الناس لديهم مدينة. لديهم طبيب. لديهم طقوس. لديهم حياة. وها هو ذا يقف خارج كل هذا، يتساءل إن كان سيدخل يومًا.

---

ثم سمع صوتًا غريبًا.

خافت بعيد مختلط بكثير من الأصوات، لكنه مختلف. ليس بكاءً ولا همسًا، بل صراخ قصير متقطع توقف فجأة.

تصلب يوسف. أدار رأسه ببطء نحو الصوت. يأتي من خلفه، من بين الأشجار التي اختبأ فيها.

نظر. في البداية لم يرَ شيئًا، فقط الظلام والأشجار والجدار البعيد.

ثم رأى حركة.

بعيدة، على بعد خطوات منه. جندي — أو ما تبقى منه — ينهار على الأرض. وفوقه شكل رمادي ضخم يتحرك. ينهش. ينهش جسد الجندي بصمت، دون صوت.

ارتجف يوسف. قفز قلبه في صدره. عرف ما يراه. الذئب. أحد الذئاب التي رآها قبل ساعات. هنا. في الحشد. تفترس.

شد يده على مقبض السيف خلف ظهره. أراد أن يصرخ، أن يحذرهم. لكن صوته لم يخرج. وكان شيء آخر يحدث.

من بين الأشجار، خرج ذئب آخر. أكبر من الأول، وعيناه تتوهج في الظلام كجمرتين. تقدم ببطء نحو جندي آخر واقف على حافة التجمع. الجندي لم يرَ الذئب، كان ينظر إلى المنصة، إلى الطقوس، إلى الحشد.

اقترب الذئب. على بعد خطوات. ثم انقض.

صرخ الجندي. صرخة حادة طويلة اخترقت صمت الليل كسهم. التفت الحشد نحو الصوت. رأوا الذئب يغطي الجندي، رأوا الدماء تتناثر، رأوا الجسد يسقط.

ثم سمعوا صرخات أخرى. من الجانب الآخر. من الخلف. من كل مكان.

الذئاب كثيرة. ليست أربعة فقط. أكثر. تخرج من بين الأشجار كأنها ولدت من الظلام. عيونها الصفراء تتوهج في كل مكان. أجسادها الرمادية تتحرك بين الناس بسرعة خاطفة، لا تميز ولا تتردد ولا تعرف الرحمة.

بدأت الفوضى.

صرخ الحشد، ركضوا في كل اتجاه، تدافعوا، سقطوا، داس بعضهم بعضًا. الأمهات تصرخن بحثًا عن أطفالهن. الرجال يدفعون النساء أرضًا ليصنعوا لأنفسهم طريقًا. تراكمت الأجساد عند البوابة، والجنود يحاولون تنظيم الدخول لكنهم يدفعون أيضًا ويسقطون أيضًا.

الذئاب تفترس. لا تميز بين غني وفقير، بين جندي ومدني، بين رجل وامرأة وطفل. تنقض على أي جسد قريب، تفتح أفواهها، تغرس أنيابها في الرقاب والأذرع والأرجل، تسحب الضحايا إلى الأرض، تمزقهم كأنهم دمى من قماش.

سمع يوسف صراخ امرأة. التفت فرأى ذئبًا يمسك بطفل صغير من ذراعه، يسحبه نحو الغابة. الأم تجري خلفه تصرخ، تحاول أن تنتزع طفلها من بين الأنياب. لكن الذئب أسرع. اختفى في الظلام، وتوقف الصراخ فجأة.

اعتصر الغثيان حلقه. أراد أن يغلق عينيه، أن لا يرى. لكنهما بقيتا مفتوحتين. رأى كل شيء: الدماء على الأرض، الأجساد المقطعة، الأيدي المبتورة، الوجوه التي تتحول إلى لا شيء.

الجنود يقاومون. يضربون بسيوفهم، يطعنون برماحهم. لكن أعدادهم قليلة جدًا. أربعة فقط عند البوابة، وبعضهم في الحشد. يقتلون ذئبًا، فيظهر اثنان مكانه. يصرخون، يتفانون، لكن خطوطهم تنهار.

هرب معظم الناس نحو البوابة. تزاحموا في المدخل الضيق، يدفعون، يصرخون، يسقطون. يستحيل دخول الجميع في نفس الوقت. البوابة صغيرة، تبتلع الناس ببطء شديد.

وقف يوسف هناك لا يتحرك. عقله يعمل بسرعة، وقلبه هادئ. يحلل، يحسب.

لا أستطيع العودة إلى الغابة. الذئاب هناك. لا أستطيع البقاء هنا. الذئاب ستأتي. لا أستطيع الانتظار. البوابة مزدحمة. لن أصل في الوقت المناسب.

نظر حوله. طريق ضيق على يسار البوابة، خالٍ من الناس والذئاب. يمر بين الجدار وشجرة ضخمة، ويصل إلى البوابة من الجانب. بعيد قليلًا، لكنه آمن — على الأقل الآن.

قرر بسرعة . و بدأ في الركض.

---

تحرك جسده بسرعة لم يعرفها منذ أيام. الدرع يثقل عليه، والسيف يضرب ظهره، لكنه يركض. قدماه تضربان الأرض بقوة، وقلبه يدق كالطبول. ينظر إلى الأمام فقط. إلى الطريق. إلى البوابة. إلى النجاة.

وصل إلى الطريق الضيق. مظلم، ضيق، بالكاد يتسع لجسده. سار فيه بسرعة، يسمع الصراخ خلفه، ووقع الأقدام، وزئير الذئاب. قريب. على وشك الوصول.

ثم تعثر.

اصطدمت قدمه بحجر لم يره. طار جسده في الهواء، ثم سقط على الأرض بقوة. صدم الدرع أضلاعه، وانطلق السيف من ظهره وتدحرج بعيدًا. لهث. حاول أن ينهض.

رفع رأسه. على بعد خطوات قليلة من البوابة. يرى الناس يركضون، والجنود يقاتلون، والدماء تسيل. كان على وشك النهوض عندما رأى عينين صفراء تتوهج أمامه.

ذئب. على بعد أمتار قليلة، يقف هناك، ينظر إليه. يسيل لعابه من فمه المفتوح، وأنيابه الطويلة تلمع في ضوء المشاعل البعيدة.

تجمد يوسف. على الأرض، دون سيف، دون حماية. عرف أنه انتهى. أن هذه هي النهاية.

تمتم في داخله، وصوته خافت مرتجف:

"بعد كل هذا… بعد كل ما حدث… الآن؟ هنا؟ هكذا؟"

عرف. عرف أن لا شيء في هذه الحياة يسير كما يريد. أن حظه السيئ لم يفارقه يومًا. أن كل مرة يظن فيها أنه نجا، يأتي شيء جديد ليقول له: لا. ليس بعد.

الذئب يتحرك. يقترب خطوة خطوة. يوسف يرى كل تفصيل فيه: الفراء الرمادي الخشن، العضلات التي تتحرك تحت الجلد، العيون الصفراء التي لا ترمش. الوقت يمر ببطء شديد، كأن كل ثانية تطول إلى أبد.

ثم حدث ما لم يتوقعه.

سمع صوتًا كالرعد. اصطدم شيء ضخم بالذئب من الجانب، فطار في الهواء وحلق أمتارًا قبل أن يسقط على الأرض. نظر يوسف مندهشًا. جندي ضخم البنية، يرتدي درعًا ثقيلًا، ويحمل ترسًا كبيرًا بحجم جسده. صدم الذئب بالترس وألقى به بعيدًا كأنه حشرة.

التفت الجندي الضخم نحو يوسف. وجهه مغطى بالخوذة، لا يُرى منه سوى عينين زرقاوين حادتين. نظر إلى يوسف، ثم إلى السيف الملقى على الأرض، ثم إلى درعه.

قال بصوت أجش سريع لم يترك وقتًا للأسئلة:

— "أنت جندي؟"

توقف يوسف. لم يعرف ماذا يقول. أراد أن يقول: لا، لست جنديًا. أنا مجرد ناجٍ. أنا لا أنتمي إلى هنا. لكنه رأى عيون الجندي. رأى أنها لا تسأل عن الحقيقة. كانت تسأل: هل يمكنك المساعدة؟

نظر إلى البوابة. الناس يتزاحمون. الذئاب تقترب. امرأة تقف هناك وحدها، وبجانبها جنديان يحميانها. أحدهما مقطوع الذراع، والآخر ينزف بشدة. المرأة — سيرين — واقفة هناك، خائفة، ترتجف.

أشار الجندي الضخم نحوها.

— "هناك. اذهب. احملها. خذها إلى داخل الحصن. سأحميكم."

نظر يوسف إلى سيرين. ترتجف. ثوبها الأبيض ملطخ بالدماء — ليست دماءها. وجهها شاحب، وعيناها واسعتان من الرعب. الجنديان من حولها على وشك السقوط.

فكر يوسف بسرعة. لم يكن بطلًا. لم يكن جنديًا. لم يكن شيئًا. مجرد رجل عادي، جائع، متعب، خائف. لكنه كان هناك. وكانت هي هناك. وكانت الذئاب تقترب.

قال في نفسه:

"لماذا؟ لماذا أنا؟ أنا لست أحدًا. أنا لا أستطيع."

لكنه عرف الإجابة. عرف أنه لا يستطيع أن يقول لا. عرف أن ما حدث له، كل ما حدث، كل ما رآه، كل ما عانى منه — إن قال لا الآن، فلن يغفر لنفسه أبدًا.

نهض. جسده يؤلمه، وركبتاه ترتجفان. لكنه نهض. التقط السيف من الأرض. ثقيل، يثقل على ذراعه. لكنه حمله.

ثم ركض نحو سيرين.

---

المسافة قصيرة، لكنها بدت طويلة. يسمع الذئاب تزمجر خلفه، وصراخ الناس، ودقات قلبه. لكنه وصل.

عندما اقترب منها، استدار أحد الجنديين بسرعة خارقة. وجهه مغطى بالدماء، وعيناه واسعتان من الإرهاق. رفع سيفه نحو يوسف ظنًا منه أنه ذئب. لكنه توقف في آخر لحظة. نظر إلى يوسف، إلى درعه، إلى وجهه.

قال بصوت متعب دون مقدمات:

— "هل انت من فرقة الدعم ؟"

لم يجب يوسف. لم يعرف ماذا يقول. لكن الجندي لم ينتظر جوابًا.

— "احملها" — أشار إلى سيرين — "خذها إلى الداخل. أنا وصديقي سنرافقكما."

نظر يوسف إلى سيرين. نظرت إليه بعينيها الكبيرتين. لم تقل شيئًا. كانت ترتجف. وجهها شاحب كالموت.

أخرج سيفه من غمده، ورفعه بيده المرتجفة. ثم رفعها من تحت ذراعيها، وحملها على كتفه. كانت خفيفة، أخف مما توقع. ترتجف، لكنها لا تقاوم.

ركضوا.

الجندي مقطوع الذراع في المقدمة. يركض بسرعة لا تتناسب مع جرحه. الدم يسيل من كتفه المقطوع، يقطر على الأرض، يترك أثرًا. الجندي الآخر في الخلف، يحمي المؤخرة بسيفه المرتجف.

يوسف في المنتصف، حاملًا سيرين. جسده يئن، وعضلاته تحترق، وذراعاه توشكان على السقوط. لكنه واصل. يسمع الذئاب خلفه. يسمع الجندي الخلفي يصرخ، ويضرب، ويقاتل. يسمع صوت المعركة يقترب.

ثم سمع صراخًا من الأمام.

رفع رأسه فرأى ذئبًا يتجه نحوهم من الجانب. سريع جدًا. يتجه نحو يوسف مباشرة.

لم يتردد الجندي مقطوع الذراع. قفز نحو الذئب، وسيفه في يده الوحيدة. ضرب. أخطأ. تفاداه الذئب بسرعة، واندفع نحو يوسف.

لم يرَ يوسف إلا العيون الصفراء. تقترب بسرعة. على بعد خطوات. تنظر إليه. تنظر إلى سيرين.

لم يكن لديه وقت للتفكير، ولا وقت للخوف. شيء في داخله — غريزي، عميق — جعله يستدير. استدار بظهره نحو الذئب، وجعل جسده درعًا لسيرين.

ثم شعر بالألم قبل أن يسمع شيئًا.

مخالب الذئب تخترق ظهره. يشعر بها تمزق الجلد، تخترق العضلات، تبحث عن العظام. ألم هائل لا يوصف. صرخ. صرخ بصوت لم يعرف أنه يملكه. خرجت الصرخة من صدره، مزقت حلقه، ملأت المكان.

سقطت سيرين من بين ذراعيه. سقط هو على ركبتيه. امتلأ فمه بطعم الدم. ظهره يحترق. كتفه — حيث غرست أنياب الذئب بعد المخالب — يتمزق.

يرى ضبابًا أحمر. يسمع صراخًا بعيدًا. يشعر بأن جسده يغرق.

في آخر لحظة قبل أن يفقد وعيه، رأى جنودًا يتدفقون من البوابة. رأى سيوفًا تلمع. رأى الذئب يتراجع. ورأى الجندي الضخم الذي أنقذه قبل قليل يقف أمامه، وترسه مرفوع، وسيفه في يده الأخرى.

سمع صوته يصرخ:

— "خذوها! أدخلوها! أنا سأتعامل مع هذا الوحش!"

ثم رأى وجه سيرين. تنظر إليه. عيناها واسعتان، ودموعها تسقط على وجهه. تهمس بشيء لا يسمعه.

أراد أن يقول شيئًا. أراد أن يقول: أنا لست جنديًا. أنا لست بطلاً. أنا مجرد رجل عادي كان في المكان الخطأ في الوقت الخطأ.

لكن صوته لم يخرج.

الظلام يلفه. الألم يخفت. كل شيء يبتعد.

وآخر ما تذكره قبل أن يغيب: سؤال واحد تردد في رأسه، كصدى لا ينتهي:

"لماذا؟ لماذا دائمًا أنا؟"

ثم لا شيء.

---

نهاية الفصل الخامس عشر

---

2026/03/28 · 1 مشاهدة · 3090 كلمة
نادي الروايات - 2026