الفصل السادس عشر: ذاكرة مستعارة
---
ظلام.
لم يعرف يوسف كم مضى من الوقت. ربما ساعات. ربما أيام. كان العالم غائبًا، والأحلام إن كانت هناك فقد تلاشت قبل أن تترك أثرًا.
ثم شعر بالألم.
لم يكن ألمًا حادًا كما كان، بل ألمًا خافتًا، باهتًا، كأن جرحًا قديمًا يستيقظ على وقع المطر. كان يأتي مع كل نفس، مع كل حركة بسيطة، يذكره بأنه لا يزال حيًا.
حاول أن يحرك يده اليمنى، فانقبض الألم في كتفه كله.
— "آه…"
فتح عينيه ببطء. كان الضوء خفيفًا، دافئًا، يأتي من نافذة عالية مغطاة بستائر من قماش كتاني.
لم يكن ضوء المشاعل المتوترة التي اعتادها في الغابة، ولا ضوء النار البارد الذي كان يراه في السماء. كان ضوءًا ناعمًا، كأن الصباح نفسه يدخل الغرفة على مهل، لا يريد أن يوقظ أحدًا.
كانت الغرفة واسعة، لكنها لم تكن فخمة. جدرانها مطلية بلون عاجي باهت، تعلوها زخارف جصية بسيطة — أشكال هندسية متكررة، كأنها موجات بحر أو خطوط تموج في رمال. السقف مقبب قليلًا، وفيه فتحة صغيرة مغطاة بزجاج مصفر يسمح بدخول الضوء دون أن يحرق العينين.
السرير الذي يرقد عليه كان مريحًا، أكثر مما تذوق في حياته. فراش من الصوف تحته طبقة من القش الناعم، وغطاء ثقيل من صوف الغنم يفوح برائحة نظيفة، كأنه غسل بالأعشاب. كانت وسادته منخفضة، لكنها ناعمة، ووضعت تحت رأسه بطريقة تجعل عنقه مستندًا دون أن يضغط على كتفه المصاب.
نظر إلى كتفه الأيمن وإلى جسده. كان ملفوفًا بضمادات بيضاء نظيفة، مرتبة بعناية، ولم يبقَ من الدرع ولا من القميص الممزق أثر. كان يرتدي قميصًا فضفاضًا من الكتان الخشن، نظيفًا، أبيض اللون، يصل إلى ركبتيه. شعر ببرد خفيف على ذراعه العارية.
رفع رأسه قليلًا، رغم احتجاج الألم. أداره ببطء، يتأمل المكان.
إلى جانبه، منضدة صغيرة من خشب الجوز، عليها قنينة زجاجية خضراء تحتوي على سائل غامق اللون، ووعاء فخاري صغير فيه ماء، وبجانبهما قطعة قماش مبللة. فوق المنضدة، شمعة محترقة في حامل نحاسي، لكنها كانت قد انطفأت منذ وقت، تاركة أثرًا من الشمع المتصلب.
على الحائط المقابل، رأى رفًا خشبيًا يحوي كتبًا عدة، بعضها مغطى بغلاف جلدي، وبعضها الآخر مجرد درفات متراكمة. وإلى جانب الرف، لوحة صغيرة مرسومة على قطعة من الخشب، تصور رجلًا عجوزًا يجلس تحت شجرة، ويده على رأس طفلة صغيرة. لم يكن الرسم دقيقًا، لكنه كان دافئًا، كأن من رسمه لم يرد أن يكون فنانًا بقدر ما أراد أن يحتفظ بذاكرة.
كان المكان يبدو… هادئًا. وكأنه خارج الزمن، خارج الغابة التي كادت تلتهمه، خارج الخوف الذي عاش فيه أيامًا لا تعد.
ظل ينظر إلى السقف، يحاول أن يجمع أفكاره. لم يكن يعرف كيف وصل إلى هنا. يتذكر الذئب، يتذكر المخالب، يتذكر الصراخ، ثم الظلام. ربما أنقذه أحدهم.
ظن أنه وحيد، فلم ينتبه إلى أن هناك أحدًا يجلس في كرسي منخفض بالقرب من السرير، في زاوية كان يغطيها ظل الستارة.
— "صباح الخير. يبدو أنك استيقظت أخيرًا."
كان صوتها هادئًا، دافئًا، كمن يتحدث إلى طفل استيقظ من كابوس.
التفت إليها بسرعة، فصاح الألم في جسده كالسوط. عض على شفتيه وأدار جسده كله ببطء ليواجهها.
كانت تجلس على كرسي صغير من الخوص، ويداها مطبقتان على ركبتيها، ووجهها مائل قليلًا نحو السرير. كانت ترتدي ثوبًا رماديًا بسيطًا، وشعرها الأسود الطويل مضفور في جديلة واحدة على كتفها الأيسر.
لم تكن ترتدي الغطاء الشفاف الذي رآها فيه ليلة الطقوس، فبدا وجهها أكثر وضوحًا، أكثر إنسانية. كانت عيناها لا تزالان كبيرتين داكنتين، لكنهما لم تكونا دامعتين هذه المرة.
كانتا تراقبانه بفضول واهتمام، كطبيبة تفحص مريضًا.
— "أنتِ…" كان صوته أجش، كأن حنجرته مغبرة. "أين أنا؟ ماذا أفعل هنا؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم نهضت من كرسيها واقتربت منه قليلًا. مدت يدها إلى كتفه، ووضعت أطراف أصابعها برفق على الضمادات، تتحسسها دون أن تلمس الجرح نفسه.
— "أنا سيرين" — قالت، وكان صوتها هادئًا — "طبيبة. وأنت الآن في منزلي. أو بالأحرى، في غرفة الضيوف التي حولتها إلى عيادة صغيرة."
توقفت لحظة، وهي تضغط برفق على الضمادة لترى إن كانت الدماء نضبت.
— "أصبت بجرح عميق في ظهرك وكتفك الأيمن، من مخالب ذئب. تمكنت من خياطة الجرح وإيقاف النزيف. لم يصب أي عظم، ولله الحمد. لا أضرار أخرى. إذا واصلت الراحة، ستستطيع المغادرة بعد أيام قليلة."
قالت ذلك بثقة، لكنها كانت لا تزال تفحص ضمادات كتفه بعناية.
أخذ يوسف نفسًا عميقًا. كان الألم لا يزال هناك، لكنه أصبح محتملًا. كان يفكر، يحاول أن يجمع شتات ذاكرته. يتذكر الليلة الماضية… أو قبل أن يغمى عليه. يتذكر الذئاب، يتذكر البوابة، يتذكر أنه حملها على كتفه. ثم انقض الذئب. ثم…
نظر إليها مرة أخرى. كانت تقف الآن إلى جانبه، تنتظر.
لقد أنقذتني، فكر. لكن كيف سأشرح من أنا؟ كيف سأشرح لماذا كنت هناك، بدرع جندي لا أملكه، وسيف ليس لي، وأنا أتجول في الغابة كمجنون؟
شعر بالقلب يضرب في صدره. لم يكن يعرف قوانين هذا المكان، ولا عقوباته. ربما الدرع المسروق كان كافيًا ليشنق. ربما ظهوره فجأة وسط الهجوم جعله موضع شك.
ربما… ربما أستطيع أن أتظاهر بأنني لا أتذكر شيئًا. سيكون هذا عذرًا لكل شيء. لن أسأل أسئلة غريبة جدًا، ولن أضطر لشرح من أكون.
أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما، وجعل وجهه يعبس بتعب وارتباك.
— "شكرًا لكِ، أيتها السيدة الفاضلة سيرين" — قال بصوت متردد — "على رعايتي. لكن…"
توقف، وكأنه يحاول تذكر شيء صعب.
— "أنا لا أتذكر شيئًا. لا عن البارحة، ولا عن الذي قبله. لا أتذكر كيف وصلت إلى هنا. يبدو أني… فقدت الذاكرة."
نظر إليها بعينين واسعتين، كمن يطلب المساعدة.
تغير تعبير وجه سيرين. رفعت حاجبها قليلًا، ثم عادت إلى وضعية الطبيبة المدققة. وضعت يدها برفق على جبينه، تتحسس حرارته، ثم انتقلت إلى مؤخرة رأسه، وأصابعها تبحث عن أي أثر لرضة أو كدمة.
— "غريب" — قالت بعد لحظات، وهي تسحب يدها — "لقد فحصت رأسك عندما أحضروك. لم أجد أي إصابة في الجمجمة. ولا حتى كدمة."
وقفت صامتة للحظة، تحدق فيه بعينين طبيتين. ثم همست وكأنها تفكر بصوت عالٍ:
— "ربما كانت الصدمة قوية… أو فقدان الدم… أو الخوف…"
لكن في عينيها كان هناك شيء آخر. شيء لم تظهره على وجهها بالكامل، لكن يوسف استطاع أن يلمحه: شكًا خفيفًا، كطبيب يعرف أن الأعراض لا تتطابق تمامًا مع التشخيص.
هزت رأسها، كأنها تطرد فكرة لم تكتمل.
— "حسنًا. سنتعامل مع هذا لاحقًا. المهم الآن أن تعتني بجرحك. هل تتذكر اسمك على الأقل؟ عمرك؟ من أين أنت؟"
ها هو السؤال، فكر يوسف. لا يمكنني أن أقول الحقيقة. ولا يمكنني أن أقول إني لا أتذكر شيئًا على الإطلاق، فسيظنون بي جنونًا أو كذبًا. لكن إذا قلت اسمًا، وبدا أني أتذكر بعض الأشياء، فسيبدو الأمر أكثر منطقية.
اسم… أي اسم؟ سأقول إني من فورسن أيضًا. اسم… إيريك. اسم اجنبي ويحمل نفس جو اسمائهم، وقد شعر يوسف بنوع من التجانس مع هذا الاسم، على الأقل لا يثير الشك.
والمهنة؟ بحار. بحار يصل إلى شاطئ غريب. هذا يفسر لماذا لا أعرف المكان. سأقول إنني ضللت الطريق في الغابة.
ولماذا كنت أرتدي درع جندي؟ لا… سأتجنب هذا. سأقول إني لا أتذكر التفاصيل. فقط صورة غامضة لشاطئ وغابة.
بعد مراجعة يوسف للردود التي سيقولها
أخذ نفسًا، وجعل وجهه يبدو مرتبكًا، كمن يحاول استعادة ذكرى بعيدة.
— "اسمي… إيريك" — قال ببطء، كأنه يختبر الكلمة على لسانه — "أعتقد أني كنت بحارًا."
توقف، وكأنه يتذكر شيئًا صعبًا.
— "أتذكر… شاطئًا. وصلت إليه بعد أن أبحرت. ثم دخلت غابة. وبقيت فيها… لا أعرف كم. لا أتذكر أكثر من هذا."
رفع عينيه إليها، وجعل نظراته تبدو ضعيفة، محتارة.
— "هل هذا كل ما أتذكره؟ آسف."
كانت سيرين تنصت إليه باهتمام شديد. لم تظهر عليها علامات التصديق الكامل، لكنها لم تظهر أيضًا اتهامًا. كانت عيناها تراقبانه كمن يقرأ بين السطور.
— "إيريك" — كررت الاسم، وكأنها تتذوقه — "بحار من لاينهارت وصل إلى شاطئنا."
صمتت لحظة، ثم قالت بصوت أكثر برودة قليلًا:
— "ومن أين لك درع الجندي الذي كنت ترتديه؟ وسيف الجندي الذي كان معك؟"
هوذا السؤال الذي كنت أخشاه.
شعر يوسف بقلبه يقفز. لم يكن يتوقع أن تسأل بهذه السرعة. ظن أنها ستنشغل بفقدان الذاكرة أولًا. لكنها كانت حادة، ملاحظة.
حاول أن يبقي وجهه هادئًا، وأن يجعل نظراته تبدو مشوشة، حائرة.
— "درع؟ سيف؟" تظاهر بالتفكير العميق، ثم هز رأسه ببطء. "لا أتذكر. لا أتذكر أني كنت أحمل أي شيء. كل ما أتذكره هو الغابة… والخوف. ثم الذئاب."
نظر إلى يديه الممدودتين أمامه، وكأنه يبحث عن شيء ليس هناك.
— "ربما وجدتهما في الغابة. لا أعرف. آسف، كل شيء ضبابي."
لم ترفع سيرين عينيها عنه. كانت تراقب كل حركة في وجهه، كل تغير في نبرة صوته. ثم تنهدت، لكن تنهيدة لم تكن ارتياحًا بقدر ما كانت قرارًا بتأجيل الموضوع.
— "حسنًا" — قالت، وصوتها عاد إلى الدفء المهني — "لا تجهد نفسك. الذاكرة تحتاج إلى وقت أحيانًا، خاصة بعد صدمة كهذه."
تقدمت نحو المنضدة الصغيرة، وأخذت القنينة الزجاجية الخضراء، وسكبت قطرات قليلة من سائلها الغامق على قطعة القماش المبللة. راحت تمسح بها جبينه برفق، والرائحة العشبية تنتشر في الغرفة.
— "إذا كانت لديك أسئلة" — قالت وهي تعمل — "فتفضل. ربما تساعدك الإجابات في استعادة شيء من ذاكرتك."
شعر يوسف بالارتياح. لقد تجاوز العقبة الأولى. الآن يمكنه أن يسأل. يمكنه أن يعرف أين هو بالضبط.
رفع رأسه قليلًا، وحاول أن يجعل صوته يبدو طبيعيًا.
— "أريد أن أعرف أولًا… أين أنا بالضبط؟ أعني، ما اسم هذا المكان؟"
أوقفت سيرين حركة يدها للحظة، ثم أكملت مسح جبينه.
— "أنت في مدينة فورسن. الحصن الأول للمنبوذين في غابة الضلال."
قالت ذلك ببساطة، كأنها تقول "أنت في غرفة نومك".
فورسن، فكر يوسف. إذن هذا هو اسم هذا المكان. المنبوذين… غابة الضلال… كل هذه أسماء لم أسمع بها من قبل.
كان بحاجة إلى المزيد. إلى فهم أوسع. كيف يعيش الناس هنا؟ كيف ينظمون أنفسهم؟
نظر إليها مجددًا.
— "ولماذا تسمونها أرض المنبوذين؟ من نفيتم؟"
أكملت سيرين مسح جبينه، ثم وضعت قطعة القماش جانبًا، وأخذت القنينة لتجهز جرعة جديدة.
— "لأن هذه الأرض هي منفى لكل من لا تريده الممالك الأخرى. مملكة لاينهارت، مملكة بيدروك… وغيرهما. أي شخص لا يحتاجونه، أو لا يستطيعون احتوائه، يلقونه هنا."
كانت كلماتها حادة، لكنها لم تكن غاضبة. كانت مجرد حقيقة، كحقيقة أن السماء زرقاء أو أن النار تحرق.
شعر يوسف بثقل كلماتها. نظر إلى سيرين — طبيبة، جميلة، حنونة — كيف يمكن لأحد أن يرميها هنا؟
— "إذا كنتم منفيين" — قال، محاولًا أن يبدو فضوليًا فقط — "فلماذا لا تعودون؟ أليس هناك طريق للخروج؟"
تغيرت ملامح سيرين. للحظة، رأى في عينيها شيئًا يشبه الألم. تنهدت بعمق، وجلست على حافة السرير، بعيدًا عن كتفه المصاب.
— "هناك طريق" — قالت بصوت هادئ — "لكنه ليس مفتوحًا لمن يريد العودة فقط. بوابة بختم سحري قديم، تتحكم بها مملكة لاينهارت. لا يفتحونها إلا لمن يريدون… أو لمن يحتاجون إليه."
صمتت لحظة، ثم نظرت إليه مباشرة.
— "لا أحد يخرج من هنا بمحض إرادته، إيريك. هذا هو معنى المنفى."
كانت الكلمات ثقيلة. شعر يوسف بأنها تنطبق عليه أكثر مما تتمنى. كان هاربًا. كان تائهًا. وها هو الآن تائه في مكان أبعد.
ساد صمت قصير. كان يوسف يحاول أن يجد سؤالًا آخر، أي سؤال، لكن سيرين سبقته.
نهضت من على حافة السرير، وأخذت القنينة الزجاجية وقطعة القماش.
— "هذا يكفي لليوم" — قالت — "أجبتك عما سألت. والآن، عليك بالراحة. جرحك لم يشفَ بعد."
توجهت نحو الباب، لكنها توقفت للحظة. أدارت رأسها نحوه، وكانت عيناها تحملان نظرة مختلفة. لم تكن نظرة الطبيبة فقط، بل نظرة من يحاول فهم شيء لا ينسجم.
— "إيريك" — قالت، وكان صوتها أكثر جدية مما توقع — "سأخبرك بشيء."
عادت خطوة نحو السرير.
— "أنا طبيبة. أعرف متى تكون الإصابات حقيقية ومتى تكون… مدعاة. فحصت رأسك جيدًا. لم أجد أي أثر لرضة. لا كدمة، لا ورم، لا شيء. الجرح الوحيد في جسدك هو جرح كتفك. وفقدان الذاكرة لا يأتي من فراغ."
صمتت للحظة، وتركت كلماتها تترسب في الهواء. شعر يوسف بأن قلبه توقف للحظة. كانت عيناها تنظران إليه كأنهما تقرآن ما يخفيه.
— "لا تقلق" — أضافت، وصوتها عاد إلى الدفء لكنه كان دفئًا حذرًا — "لن أطردك في الشارع ولا أتركك للذئاب. أنت أنقذت حياتي في تلك الليلة، وهذا دين لا يُسدد بالظنون."
اقتربت خطوة أخرى، وخفضت صوتها.
— "لكن دعني أقول لك شيئًا: إذا كنت تخفي شيئًا، فلك الحق. هذا المكان… جعل كل منا يحمل أسرارًا لا يريد أن يشاركها. أنا لا أطلب منك أن تفضي بما تخفيه. فقط…"
توقفت، وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة.
— "فقط لا تكذب عليَّ في ما يخص صحتك. إذا كان رأسك لا يؤلمك، فلا تقل إنه يؤلمك. إذا كنت تتذكر شيئًا، فلا تقل إنك نسيته. لأنني إذا لم أعرف حقيقة حالتك، لن أستطيع علاجك بشكل صحيح."
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها كانت ابتسامة حزينة.
— "أنت لست أول من يفقد ذاكرته في هذه المدينة، ولن تكون آخر. بعضهم كان صادقًا، وبعضهم كان… متعبًا من الأسئلة."
وقفت هناك للحظة، تنتظر. كان يوسف يعرف أنها تمنحه فرصة للتراجع، للقول إنه كان يخفي شيئًا، للاعتراف بأن ذاكرته لم تضع بالكامل.
لكنه لم يستطع.
إذا اعترف الآن، سيسأل: من أنت حقًا؟ لماذا كنت ترتدي درع جندي؟ كيف وصلت إلى هنا؟ وماذا سيقول؟ الحقيقة؟ أنني جئت من عالم آخر؟ أنني لا أعرف حتى كيف وصلت إلى هنا؟
سيظنونه مجنونًا. أو سيعتبرونه خطرًا. أو ربما سيلقونه في زنزانة لاستجوابه.
نظر إليها بعينين صادقتين بقدر ما يستطيع.
— "لا أعرف ماذا أقول" — قال بصوت خافت — "كل ما أعرفه أنني لا أتذكر. ربما أنت على حق، ربما لا توجد إصابة في رأسي. لكن هذا لا يعني أنني أتذكر شيئًا. أشعر وكأن هناك جدارًا أبيض كبيرًا في رأسي، خلفه أشياء لا أستطيع الوصول إليها."
أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما.
— "أتذكر اسمي. أتذكر أني كنت بحارًا. أتذكر شاطئًا وغابة. وهذا كل شيء. لو كان بإمكاني أن أتذكر أكثر، لفعلت. صدقيني."
نظرت سيرين إليه طويلًا. كان هناك صراع في عينيها بين شك الطبيبة ورحمة الإنسان. ثم تنهدت.
— "حسنًا" — قالت، وصوتها كان هادئًا — "سأصدقك. ليس لأن الأدلة تقول بذلك، بل لأنني أختار أن أصدقك."
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيها تمامًا.
— "عندما تستعيد عافيتك، ربما تعود الذاكرة من تلقاء نفسها. أو ربما لا. المهم الآن أن ترتاح."
توجهت إلى الباب، وفتحته، ثم توقفت للحظة.
— "إذا احتجت شيئًا، هناك جرس صغير على المنضدة. فقط اسحبه."
وخرجت بهدوء، تاركة الباب مواربًا قليلًا.
---
أغلق يوسف عينيه. كان متعبًا. متعبًا من الألم، من الكذب، من الأسئلة التي لم يجرؤ على طرحها، من الإجابات التي لم يكن يريد سماعها.
إيريك، فكر. اسمي الآن إيريك. بحار تائه فقد ذاكرته.
لكن سيرين لم تصدقه تمامًا. كان واضحًا في عينيها. كانت تراقبه، تحلل كلماته، تزن صدقه. ولو أنها قررت أن تتركه الآن، فماذا ستفعل غدًا؟ أو بعد غد؟
تساءل إن كان سينجح في خداعها على المدى الطويل. تساءل إن كان سينجح في إيجاد طريق للخروج من هذا المكان. تساءل إن كان سيرين ستبقى طبيبته اللطيفة، أم ستتحول إلى خصم يقف في طريقه.
لكن التعب كان أقوى من كل الأسئلة. أخذ نفسًا عميقًا، وشم رائحة الأعشاب من القماش الذي مسحت به جبينه، ورائحة الصوف النظيف الذي يغطيه.
للمرة الأولى منذ أيام، شعر بالأمان. ولو مؤقتًا. ولو كان مبنيًا على كذبة لم يقتنع بها أحد.
انطفأت أفكاره واحدة تلو الأخرى، وسقط في نوم عميق، خالٍ من الأحلام.
---
نهاية الفصل السادس عشر
---