الفصل السابع عشر: دخان وسيجارة

---

في غرفة متوسطة الحجم، يخيم عليها ظل دائم لا تغادره الشمس إلا في ساعات الظهيرة القصيرة.

النافذة الوحيدة صغيرة، مغطاة بستارة من جلد معالج، لا تسمح بدخول الضوء إلا على مضض، فيتسلل منها خيوط باهتة تكاد لا تكفي لتبديد العتمة.

الجدران مبنية من حجر رمادي خشن، لم تُطلى منذ زمن بعيد، فتراكمت عليها طبقات من الغبار أعطتها لونًا موحدًا يخفي معالمها الأصلية. السقف منخفض، تتدلى منه قناديل نحاسية صدئة لا تضاء أبدًا، وكأن صاحب الغرفة يفضل الظلام على النور.

على أحد الجدران، خلف مكتب خشبي ضخم مشوه الخشونة، تنتصب رفوف من خشب البلوط الداكن. لكنها لا تحمل كتبًا. بدلًا من ذلك، تصطف عليها جماجم لمخلوقات غريبة: جمجمة لأفعى ضخمة، فكّاها منفصلان يظهران صفين من الأنياب الملتوية؛ وأخرى لحيوان لا يعرفه أحد، لها قرون متعرجة وثقب دائري في وسط الجبهة؛ إلى جانبها عظام طويلة منحنية، ربما أضلاع مخلوق بحري، معلقة بخيوط جلدية تتدلى مع كل نسمة هواء.

تفوح الغرفة برائحة التبغ الجاف والجلد القديم، ورائحة الزمن نفسه. الأرضية مغطاة بسجادة بالية، ألوانها بهتت وأطرافها تآكلت، لكن آثار دماء قديمة لا تزال واضحة على زواياها — بقع داكنة لا يمحوها الزمن.

في منتصف هذه الغرفة، على كرسي مهترئ يئن تحت أي حركة، كان الرجل مستلقيًا. جسده الطويل النحيل ممدد على ظهر الكرسي، ورجلاه مرفوعتان على المكتب الخشبي، متشابكتان عند الكعبين. قبعته السوداء واسعة الحافة مطبقة على وجهه، تغطي عينيه وجزءًا من أنفه، فلا يُرى منها سوى ذقنه المدببة التي تخفيها لحية خفيفة لا تزال في طور النمو، لونها بني فاتح يمتزج مع شعر رأسه البني المتساقط على كتفيه.

يداه متشابكتان على صدره، وأصابعه الطويلة النحيلة لا تكاد تتحرك. تنفسه منتظم، هادئ، كأنه غارق في حلم لا يريد أن يستيقظ منه. كل شيء في وضعه يوحي بالاسترخاء التام، كأن هذه الغرفة المظلمة المحاطة بالجماجم هي أهدأ مكان في العالم.

ثم جاء الصوت.

طرق الباب. خفيف في البداية، متردد، كمن لا يريد أن يزعج لكنه مضطر.

لم يتحرك الرجل.

طرقة ثانية. أقوى قليلًا، أكثر إصرارًا. ارتجت أضلاع المخلوق البحري المعلقة على الحائط، وتحركت قليلًا.

لا رد.

طرقة ثالثة. وهذه المرة، كان الصوت مصحوبًا بصوت بشري:

— "أيها القائد، أعلم أنك هنا."

تذمر الرجل تحت قبعته. تحركت أصابعه على صدره، لكنه لم يرفع القبعة. بدا وكأنه يزن في داخله أمرين: البقاء في حلمه الجميل، أو مواجهة العالم الذي لا يريد تركه وشأنه.

تنهد. تنهيدة طويلة، خارجة من أعماق صدره.

— "ادخل."

رفع القبعة عن وجهه ببطء، وهو يجلس في كرسيه دون أن ينزل رجليه عن المكتب. عيناه الخضراوان، اللتان كانتا مغلقتين للحظات، فتحتا الآن على عالم لا يريد رؤيته.

كانتا عينين غائرتين، تحيط بهما هالات سوداء من أرق قديم، لكن فيهما بريقًا حادًا لا تخفيه ظلال التعب.

فتح الباب على مصراعيه، ودخل رجل.

كان في الثلاثين من عمره على الأرجح، لكن ملامحه تجعله يبدو أكبر. جسده ممتلئ بعض الشيء، لكن العضلات تحت ملابسه كانت واضحة، كمن يحتفظ بلياقة مقاتل رغم ميله للراحة. وجهه عريض، مدور، لكنه ليس وجهًا بسيطًا؛ فيه خطوط دقيقة تبدأ من جانبي أنفه وتنتهي عند زوايا فمه، كمن اعتاد على التعبير عن السخرية أكثر من الابتسام.

شعره أسود طويل، منسدل على كتفيه، لم يربطه أو يجمعه، بل تركه يتساقط كما يشاء. لم يكن شعرًا ناعمًا، بل خشنًا كثيفًا، فيه شيء من عراقة الرجال الذين لا يهتمون بمظهرهم.

كان وجهه يبدو مرهقًا، ليس من التعب الجسدي بل من شيء أعمق. عيناه البنيتان العميقتان كانتا تحملان ظلالًا داكنة تحتهما، كمن لم ينم جيدًا منذ أسابيع. في عينيه شيء من الضجر المزمن، كأنه رأى ما يكفي من الحياة ليعرف أنها لن تقدم له شيئًا جديدًا.

ملابسه كانت مختلفة عن العابرين في الشوارع. كان يرتدي سترة جلدية سوداء، مزخرفة بأنماط معقدة: رموز محفورة بدقة على طول الأكمام وحول الياقة، بعضها هندسي متكرر، وبعضها الآخر يشبه كتابات قديمة لا تُقرأ بسهولة.

على صدره، فوق قلبه مباشرة، كان هناك شعار مدينة فورسن المحصنة — برجين متقابلين وسيف عمودي بينهما — مطبوعًا بالفضة على الجلد الأسود.

هذه السترة لم تكن عادية، بل كانت بذلة رسمية لرتبة عالية، فيها من الزخرفة والتفاصيل ما يشير إلى أن صاحبها ليس مجرد جندي عادي.

حزامه الجلدي العريض كان يحمل خنجرين، غمداهما مصنوعان من نفس جلد السترة، ومنقوشان برموز متطابقة. الخنجر الأيمن كان أقصر، بمقبض أسود بسيط، والخنجر الأيسر أطول قليلًا، ومقبضه مطعم بقطعة صغيرة من العقيق الأحمر.

وجود الخنجرين على حزامه لم يكن عشوائيًا، بل مدروسًا، يلمح إلى أن هذا الرجل ليس غريبًا عن القتال، وأنه ربما يجيد استخدام اليدين معًا.

وقف الرجل في منتصف الغرفة، ويداه خلف ظهره، وكأنه في مهمة رسمية.

— "تحياتي يا قائد" — قال بصوت منخفض، فيه نبرة رسمية لا تخلو من شيء من الألفة — "لقد أتاك مرسوم بمهمة جديدة من مسؤولي الوحدة، وطلبوا مني…"

لكن كاليان لم يفتح عينيه. كان لا يزال مستلقيًا على كرسيه، رجلاه على المكتب، قبعته عادت إلى وجهه، كأنه لم يسمع شيئًا.

استمر الصوت يأتي من تحت القبعة، بنفس النبرة الهادئة:

— "لم أسمع شيئًا. يمكنك القراءة بصوت أعلى."

وقف الرجل هناك للحظة، ينظر إلى المشهد أمامه: قائد الفرقة الثانية عشر مستلقٍ على كرسيه كأنه في إجازة مدفوعة الأجر، وهو يحاول تسليمه مرسومًا رسميًا من مسؤولي الوحدة السابعة.

تنهد.

— "من ردّة فعلك" — قال الرجل، وهو يفتح المرسوم — "يبدو أنك لن تقرأه. لذلك سأقرأه لك."

رفع الورقة إلى مستوى عينيه، وبدأ يقرأ بصوت واضح، مع نبرة رسمية حاول أن يجعلها جادة:

— "من جنرال بارليون ومسؤولي الوحدة السابعة إلى قائد الفرقة الثانية عشر من الوحدة السابعة لمدينة فورسن المحصنة. نأمرك بتنفيذ الأوامر دون أي تخاذل أو توانٍ.

وهذه الأوامر تقتضي بالتحقيق في الأحداث الغريبة الحاصلة في الآونة الأخيرة، وبالأخص في البوابة الشرقية، التي كادت أن تخترق دفاعاتها بسبب الهجوم المفاجئ من الذئاب الرهيبة.

لذلك، مهمتك هي التحقيق في سبب الهجوم، وسبب وصول هذه المخلوقات إلى حدود هذا المكان."

رفع الرجل رأسه بعد أن انتهى من القراءة.

— "لقد انتهيت، أيها القائد."

لكن كاليان لم يكن في الغرفة.

كان الكرسي لا يزال مهتزًا قليلًا من حركة النهوض، والقبعة كانت ملقاة على المكتب بدلًا من وجهه، والغرفة كانت فارغة.

وقف الرجل هناك للحظة، يتأرجح بين الدهشة والغضب. أدار رأسه يمينًا ويسارًا، كأنه يتوقع أن يجد كاليان مختبئًا خلف الرفوف أو تحت المكتب.

— "تبًا" — تمتم — "لماذا أعاني مع هذه الشخصية الغريبة التي يملكها هذا الرجل؟"

أعاد المرسوم وطواه بعصبية.

— "كان بإمكانه على الأقل أن يوقفني عن القراءة قبل أن يخرج. لكن لا، يترك الرجل يقرأ المرسوم كله ثم يختفي. ثم يقولون إنني أصبحت مجنونًا بسرعة. هذا هو السبب. لا وجود للاحترام في هذه الوحدة."

خرج من الغرفة وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة، وترك الباب مفتوحًا خلفه.

---

كان كاليان واقفًا على سطح المبنى.

لم يكن السطح مصممًا للاسترخاء، بل كان مسطحًا خشنًا من الحجر الرمادي، تحيط به جدران منخفضة لا تصل إلى الخصر.

على إحدى هذه الجدران، ضل كاليان جالسًا، رجلاه تتدليان في الهواء، ويداه مشغولتان بسجارة لم تكد تبدأ. كانت الرياح الخفيفة تعبث بدخانه، فترفعه في دوامات صغيرة قبل أن يذوب في الفضاء.

كان السطح في أعلى مبنى من ثلاثة طوابق، وهو ليس مرتفعًا بما يكفي لرؤية المدينة كلها، لكنه مرتفع بما يكفي لرؤية ما يكفي. من هنا، كان كاليان يطل على المنطقة الشمالية الشرقية من فورسن، حيث تعيش المدينة حياتها اليومية كما تفعل كل يوم.

تحته، الشارع الرئيسي يمتد كشريان مزدحم، تفصل بين جانبيه صفوف من العربات الصغيرة التي ينصبها الباعة المتجولون كل صباح ويحزمونها مع غروب الشمس.

كان الجو كما هو دائمًا في هذا الوقت من النهار — لا حارًا ولا باردًا، نسيم خفيف يحمل روائح متعددة: رائحة الخبز الطازج من الفرن القريب، ورائحة الجلود المدبوغة من دباغة على بعد مبنيين، ورائحة الفواكه الناضجة التي ينادي عليها بائع بصوت أجش:

— "فواكه طازجة! تعالوا واشتروا! لدينا خصم جيد اليوم، لا تفوتوه!"

خلفه، كانت عربة أخرى تمر، محملة بأقمشة ملونة ترفع في الهواء كأعلام صغيرة. صاحبها كان رجلًا عجوزًا لا يعلن عن بضاعته بصوت عالٍ، بل يمر بهدوء ويدع الأقمشة تتمايل على أعين المارة. فيقف بعضهم لينظر، يلمس القماش بين أصابعه، ثم إما يشتري أو يمضي.

وهكذا كانت الحياة في هذه المنطقة — دائمة الحركة، دائمة الضجيج، دائمة التغيير. الشوارع هنا لم تعرف الهدوء أبدًا. منذ الفجر حتى الغسق، كان الباعة يتعاقبون، والعربات تتزاحم، والأصوات تتداخل في سيمفونية عشوائية لا يضبط إيقاعها أحد.

المنطقة الشمالية الشرقية من فورسن كانت القلب التجاري للمدينة. هنا السوق الكبير، شريان الاقتصاد الأول، المكان الذي يلتقي فيه البائع والمشتري، الفقير والغني، العامي والنبيل. كان السوق يمتد عبر سبعة شوارع متفرعة من ساحة مركزية، تشتبك فيها الأزقة الضيقة مع الممرات الواسعة، وكأنها متاهة مصممة لتبقي الزائر فيها أطول وقت ممكن.

هذا السوق لم يكن مجرد مكان للبيع والشراء؛ كان عصب الحياة في فورسن. فيه كانت تتم جميع التجارات الداخلية، من المواد الغذائية إلى الملابس، من الأدوات البسيطة إلى التحف النادرة.

التجار يتعاملون بكل أنواع البضائع، ما عدا المحظور منها — وهي قائمة طويلة تحكمها نقابة التجار ومجلس المدينة معًا. أي تاجر يُضبط يتاجر ببضاعة محظورة كان مصيره الطرد من السوق أولًا، ثم السجن ثانيًا.

أما الشريان الاقتصادي الثاني للمدينة، فكان السوق المركزي الذي يقع في الجزء الغربي، قريبًا من البوابة الرئيسية. ذلك السوق كان مختلفًا تمامًا. لم يكن مكانًا للتجارة الداخلية، بل كان بوابة فورسن إلى العالم الخارجي. فيه كانت تتم المعاملات التجارية مع المدن الأخرى والقرى المجاورة. كانت البضائع تأتي من خارج فورسن لتمر عبر هذا السوق، حيث تخضع للتفتيش والتدقيق والضريبة، قبل أن تنتقل إلى الأسواق الداخلية.

السوق المركزي أقل ازدحامًا من السوق الكبير، لكنه كان أكثر ثراءً. فيه كانت تُباع البضائع التي لا تُرى في أي مكان آخر: الحرير القادم من مملكة لاينهارت، والتوابل المستوردة من الموانئ البعيدة، والآلات الدقيقة التي يصنعها حرفيون لا يعرف أحد أسماءهم. كانت صفقاته تُبرم بعملات مختلفة، وبعضها بكميات من الذهب لا يراها المواطن العادي في حياته كلها.

من مكانه على السطح، كان كاليان يرى جزءًا من السوق الكبير يمتد أمامه كسجادة ملونة. و يراقب الحركة بعينين نصف مغمضتين، ليس لأنه لا يرى جيدًا، بل لأنه رأى هذا المشهد آلاف المرات. رأى الباعة الذين يغيرون أماكنهم كل يوم، ورأى الزبائن الذين يتكررون في أوقات محددة.

كان يعرف هذا الشارع جيدًا. يعرف متى يبدأ الزحام ومتى يخف، وأي بائع يضع بضاعته الجيدة في المقدمة وأي بائع يخفيها خلف أخرى رديئة. كان كل شيء هنا مألوفًا، متوقعًا، رتيبًا.

وهذا بالضبط ما كان يريده.

أخرج سيجارة أخرى من علبة جلدية بالية في جيبه الداخلي، وضعها بين شفتيه وأشعلها بعود كبريت لا يزال لهيبها يتلوى في مهب الريح. كانت هذه السيجارة الثالثة. أو الرابعة. لم يعد يتذكر.

كان كاليان مدمنًا على التبغ منذ سنوات. لم يبدأ اليوم، ولم يكن ينوي التوقف غدًا. ضلت السجائر رفيقه الدائم، في الصباح قبل أي شيء، وفي المساء بعد كل شيء. هو لا يستطيع أن يبدأ يومه دون أن يدخن أربعًا أو خمسًا، واحدة تلو الأخرى، في صمت لا يقطعه سوى دخان يتصاعد ويزول.

هذه الطقوس الصباحية هي ما يهيئه لمواجهة العالم. أول سيجارة كانت لتوقظه من نومه، والثانية لترتب أفكاره، والثالثة لتهدئ أعصابه، والرابعة لتذكره بأن اليوم سيمر مثل كل الأيام.

لكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف.

وصل إلى آخر سيجارة في يده — الرابعة — وأطفأها على الحائط الحجري ببطء. ثم وضع يده في جيبه ليخرج الخامسة، كما يفعل كل يوم.

لكن يده توقفت.

شعر بشيء غريب. شعور لم يألفه. شعور بالاكتفاء. كان جسمه يقول له: كفى. أربع كافية اليوم. لا حاجة إلى الخامسة.

تردد للحظة. نظر إلى العلبة في يده. كانت هذه المهمة — التحقيق في البوابة الشرقية — لم تكن كأي مهمة. كان هناك شيء في صيغة المرسوم، شيء في نبرة الرجل الذي قرأه، جعله يشعر بأن هذه المهمة مختلفة. ربما كان ذلك هو سبب توقف يده.

أعاد العلبة إلى جيبه.

— "يبدو أن وقت التحرك قد حان" — قال لنفسه بصوت منخفض.

قفز من على الحائط بخفة لا تتناسب مع طوله النحيل، وهبط على أرض السطح دون أن يصدر صوتًا يذكر. مشى نحو فتحة السلم الضيقة التي تؤدي إلى داخل المبنى، واختفى في ظلام الدرج.

---

نزل كاليان إلى الطابق الأول عبر درج خشبي يئن تحت خطواته. كان المبنى قديمًا، وجدرانه مطلية بلون بيج باهت تقشر في كثير من الأماكن، وكشف عن الحجر الرمادي تحته.

كانت رائحة الخشب العتيق والغبار تسود المكان، ممزوجة برائحة التبغ التي يبدو أنها علقت في كل شيء.

في الطابق الأول، كانت قاعة الاستقبال. لم تكن قاعة بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل غرفة متوسطة الحجم، أوسع قليلًا من غرفة كاليان في الأعلى، لكنها أكثر حياة.

الجدران هنا كانت مطلية بلون كريمي فاتح، والستائر على النوافذ كانت بيضاء نظيفة، تسمح بدخول الضوء بحرية. الأرضية مغطاة بسجادة كبيرة بلون بني داكن، منقوشة بأشكال هندسية بسيطة، وفي وسطها أريكة جلدية طويلة تتسع لثلاثة أشخاص، وكرسيان مفردان على جانبيها.

على أحد الجدران، كان هناك رف كتب صغير يحوي بعض المجلدات القديمة وملفات من الورق المقوى. إلى جانبه، لوحة خشبية صغيرة مكتوب عليها شعار الوحدة السابعة — درع دائري تحته سيفان متقاطعان — وعلى الجدار المقابل، نافذتان كبيرتان تطلان على الشارع.

في وسط هذه القاعة، على الأريكة الجلدية الطويلة، كان هناك رجل جالس.

كان نحيفًا جدًا، نحافة تجعل ملابسه تبدو فضفاضة عليه رغم أنها كانت مقاسه على الأرجح. جسده طويل، وأطرافه نحيلة، كأنه خلق من قضبان متصلة. كان جالسًا منحنياً قليلًا، وظهره مقوس نحو الأمام، كمن اعتاد على الجلوس هكذا لساعات طويلة.

شعره أسود مموج، ليس مجعدًا لكنه ليس أملسًا أيضًا، يتساقط على كتفيه ووجهه بطريقة فوضوية، كمن لم يهتم بتمشيطه منذ أيام. وجهه حنطي اللون، فيه شيء من صفرة طفيفة تحت العينين تدل على قلة نوم أو مرض قديم. ملامحه متعبة، لكنها ليست ملامح شاب، بل ملامح رجل في الأربعينات من عمره على الأقل.

هناك تجاعيد دقيقة تبدأ من جبهته وتمتد إلى أعلى رأسه، وتجاعيد أخرى أعمق حول فمه وعينيه، كمن قضى عمره في التحديق في أشياء بعيدة أو في التفكير العميق.

على وجهه، بالقرب من أنفه، كانت هناك شامة سوداء صغيرة، لا تكاد تُرى من بعيد، لكنها كانت موجودة هناك، تمنح وجهه طابعًا خاصًا لا يُنسى بسهولة. أنفه طويل مستقيم، وعيناه بنيتان داكنتان، غائرتان في محاجرهما كمن لم يغمض لهما جفن منذ أيام.

كان يرتدي بنطالًا بنيًا من قماش سميك، وقميصًا رماديًا بأزرار خشبية. فوق القميص، كان هناك سترة خفيفة من الجلد، ليست فاخرة مثل سترة كاليان، لكنها تحمل نفس الرمز على الكتف — رمز الوحدة السابعة — دائرة صغيرة محفورة على قطعة من النحاس مثبتة على الكتف الأيسر.

في يديه، كان يحمل دفترًا صغيرًا مغطى بغلاف جلدي، وقلمًا رفيعًا من قصب. كان يكتب شيئًا بتركيز شديد، وشفتاه تتحركان قليلًا وكأنه يقرأ ما يكتب بصمت. كانت أوراق الدفتر مليئة بكتابة صغيرة متقاربة، وبعض الهوامش الجانبية، وبعض الخطوط والأسهم التي تشير إلى شيء ما.

لم يرفع رأسه عندما سمع خطوات كاليان تنزل من الدرج. ظل مركزًا في كتابته، كأن ما يكتبه أهم من أي شيء آخر في العالم.

اقترب كاليان منه ووقف أمام الأريكة، منتظرًا. لكن فارن لم يرفع رأسه.

— "فارن" — قال كاليان بصوت هادئ.

رفع فارن إصبعه السبابة في الهواء، كمن يقول "انتظر لحظة"، دون أن يرفع عينيه عن الدفتر. ظل يكتب لعدة ثوانٍ أخرى، ثم أنهى جمله الأخيرة، وأغلق الدفتر ببطء، ورفع رأسه.

كانت عيناه بنيتين داكنتين، غائرتين في محاجرهما، لكنهما كانتا حادتين. نظرهما كان مباشرًا، ثاقبًا، كمن يرى أكثر مما يراه الآخرون.

— "استعد، فارن" — قال كاليان دون مقدمات — "لدينا مهمة."

نظر فارن إليه بدهشة خفيفة، كمن سمع شيئًا لم يتوقعه. رفع حاجبيه قليلًا، ووضع الدفتر إلى جانبه على الأريكة.

— "مهمة؟" — قال بصوت منخفض، فيه نبرة من الغرابة — "من الغريب أن أسمع هذا منك يا قائد. ألم تكن منقطعًا عن أداء مهامك لفترة؟"

لم يجب كاليان مباشرة. مد يده إلى جيبه الداخلي، وأخرج علبة السجائر، وفتحها، ثم أعادها إلى جيبه دون أن يخرج واحدة. كان هذا الفعل غريبًا حتى بالنسبة له.

— "للأسف" — قال أخيرًا — "كان هذا هو الحال منذ مدة. لكن أولئك العجزة لا يريدون مني أن أرتع."

تغيرت ملامحه قليلًا عند ذكر "العجزة". أصبح وجهه أكثر صلابة، وعيناه أضيق، كمن تذكر شيئًا مرًا لا يريد أن يتذكره. في أعماقه، كان يعرف أن الانقطاع عن العمل لم يكن مجرد كسل.

كانت هناك أشياء حدثت، أشياء جعلته يبتعد، يفضل صمت غرفته المظلمة على ضجيج العالم. لكنه لم يكن مستعدًا للحديث عن ذلك. ليس الآن. ربما ليس أبدًا.

— "الآن" — قال، وهو يعدل قبعته السوداء على رأسه — "دعك من الكلام الذي لا طائل له. اذهب لاستدعاء ريلا للمهمة. سنلتقي عند البوابة الشرقية."

استدار وخرج من القاعة دون أن ينتظر ردًا. ترك فارن جالسًا على الأريكة، ينظر إلى الباب المغلق، ثم إلى الدفتر الذي وضعه جانبًا.

— "ريلا أيضًا" — تمتم لنفسه، وهو ينهض من الأريكة — "يبدو أن العجزة أرسلوا شيئًا مهمًا هذه المرة."

أخذ الدفتر وقلمه، ووضعهما في حقيبة جلدية صغيرة كانت معلقة على ظهر الكرسي. ثم خرج من القاعة في الاتجاه المعاكس، وخطواته السريعة تخفت في ممر المبنى الطويل.

---

نهاية الفصل السابع عشر

---

2026/03/28 · 1 مشاهدة · 2657 كلمة
نادي الروايات - 2026