الفصل الثامن عشر: أرض السافلين
---
خرج كاليان إلى الشارع. كان الزحام في ذروته الآن، والناس يتدفقون في كل اتجاه وكأنهم مجرى نهر انشطر إلى قنوات لا تعد. كان المشي هنا لا يتطلب قدمين فقط، بل صبرًا لا ينفد، ومهارة في المراوغة بين الأجساد التي لا تكف عن الحركة.
كانت خطواته سريعة واثقة. لم يكن ينظر إلى الأرض مثل معظم المارة، بل كان رأسه مرفوعًا، وعيناه تتحركان ببطء، تراقبان كل شيء دون أن يبدو ذلك واضحًا.
مر ببائع متجول على طرف الرصيف، كان جالسًا على كرسي خشبي منخفض، أمامه صندوق خشبي مفتوح. عندما رآه البائع، نهض من مكانه بسرعة، ورفع يده مناديًا:
— "يا قائد! لقد وصلت طلبيتك الخاصة التي وصيتني عليها قبل أيام!"
توقف كاليان، وأدار رأسه نحو الصندوق. كان البائع رجلًا صغيرًا في الأربعينات، وجهه مدور ومتجعد، ويداه صغيرتان سمينتان تتحركان بسرعة عندما فتح الصندوق ليُري محتوياته.
لكن كاليان لم ينظر إلى الصندوق.
— "دعها عندك" — قال بصوت هادئ — "سآخذها في وقت آخر."
غمز البائع بعينه، كمن يفهم شيئًا غير مفهوم.
— "يبدو أن القائد مشغول على غير العادة" — قال البائع، وهو يغلق الصندوق — "لكن لا دخل لي، ما دام سيأخذها في كلتا الحالتين. هذا النوع من المنتوجات يخرب بسرعة، يصعب المتاجرة به. على عكس التبغ العادية، هذه تبقى شهورًا إذا خزنت بالطريقة الصحيحة."
رفع الصندوق وأظهر الجانب الآخر منه. كان مكتوبًا عليه بحروف واضحة: "تبغ فولكينو — إنتاج خاص".
أدار كاليان ظهره للبائع دون أن يعلق، واستمر في طريقه.
الآن، كان يتجه جنوبًا، نحو المناطق المحيطة بالبوابة الشرقية. كلما ابتعد عن مركز السوق الكبير، كانت الشوارع تتسع قليلًا، وكانت حركة الناس تصبح أقل كثافة. لكن الفرق الحقيقي لم يكن في الزحام فقط، بل في كل شيء.
المنطقة الشمالية الشرقية حيث كان كاليان يقيم كانت مختلفة عن باقي المدينة. شوارعها مرصوفة بالحجارة المصقولة، والأرصفة مبلطة بأحجار رمادية منتظمة، تعطي المشاة مساحة مريحة للحركة.
المباني هناك كانت مبنية بحجر رمادي فاتح، تتخلله أعمدة حجرية في الواجهات، ونوافذ مقوسة تعلوها زخارف جصية بسيطة. كان هناك إحساس بالتنظيم والانسجام في التصميم، كأن من بنى هذه المنطقة كان يفكر في الجمال بقدر ما يفكر في الوظيفة.
أما المنطقة الجنوبية الشرقية، حيث البوابة، فكانت مختلفة تمامًا.
هنا، اختفت الحجارة المصقولة، وحلت محلها طرقات ترابية تتطاير منها الغبرة مع كل خطوة. الأرصفة إن وجدت كانت مجرد حافة ترابية مرتفعة قليلًا، لا فرق بينها وبين الطريق.
المباني هنا كانت مبنية من الطوب اللبن والخشب، بعضها مائل قليلًا، وبعضها الآخر تبدو جدرانه غير مكتملة. لا زخارف، لا أعمدة، لا نوافذ مقوسة. مجرد جدران عارية، وأبواب خشبية بسيطة، وأسقف من القش أو الصفيح.
هنا، كان الهواء مختلفًا أيضًا. لم تعد رائحة التوابل والخبز الطازج هي المسيطرة، بل رائحة التراب والطين، ورائحة الحيوانات التي تمر أحيانًا، ورائحة الطبخ الرخيص التي تفوح من بيوت متلاصقة لا تكاد تفصل بينها جدران.
كان هذا هو الوجه الآخر لفورسن. الوجه الذي لا يراه زوار المدينة، ولا يتحدث عنه التجار في سوقهم الكبير. هنا يعيش من لا يملكون ما يكفي ليعيشوا في الشمال. هنا تتراكم الأجساد في بيوت لا تتسع لهم، وتختلط الروائح والأصوات في فوضى لا تنتهي.
كان كاليان يعرف هذه المنطقة جيدًا. كان يعرف أن البوابة الشرقية هي أضعف نقطة في دفاعات المدينة، ليس لأن حراستها أقل، بل لأن المنطقة المحيطة بها مزدحمة جدًا، وفوضوية جدًا، بحيث يصعب السيطرة عليها.
مشى ببطء الآن، لا يخترق الزحام كما كان يفعل في السوق، بل يتريث، يراقب. كان يلاحظ كل شيء: الباعة الجدد الذين لم يكن يراهم في زياراته السابقة، المتسولين الذين اتخذوا زوايا جديدة، الشبان الذين يقفون في مجموعات صغيرة على جوانب الطريق، أعينهم تتابع المارة بتكاسل مقصود.
كانت عيناه تتحركان ببطء منهجي، تمسحان الشوارع الجانبية، الأزقة الضيقة، الأسطح المنخفضة. كان يبحث عن أي شيء غير طبيعي. أي شيء لا ينتمي إلى هذا المشهد الذي رآه مئات المرات.
بدأ يسأل.
توقف عند دكان صغير على الجانب الأيمن، كان صاحبه رجلًا عجوزًا يجلس خلف منضدة خشبية، يبيع أدوات منزلية بسيطة.
— "هل شهدت الهجوم الذي وقع عند البوابة قبل أيام؟" سأل كاليان، وصوته هادئ لكنه واضح.
هز الرجل العجوز رأسه.
— "لا يا سيدي، لم أكن هناك. أنا لا أحضر مراسم الجنازة أبدًا. كلها كآبة وحزن، لا خير فيها."
لم يعلق كاليان على إجابة الرجل، فقط أومأ برأسه ومضى.
توقف عند دكان آخر، هذه المرة كان دكان زهور. صاحبه كان شابًا في العشرينات، وجهه مليء بالنمش، وشعره أحمر كثيف. كان يبيع باقات صغيرة من زهور برية، موضوعة في دلاء من الصفيح أمام دكانه.
— "هل رأيت شيئًا غير طبيعي قبل أيام؟ قبل الهجوم؟"
ضحك الشاب، وكأن السؤال أضحكه.
— "مبيعاتي انفجرت في ذلك اليوم، يا سيدي!" — قال بحماس — "كثرة الناس تعني كثرة المشترين، وكثرة المشترين تعني كثرة الباقات. لو كان كل يوم مثل ذلك اليوم، لكنت اليوم أغنى رجل في فورسن!"
ضحك الشاب من كلماته، لكن ضحكته توقفت فجأة عندما رأى نظرة كاليان.
لم تكن نظرة غاضبة، لكنها كانت صلبة، باردة، كمن يقول "هذا ليس وقت المزاح". شعر الشاب بذلك فجأة، فتراجع خطوة إلى الوراء، ويداه بدأت تلعب بحافة منضدته بعصبية.
— "أنا آسف، سيدي" — قال بسرعة — "آسف إذا كنت أزعجتك. لم أقصد…"
— "لا بأس" — قال كاليان، وصوته لم يتغير — "هل رأيت شيئًا أم لا؟"
— "لا، لا شيء، سيدي" — قال الشاب، وهو يهز رأسه بقوة — "كل شيء كان طبيعيًا. لا شيء غريب."
ابتعد كاليان عن دكان الزهور دون أن يضيف كلمة، واستمر في طريقه.
---
كان على وشك التوجه إلى دكان ثالث عندما سمع صوتًا خلفه:
— "سيدي… سيدي!"
التفت فرأى صبيًا صغيرًا يركض نحوه، وجهه أحمر من الجري، وأنفاسه متقطعة. كان الصبي يرتدي قميصًا ممزقًا وسروالًا قصيرًا، وقدماه حافيتان. توقف أمام كاليان، وانحنى يلتقط أنفاسه.
— "سيدي" — قال والصبي لا يزال يلهث — "إن… إن السيد ألفريد، صاحب متجر الكتب في التقاطع الثالث، يقول إن لديه بعض المعلومات المثيرة حول… حول ما تبحث عنه."
كان الصبي قد توقف عن اللهاث، وكان ينظر إلى كاليان بعينين واسعتين، تنتظر. في يده الممدودة، كان هناك شيء من الترقب، شيء يقول "لقد أنجزت ما طلب مني، والآن حان دورك".
أخرج كاليان من جيبه قطعتين نحاسيتين صغيرتين. كانتا تحملان نقشًا لرجل يرتدي تاجًا ويحمل صولجانًا في يده اليمنى — العملة المتداولة في فورسن. وضعهما في يد الصبي.
— "هذه لك" — قال.
ابتسم الصبي ابتسامة عريضة، وأخفى العملات في جيبه الداخلي بسرعة، وكأنه يخشى أن يراها أحد.
— "شكرًا، سيدي" — قال، ثم أدار ظهره وركض بعيدًا، وقدماه الحافيتان ترفعان الغبار خلفه.
تابع كاليان طريقه نحو التقاطع الثالث.
التقاطع الثالث كان مختلفًا عن باقي الشوارع التي مر بها. كان أوسع، وأكثر تنظيمًا، والمباني حوله كانت أفضل بناءً. هنا، لم تكن المحلات متلاصقة بشكل عشوائي، بل كان لكل متجر واجهة واضحة، واسم مكتوب فوق بابه.
كان متجر ألفريد للكتب يقع في زاوية التقاطع، وله واجهة مميزة تجعله سهل الاكتشاف. فوق بابه، كانت هناك لافتة خشبية كبيرة، مكتوب عليها بخط جميل: "ألفريد للكتب النادرة والجديدة".
كانت اللافتة مطلية باللون الأزرق الداكن، والحروف مذهبة، وهو ما جعلها تبرز بين اللافتات البسيطة للمحلات الأخرى.
الباب خشبي ثقيل، له مقبض نحاسي على شكل رأس حيوان لا يعرفه كاليان. فوق الباب، كان هناك جرس صغير معلق، يتدلى من سلسلة حديدية.
فتح كاليان الباب، فصدر الجرس رنينًا خفيفًا، ارتد في أرجاء المتجر ثم تلاشى.
كان المتجر من الداخل صغيرًا، لكنه مكتظ. الجدران الأربعة كانت مغطاة برفوف خشبية تمتد من الأرض إلى السقف، محملة بالكتب والمجلدات .
بعض الكتب كان ظهرها متجهًا إلى الخارج، وبعضها الآخر كان موضوعًا بشكل أفقي فوق الكتب الأخرى، وبعضها كان مكدسًا في زوايا الغرفة على الأرض. كانت رائحة الورق القديم والحبر والغبار تسود المكان.
في وسط المتجر، كانت هناك طاولة خشبية كبيرة، عليها عدة مجلدات مفتوحة، وبجانبها كرسي منخفض. وفي زاوية المتجر، كانت هناك ردهة استقبال صغيرة، تتسع لشخصين فقط.
لم يكن ألفريد في الردهة عندما دخل كاليان. كان الصوت يأتي من خلف أحد الرفوف، صوت خطوات خفيفة، وصوت أوراق تُقلب.
ثم ظهر.
كان ألفريد رجلًا قصير القامة، بالكاد يصل كتف كاليان. بنيته هزيلة جدًا، كأن جسده مكون من عظام رفيعة مغطاة بطبقة رقيقة من الجلد. كان وجهه شاحبًا، شحوبًا غير طبيعي، كمن لا يخرج من بيته أبدًا. بشرته شاحبة لدرجة أنها تكاد تندمج مع لون الجدران، وعروق زرقاء دقيقة تظهر تحت الجلد الرقيق حول عينيه وصدغيه.
كانت عيناه سوداوين، صغيرتين، ضيقتين، تتحركان بسرعة كأنهما تبحثان دائمًا عن شيء. أنفه رفيع ومدبب، وشفتاه رفيعتان تكادان تختفيان تحت شاربه الرمادي القصير. أسنانه صفراء، بارزة قليلًا، تظهر عندما يبتسم — وكان يبتسم كثيرًا، لكن ابتسامته كانت تثير شعورًا غريبًا، كأنه يبتسم ليس لأنه سعيد بل لأنه يعرف شيئًا لا تعرفه.
كان يرتدي باروكة شعر أسود، كثيفة، لامعة بشكل غير طبيعي. كانت الباروكة كبيرة على رأسه، بالكاد تلتصق، وكأنها ستطير في أي لحظة إذا هبت ريح قوية. تحتها، كان يمكن رؤية خصلات من شعره الرمادي الحقيقي تخرج من الجوانب.
ملابسه كانت نظيفة لكنها قديمة. سترة صوفية رمادية اللون، عليها بعض بقع الحبر القديمة التي لم تخرج بالغسل. بنطال بني غامق، وحذاء جلدي مهترئ لكنه مصقول جيدًا.
عندما رأى كاليان، تحرك نحوه بسرعة، وخطواته خفيفة كخطوات الطيور.
— "مرحبًا، أيها القائد كاليان" — قال بصوت عالٍ، فيه نبرة ترحيب مبالغ فيها — "يبدو أنك وصلت أسرع مما توقعت. كنت أظن أن الصبي سيضيع في الطريق، لكنه يبدو أكثر ذكاءً مما أعطيه من مال."
وقف كاليان في منتصف الردهة، لم يجلس، لم يحرك ساكنًا. نظر إلى ألفريد بنظرة مباشرة، دون أن يبتسم.
— "لقد سمعت أنك تملك بعض المعلومات حول الأحداث الحاصلة" — قال كاليان، دون أي مقدمات.
توقف ألفريد للحظة، وكأنه لم يتوقع أن يبدأ الحديث بهذه السرعة. ثم هز رأسه بحركة خفيفة، ووضع يديه خلف ظهره.
— "ليس لدي هذا النوع من المعلومات" — قال، وصوته أصبح أقل حماسة — "لا أملك معلومات عن الهجوم نفسه، ولا عن الذئاب، ولا عن الجنود الذين سقطوا. لكن…"
رفع إصبعه في الهواء، كمن يقول "هناك شيء مهم قادم".
— "هناك بضع أشياء غريبة كنت قد لاحظتها قبل عدة أيام. أشياء لا أستطيع تفسيرها. وإذا كنت تريد أن تعرفها…"
شكّل ألفريد دائرة بإبهامه وسبابته، ورفع يده قليلًا، كمن يطلب شيئًا. لم يكن بحاجة إلى أن يقول ما يريد. كل من يعرف ألفريد يعرف أن المعلومات عنده لا تُعطى مجانًا.
تنهد كاليان تنهيدة خفيفة، وأخرج من جيبه صرة صغيرة من العملات النحاسية، وألقاها في يد ألفريد. لم تكن كمية كبيرة، لكنها كافية لإرضاء جشع رجل مثل ألفريد.
اشتعل بريق عيني ألفريد. أخذ الصرة بيديه المرتجفتين، وبدأ يعد العملات بسرعة، وشفتاه تتحركان بصمت وهو يحسب. انتهى من العد، ووضع الصرة في جيبه الداخلي.
— "والآن" — قال، وصوته عاد إلى الحماسة — "سأخبرك بكل سرور."
نظر إلى كاليان، ثم إلى الأريكة الصغيرة في زاوية الردهة.
— "لكن ليس من حسن الضيافة أن أخبرك وأنت واقف هكذا. تعال، اجلس على الأريكة. سأحضر لك فنجانًا من الشاي الفاخر. ثم يمكننا…"
قبل أن يكمل جملته، نظر كاليان إليه بنظرة لم يحتج فيها إلى كلمات. كانت النظرة كافية لإسكات ألفريد.
— "لقد أخذت أموالك" — قال كاليان، وصوته هادئ لكن فيه حدة — "والآن أريد المعلومات فقط. لا شاي، لا أريكة، لا أحاديث جانبية."
ارتجف ألفريد قليلًا. شعر أنه تجاوز الخط، أو كاد. كان يعرف أن كاليان ليس رجلًا يمزح في مثل هذه الأمور.
— "حسنًا" — قال ألفريد بسرعة، وصوته أصبح جادًا — "سأعطيك المعلومات دون أي تمطيط."
تنحنح، ونظر إلى الأرض للحظة، ثم رفع عينيه إلى كاليان.
— "قبل عدة أيام، كنت جالسًا أمام المتجر" — بدأ ألفريد، وصوته أصبح هادئًا، كما لو كان يروي قصة مهمة — "أراقب المارة، كما أفعل كل يوم، أحاول جذب العملاء. في البداية، كان كل شيء طبيعيًا.
الناس تمشي ذهابًا وإيابًا، بعضهم يتوقف لينظر إلى الكتب، وبعضهم يمضي. ثم رأيت مجموعة من الأشخاص."
رفع يديه ورسم دائرة في الهواء.
— "كانت المجموعة مكونة من رجال ونساء وأطفال. ملابسهم كانت ممزقة، بالية، كأنهم لم يغيروها منذ شهور. كانوا يمشون حفاة، بدون أحذية. أقدامهم مغطاة بالغبار والجروح. منظرهم… كان مؤلمًا."
توقف ألفريد للحظة، وكأنه يسترجع الصورة في ذهنه.
— "استنتجت من ملابسهم ومن مظهرهم أنهم من سكان المنطقة الحمراء" — أضاف — "فلا وجود لأشخاص على شاكلتهم في المناطق الوسطى. المنطقة الحمراء فقط هي التي تنتج مثل هذه… المظاهر."
نظر إلى كاليان، كأنه ينتظر ردًا، لكن كاليان ظل صامتًا.
— "كانوا يمشون في الشارع" — تابع ألفريد — "والناس من حولهم يتفادون المرور من قربهم. لم أكن أعرف السبب في البداية. كنت أظن أن الناس يتجنبونهم فقط لأنهم من المنطقة الحمراء. لكن بعد ذلك…"
هز رأسه، وكأنه يتذكر شيئًا مقرفًا.
— "مروا من جانب دكاني. وفي تلك اللحظة، شممت رائحة. أقسم لك، أيها القائد، أنني لم أشتم في حياتي رائحة بسوء هذه الرائحة."
أغمض عينيه، وكأن الرائحة عادت إليه للحظة.
— "كان الأمر وكأن برازًا عفنًا لمخلوقات ميتة اختلط برائحة عطر قوي. الرائحة السيئة كانت طاغية، مسيطرة، لكن العطر كان قويًا أيضًا. كأنهم حاولوا تغطية الرائحة بعطر، لكن العطر لم يستطع إخفاءها. فقط مزج معها، وخلق شيئًا… شيئًا لا يوصف."
فتح عينيه، ونظر إلى كاليان.
— "حتى بعد أن مروا، بقيت الرائحة في الهواء لعدة دقائق. لم أستطع أن أتنفس بشكل طبيعي إلا بعد أن ابتعدت عن المكان."
ساد صمت قصير. كان كاليان لا يزال واقفًا، وجهه لا يعبر عن شيء.
— "حسنًا" — قال كاليان — "فلندع الرائحة جانبًا. ماذا بعد ذلك؟"
أخذ ألفريد نفسًا، وكأنه يستعد للجزء المهم من قصته.
— "بعد ذلك اليوم، كانت الأمور تمر بسلاسة. لا أحداث، لا غرائب. لكن بعد يومين، قرأت في الجريدة الأسبوعية خبرًا. قالوا إنه تم إلقاء القبض على مجموعة من الأشخاص في المنطقة الحمراء. أشخاص يزعم أنهم من أرض السافلين."
خفض صوته عند كلمة "أرض السافلين"، وكأنها كلمة لا ينبغي أن تُقال بصوت عالٍ.
— "وأنت تعرف خطورة سكان أرض السافلين، أيها القائد" — قال بصوت هامس تقريبًا — "بعضهم يقول إنهم شياطين على هيئة بشر. لا أعرف كيف دخلوا. البوابات مشددة الحراسة هذه الأيام. لكنهم كانوا هناك. في المنطقة الحمراء."
صمت ألفريد، وكأنه أنهى قصته. نظر إلى كاليان، ينتظر ردًا.
— "هذا كل شيء؟" — سأل كاليان.
— "هذا ما عندي" — قال ألفريد، وهز رأسه — "هذه هي المعلومات التي لاحظتها بنفسي. من رأيي المتواضع، أظن أن الحدثين مرتبطان.
هجوم الذئاب في البوابة الشرقية، وهؤلاء الأشخاص الغرباء الذين ظهروا قبل أيام. فسكان المنطقة الحمراء لا يخرجون منها إلا نادرًا. نادرًا جدًا. أن يخرجوا في نفس التوقيت الذي يحدث فيه هجوم كهذا… لا أظن أنها مصادفة."
نظر ألفريد إلى كاليان للحظة، ثم أدار ظهره، وأخذ يلعب بصرة النقود في جيبه.
— "والآن" — قال، وهو يتحرك نحو الرفوف — "سأتركك. لدي بعض الأعمال التي يجب أن أنجزها. شكرًا على الإكرامية، أيها القائد. وأتمنى أن تجد ما تبحث عنه."
بدأ يصفر بصوت منخفض، وهو يرتب بعض الكتب على الرف.
وقف كاليان هناك لحظة، يفكر. معلومات ألفريد لم تكن سيئة، لكنها لم تكن كافية. لم تكن هناك خيوط تربط الأحداث ببعضها بشكل واضح.
كان لديه مجموعة من الأجزاء: هجوم الذئاب، مجموعة غريبة في المنطقة الحمراء، رائحة كريهة، ثم اعتقال أشخاص من أرض السافلين. لكن كيف ترتبط هذه الأشياء ببعضها؟ وأين الخيط الذي يربطها بالهجوم الذي كاد يخترق البوابة؟
خرج من المتجر دون أن يودع ألفريد. وقف على الرصيف للحظة، وعيناه تتحركان ببطء على الشارع.
همس لنفسه:
— "أرض السافلين…"
رفع يده إلى جيبه ليخرج سيجارة، ثم تذكر اكتفاءه. ترك يده تخرج فارغة.
بدأ يمشي ببطء عائدًا نحو مركز المدينة. كان يفكر. وكانت عيناه لا تزالان تراقبان كل شيء.
اتجه نحو البوابة الشرقية. خطواته أصبحت أسرع. كان الوقت قد حان لبدء التحقيق حقًا.
---
نهاية الفصل الثامن عشر
---