الفصل التاسع عشر: ثعلب في شوارع الذهب

---

كان فارن مبتهجًا على غير عادته.

تلك الابتسامة التي اعتاد أصدقاؤه وصفها بـ"ابتسامة الثعلب" كانت اليوم مختلفة. فيها شيء من الدفء، شيء من الارتياح الحقيقي.

كان يمشي في شوارع المنطقة الشمالية الشرقية بخطوات خفيفة، وكأن قدميه لا تلامس الأرض، وكأن الوزن الذي حمله على كتفيه طوال السنوات الماضية قد خف فجأة.

لم يكن يعرف تمامًا لماذا يشعر بهذا الانشراح. ربما لأنه رأى كاليان يستيقظ من سباته الطويل.

ربما لأن الرجل العجوز الذي ظنه مات داخل قوقعته قرر فجأة أن يفتح النافذة ويدع الهواء يدخل. أو ربما لأن فارن نفسه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات دون أن يعترف بذلك حتى لنفسه.

كان كاليان، في نظره، أكثر من مجرد قائد. كان الأب الروحي الذي لم ينجبه، والمرشد الذي لم يطلب النصح منه أحد قط، لكنه كان يمنحه ببساطة دون أن ينتظر مقابلًا. وعندما انسحب كاليان، عندما أغلق بابه وترك المهام تتراكم والفرقة تتفكك، شعر فارن وكأن جزءًا من عالمه قد انطفأ. أما الآن، فذلك الجزء كان يعود إلى الحياة.

رفع رأسه نحو السماء. كانت زرقاء صافية، لا غيمة فيها، وكأن الطقس نفسه يشاركه الفرح. أشعة الشمس كانت دافئة على وجهه، ونسيم خفيف يهب بين الحين والآخر، حاملًا معه روائح المدينة المعهودة: الخبز الطازج، التوابل من دكان العطار، والجلود المدبوغة من الورشة خلف السوق.

كان الشارع حوله يعج بالحياة. عربات تجرها البغال تمر محملة بالخضار والفواكه، والباعة يرفعون أصواتهم في نداءات متداخلة. صوت بائع الرمان كان يعلو على الجميع: "يا حلاوة الرمان! رمان الشمال! حبّات مثل الياقوت!" وإلى جانبه، باعة الخبز يعرضون أرغفتهم الطازجة التي لا تزال تفوح برائحة الطحين .

كان الأطفال يركضون بين الأزقة الضيقة، يضحكون ويلعبون، يلهثون خلف الكرات المصنوعة من الخرق البالية. كانت أمهاتهم ينادينهم من الشرفات بأصوات متعبة لكنها حنونة. وكل شيء بدا لفارن مختلفًا اليوم. حتى رائحة العرق التي كانت تتصاعد من المارة حوله بدت له جزءًا من نسيج الحياة الطبيعي، دليلًا على أن الناس تعمل وتعيش وتتحرك.

ربما لم يكن العالم هو الذي تغير، بل هو من تغير بداخله.

كان يدندن بكلمات مبعثرة، لحنًا قديمًا لا يتذكر مصدره، ربما من أغاني الطفولة. صوته منخفض، بالكاد مسموع، لكنه كان هناك، يرتفع ويهبط مع خطواته. تمتم مبتسمًا لنفسه:

— "الجو مشمس… والرياح خفيفة… يا له من يوم بهيج."

وبينما هو سائر في غمرة سعادته، لمح فجأة شخصًا مألوفًا وسط الزحام. كان الرجل يسير في الاتجاه المعاكس، خطواته واثقة، ووجهه مرفوع بتلك الثقة التي لا يملكها إلا من عرف قيمته في هذه المدينة القاسية.

كان يرتدي درعًا لامعًا، ليس درع المعارك الثقيل، بل درع الاحتفالات والمناسبات الرسمية — فضي لامع عليه زخارف ذهبية على الأكتاف والصدر. لحيته قصيرة مشذبة بعناية، وشعره أصفر فاقع كشمس ، منسدل على كتفيه في خصلات كثيفة. عيناه زرقاوان بصفاء البحار، تحملان ثقل المسؤولية والثقة. بنيته القوية، مكتملة القامة، جعلته يبدو كأنه منحوت من صخر.

التفت الرجل نحوه فجأة، كأن غريزة ما نبهته إلى أن هناك من يراقبه. التقت أنظارهما، وتجمدت خطواتهما معًا.

— "فارن!"

— "جيرارد!"

انفجرا في ضحكة قصيرة، تلك الضحكة التي تجمع بين الدهشة والفرح. تقدم جيرارد بضع خطوات، وفارن فعل المثل.

قال فارن وهو يفتح ذراعيه بحرارة:

— "أيها الوغد الوسيم! لقد مرّت مدة طويلة منذ آخر مرة رأيت فيها وجهك القمحي!"

ضحك جيرارد ومدّ يده لمصافحته، لكن فارن تجاهل اليد وانقض عليه بذراعيه، ضامًا إياه في عناق خشن قصير.

— "يا للهول!" — قال جيرارد وهو يرد العناق بتردد ثم يبتعد — "ما زلت تصدم الناس بتصرفاتك الغريبة!"

— "الغريب أن أراك هنا" — قال فارن، وهو ينظر إلى صديقه القديم — "آخر مرة سمعت عنك كنت في القطاع الغربي. هل غيّرت موقع عملك؟"

أجاب جيرارد بابتسامة فخور:

— "لا. تمت ترقيتي إلى قائد إحدى فرق الوحدة الثامنة. القطاع الشرقي الآن تحت مسؤوليتي. إذا شئت، يمكنك اعتبارنا جيرانًا الآن."

اتسعت ابتسامة فارن. ضرب على كتف جيرارد بقوة:

— "مبارك لك يا أخي! أنت تستحق هذا وأكثر."

— "وأنت؟" — سأل جيرارد، وهو يحدق في فارن بتمعن — "أراك مبتهجًا على غير عادتك. آخر مرة رأيتك فيها كنت عابسًا مثل عجوز خسر ماله في القمار."

ضحك فارن:

— "فقط يبدو أني عدت إلى العمل نوعًا ما."

رفع جيرارد حاجبيه بدهشة واضحة.

— "لا تقل لي إن الحياة عادت لذاك الرجل… كاليان؟ الرجل الذي كان يرفض حتى أن يتثاءب في وجه مهمة رسمية؟"

ابتسم فارن وغمز بعينه:

— "لا أعرف يا صاح. لقد جاءني بشكل مفاجئ وأخبرني أن هناك مهمة. مع أنه طوال السنوات الماضية كان يرفض حتى أوامر القيادات العليا."

هزّ جيرارد رأسه غير مصدّق:

— "معجزة. لكنني سعيد لأجلك يا فارن. فقط مشكلتي الآن أن سعادتي لن تدوم طويلًا."

— "ولماذا؟"

تنهد جيرارد تنهيدة مسرحية:

— "تتذكر سهرة العام الماضي؟ تراهنّا أن فرقتكم لن تنهض أبدًا. والآن، بما أنكم عدتم، عليّ دفع ثمن ذلك الرهان الغبي."

انفجر فارن ضاحكًا:

— "تستحق ذلك! كان عليك أن تثق بنا قليلًا."

ضحك جيرارد ولوّح بيده:

— "حسنًا، أعترف بخسارتي. لكن لا تنسَ، أنا الآن قائد فرقة، وهذا وحده عزاء كافٍ."

ساد بينهما صمت قصير، تبادلا فيه نظرات مليئة بذكريات قديمة — أيام التدريبات القاسية، عندما كانا مجرد مجندين صغار يتقاسمان الخبز اليابس ويضحكان على ضيق أحذيتهما. أيام كانا يسرقان الدخان من مخازن الضباط ويهربان إلى سطح المبنى ليدخناه تحت النجوم.

قال جيرارد وهو يربت على كتف فارن:

— "أنا سعيد جدًا بلقائك. لنتواصل معي لاحقًا."

ثم أكمل سيره، لكن فارن ناداه:

— "انتظر!"

توقف جيرارد واستدار، فرآه يركض نحوه.

قال فارن وهو يلهث قليلًا:

— "لقد نسيت أن أسألك… هل ما زالت لديك تلك اللوحة الخشبية؟"

أشرق وجه جيرارد بابتسامة عريضة:

— "بالطبع! أحتفظ بها في خزانتي الخاصة. أتريدها الآن؟"

أومأ فارن برأسه، وفجأة بدت في عينيه نظرة حنين عميق.

— "أظن أن الوقت قد حان لأتخلى عن بعض من كبريائي."

أخرج جيرارد اللوحة من حقيبته الجانبية. كانت قطعة خشب قديمة، صغيرة، بالكاد بحجم كف اليد. لون الخشب تغير بفعل الزمن، وخطوط الكتابة بدأت تتلاشى، لكن الشعار المحفور في وسطها كان لا يزال واضحًا: دائرتان متقاطعتان تحتهما سيف، وتوقيعان بالكاد يُقرآن.

تسلمها فارن بحذر، كأنها شيء ثمين، ووضعها في جيبه الداخلي على صدره.

— "شكرًا لك" — قال، وصوته أخفض وأكثر دفئًا — "لا تنساني يا أخي."

ضحك جيرارد وربت على كتفه:

— "لا تخف. لن أنساك أبدًا."

افترقا. عاد جيرارد إلى طريقه، وفارن وقف مكانه لحظة، يده على جيبه حيث اللوحة الخشبية، ينظر إلى صديقه القديم وهو يبتعد.

كان جيرارد أكثر من مجرد صديق. كان رفيق درب، أخًا عرفه منذ أيام التجنيد الأولى قبل عشر سنوات. علاقة صمدت أمام الزمن، أمام الرتب، أمام تقلبات الحياة.

ابتسم فارن أخيرًا، وهمس لنفسه:

— "يبدو أن العالم لا يزال يخفي لي بعض المفاجآت. والآن، حان وقت متابعة بحثي عن ريلا."

---

ظل فارن يسير بين أزقة فورسن المتعرجة، مبتعدًا عن صخب السوق، متجهًا نحو شوارع النبلاء. كانت تلك المنطقة تبدو كعالم آخر منفصل عن واقع المدينة.

المباني هنا عالية، جدرانها ناصعة البياض، تطل على الشارع بشرفات من الحديد المزخرف، منمنمة بأنماط هندسية معقدة. حدائق صغيرة تتدلى من تلك الشرفات، نباتات متسلقة بألوان متعددة — أحمر، أرجواني، أبيض — ورائحة الياسمين والرياحان تملأ الجو بعطر ثقيل.

الشارع أوسع، وأرصفته مبلطة بحجارة بيضاء نظيفة. في الجانبين، محلات المعدات الثمينة: سيوف مذهبة تعرض خلف زجاج سميك كأنها تحف، دروع لماعة، مجوهرات براقة.

حتى الحلوى كانت مختلفة: قطع سكرية مصنوعة بأشكال معقدة — ورود، فراشات، قصور مصغرة — محفوظة في صناديق زجاجية مضاءة.

ابتسم فارن ساخرًا وهو يزاحم نفسه بين الأثرياء وخدمهم:

— "منطقتان في مدينة واحدة، وكأننا في كوكبين مختلفين. في مكان آخر الناس يبيعون دماءهم ليشتروا رغيفًا… وهنا يشترون قطعة حلوى تعادل راتب شهر."

انعطف بعدها إلى أزقة ضيقة متشابكة خلف الشارع الرئيسي. هنا اختفت الواجهات البيضاء، وحل محلها جدران رمادية متآكلة، وأبواب خشبية متهالكة، وأسقف منخفضة. كلما ابتعد، كان ضجيج النبلاء يبهت، ليحل محله همس الأزقة المظلمة وروائح الرطوبة.

ظل يلف بين تلك الأزقة حتى وقع على زقاق ضيق جدًا، يكاد لا يتسع لشخصين. جدرانه مرتفعة تحجب ضوء الشمس، والظلام يبتلعه حتى في وضح النهار. في نهايته، باب خشبي متهالك، لونه أسود من العفن، تعلوه لافتة كتب عليها بحروف كبيرة متآكلة: "حانة السلام".

قهقه فارن وهو يقرأ الاسم:

— "سلام؟ هذا آخر ما يمكن أن تجده في مكان كهذا."

تقدم نحو الباب، وقبل أن يدفع الستار المربوط بالأجراس، تسلل إلى أنفه رائحة كريهة نفاذة، مزيج من البول والعفن. كمحترف تسلل، عرف فورًا أن الزبائن في الداخل يستعملون الزقاق كمرحاض غير رسمي. تمتم بخفة:

— "جميل. سأدخل مباشرة إلى معركة مع أنفي قبل أي شخص آخر."

دفع الستار، فارتجت الأجراس معلنة دخوله.

انكشفت أمامه قاعة صغيرة مظلمة. السقف منخفض جدًا، يرشح بخيوط رطوبة. الضوء الوحيد من فتحات ضيقة في السقف وقناديل زيت باهتة. الجدران مغطاة بصور مجرمين مبحوث عنهم، وصفحات جرائد قديمة ملصقة على عجل، بعضها ممزق. إلى جانبها نقوش ورموز محفورة على الخشب، خليط من شعارات المملكة وكتابات مشفرة.

الرجال الجالسون على الطاولات الطويلة كانوا أقرب إلى الأشباح: وجوه منهكة، عيون غائرة، كأنهم عالقون بين النوم واليقظة. البعض يلهو بأحجار النرد، آخرون يتبادلون كلمات قصيرة. الأرضية مغطاة ببقع لم يستطع فارن أن يحدد إن كانت نبيذًا مسكوبًا أم دمًا جافًا.

أما الساقي فكان مشهدًا بحد ذاته. رجل بدين بوجه مستدير، شائب الشعر، يرتدي ثيابًا بيضاء كانت بيضاء يومًا ما لكنها الآن متسخة بألوان متعددة — بقع حمراء من النبيذ، بنية من الشاي، صفراء لا يعرف مصدرها.

في يده منديل أكثر اتساخًا من الأكواب التي يحاول تنظيفها. خلفه رفوف مكتظة بزجاجات شراب مختلفة، بعضها يلمع بألوان غريبة كأنها مسروقة من مختبر ساحر.

رفع الساقي نظره نحو فارن، تفحصه بنظرة سريعة، ثم عاد إلى تلميع الكؤوس.

جلس فارن مقابله على كرسي خشبي صرخ تحت وزنه. قال الساقي بنبرة حادة:

— "ما الذي تريده أيها السيد؟"

ابتسم فارن بخفة:

— "شيء لا يسكرني. عندي عمل مهم."

قطّب الساقي حاجبيه وتمتم:

— "إذن لماذا تأتي إلى الحانات أصلًا أيها الوغد؟"

ثم رفع صوته:

— "لدينا شراب العسل، والشاي الأحمر. أيهما تريد؟"

ردّ فارن:

— "الشاي الأحمر يكفيني."

بينما انشغل الساقي، انحنى فارن قليلًا وهمس بصوت منخفض:

— "هل ما زالت القطط السوداء تصطاد في البرية؟"

توقفت يد الساقي للحظة، ثم عادت إلى حركتها. سكب الشاي ووضعه أمام فارن قبل أن يجيب من غير أن يلتفت:

— "ذلك يعتمد على ما تبحث عنه."

قال فارن:

— "سمعت عن قطة ماهرة لا تموت بسهولة… هل ما زالت حيّة؟"

ابتسم الساقي نصف ابتسامة، وأومأ برأسه خفيفة:

— "تعال معي."

قاده نحو المخزن في مؤخرة الحانة. المكان أكثر ظلامًا وبرودة، رائحة الخشب الرطب تختلط بالغبار. أزاح الساقي برميلًا ضخمًا، وكشف عن قطعة خشبية كبيرة خلفه. ما إن نزعها حتى ظهر نفق طويل مظلم.

ناوله فانوسًا صغيرًا وقال:

— "سرْ فيه حتى النهاية. ستجد بابًا أحمر. اسحبه، وستصل إلى بيت القطط. لكن حذارِ… لا تعاملهم بوقاحة. العواقب قد تكون أثقل مما تتوقع."

ابتسم فارن، وأخرج من جيبه بضع دنانير نحاسية، رماها على الطاولة:

— "كلامك أثقل من الشراب. وهذه ثمن النصيحة."

أخذ الفانوس ودخل النفق.

---

نهاية الفصل التاسع عشر

--- ​

2026/03/28 · 0 مشاهدة · 1726 كلمة
نادي الروايات - 2026