---
الفصل الأول: "حياة عادية"
قاعة الانتظار ضيقة، يغمرها ضوء أبيض قاسٍ من مصابيح السقف. الكراسي البلاستيكية الزرقاء مصفوفة بدقة، وعلى الجدار المقابل ساعة حائط كبيرة، عقاربها تتحرك ببطء، وصوتها الخافت يقطع الصمت كل بضع ثوانٍ.
تكتك. تكتك. تكتك.
جلس ثلاثة شبان في انتظار دورهم. الأول يقلب أوراقه بارتباك، شفتاه تتحركان بصمت. الثاني منشغل بهاتفه، ملامحه مسترخية. الثالث جلس بهدوء، ساقًا على ساق، ينظر إلى الأمام.
في المقعد الأخير، جلس شاب بقميص أبيض مكوي بعناية. ربطة عنقه زرقاء داكنة، مشدودة أكثر مما ينبغي. عيناه تتحركان بين الباب والساعة والوجوه الأخرى، ثم تعودان إلى الأرض.
أعاد قراءة اسمه في ورقة الاستدعاء: "يوسف".
التفت إليه الشاب الجالس على يمينه، ذلك الذي كان غارقًا في هاتفه. رفع عينيه وسأل بصوت خافت:
— "أول مرة لك؟"
نظر إليه يوسف، تردد لحظة، ثم هز رأسه:
— "الثالثة."
— "في هذا المكان؟"
— "لا. أماكن مختلفة."
أومأ الشاب برأسه:
— "هذه رابع مقابلة لي في شهرين. صارت المقابلات لدينا كالزيارة الإلزامية."
ضحك يوسف بهدوء:
— "المهم أنك صرت تعرف الطريق دون خرائط."
تبادلا نظرة قصيرة، فيها شيء من التفاهم الصامت.
فتح الباب، وظهرت سكرتيرة بملامح جادة، حملت ملفًا ونظرت في الورقة:
— "السيد يوسف."
نهض. خطواته واثقة ظاهريًا، لكن قلبه يدق بعنف. دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه.
---
مكتب خشبي يتوسط الغرفة. خلفه جلس رجل أصلع ببدلة رمادية، نظارته تعكس الضوء. على يمينه امرأة تدون ملاحظات، على يساره شاب ينقر بأصابعه على الطاولة بنفاد صبر.
قال الرجل:
— "تفضل بالجلوس."
جلس يوسف، وضع يديه على ركبتيه.
— "عرّف بنفسك."
— "يوسف. عمري أربع وعشرون سنة. خريج إدارة أعمال."
— "خبرتك؟"
— "تدربت في شركتين خلال فترة دراستي."
— "أتعمل تحت الضغط؟"
— "إذا كان الضغط منضبطًا، نعم."
نظر الرجل إليه للحظة، ثم سأل:
— "أين ترى نفسك بعد خمس سنوات؟"
تردد يوسف قليلاً. قال:
— "في مكان أعرف فيه أنني مفيد."
صمت قصير.
— "هل لديك توصية؟"
تردد لجزء من الثانية. ثم قال:
— "لا."
نظر الرجل إليه، ثم تبادل نظرات مع زميليه.
— "نشكر حضورك. سنتواصل معك لاحقًا."
ابتسم يوسف ابتسامة صغيرة، وغادر.
---
في الممر، فك ربطة عنقه ببطء. شعر بشيء يتحرر في صدره. لم يكن غاضبًا ولا محبطًا. فقط شعر بأن هذا المشهد تكرر كثيرًا.
وقف لحظة عند نافذة تطل على الشارع. نظر إلى الأسفل: سيارات صغيرة، ناس يتحركون في كل اتجاه. كل واحد يبدو كأنه يعرف إلى أين يمضي.
---
خرج من المبنى الزجاجي الشاهق. الشارع واسع، نظيف، أرصفته مبلطة بحجارة أنيقة. المحلات هنا تبيع أشياء ثمينة: ملابس في واجهات مضيئة، ساعات في صناديق زجاجية، مطاعم تفوح منها روائح غريبة. المارة مسرعون، ملابسهم أنيقة، لا ينظرون إلى أحد.
على قارعة الطريق، سيارات حديثة مصطفة. كل شيء هنا يشير بالثراء والنظام.
سار يوسف في هذا الشارع، يشعر بأنه غريب عنه. ثم انعطف إلى أحد الأزقة، ودخل إلى عالم آخر.
---
هنا، الأزقة ضيقة، مبلطة بحجارة قديمة تآكلت حوافها. الجدران منخفضة، عليها آثار رطوبة وكتابات. الأسلاك الكهربائية تتشابك فوق الرؤوس. المحلات صغيرة، واجهاتها متواضعة، بضاعتها معروضة على الأرصفة: خضار وفاكهة في صناديق خشبية.
الرائحة هنا مختلفة: خبز طازج، توابل، عطور رخيصة، وأحيانًا رائحة مجاري.
الأصوات أعلى: باعة ينادون، أطفال يركضون ويصرخون، راديو يبث أغاني قديمة.
الناس هنا يختلفون: نساء بشالات يحملن أكياس خضار، رجال بقمصان مرخية يجلسون على مقاهٍ شعبية، عجائز على كراسٍ خشبية أمام البيوت، يحركون مسبحتهم ويراقبون المارة.
الفرق بين المكانين لم يكن في المسافة فقط. كان في كل شيء: في رائحة الهواء، في لون الجدران، في نبرة الأصوات، في نظرات العيون. عالم يفصل بينهما بضع مئات من الأمتار.
سار يوسف في هذا الحي الذي يعرفه منذ ولادته. كان يشعر بأنه هنا، بين هذه الجدران المتقشرة وهذه الوجوه المتعبة، هو مكانه الحقيقي.
سمع صوتًا يناديه:
— "يوسف!"
التفت، فوجد شابًا في مثل عمره، بملابس عادية وابتسامة عريضة. كان كريم، جاره وصديق طفولته.
— "أهلاً كريم. كيف حالك؟"
— "بخير، والحمد لله. وأنت؟ رأيتك خارجًا منذ الصباح. مقابلة؟"
— "نعم."
— "كيف كانت؟"
هز يوسف كتفيه:
— "كالعادة."
فهم كريم. لم يسأل أكثر. قال:
— "العم محمود يبحث عنك. مر على المحل."
— "شكرًا. سأذهب إليه."
افترقا. واصل يوسف سيره.
---
محل النجارة كان في زقاق جانبي. بابه حديدي قديم نصف مفتوح. رائحة الخشب تنبعث من الداخل، ممزوجة برائحة الغراء والورنيش. صوت المنشار يتردد.
دفع الباب ودخل. المكان صغير، مزدحم بقطع الخشب والأدوات المعلقة على الجدران. في الزاوية، كان العم محمود منحنيًا فوق آلة القطع.
رفع رأسه، رأى يوسف، فأوقف الآلة. تقدم نحوه، وضع يده على كتفه لبرهة. لم يسأل عن شيء، لم يقل كلمة. فقط أشار إلى طاولة صغيرة حيث كانت الطلبات مكدسة.
عرف يوسف المعنى. كان يعرف العم محمود منذ طفولته. الرجل صديق والده الراحل. بعد وفاة والده، جاء إلى البيت وأخرج مبلغًا من المال وقال لأمه: "هذا لرعاية ابن أخي، ولا حاجة لرده."
ومنذ ذلك الحين، كان كالأب الثاني له.
طريقة تواصله كانت صامتة، لكنها واضحة.
توجه إلى الطاولة. كان عليه إنجاز الطلبات قبل الظهر، فلديه محاضرة في الجامعة.
بدأ العمل: يقيس، يقطع، يصقل. انغمس في الخشب والأدوات، ونسي الوقت.
بعد فترة، سمع صوتًا خلفه:
— "السلام عليكم."
التفت، فوجد رجلًا في الأربعين، بملابس متواضعة، يقف عند الباب مترددًا.
— "وعليكم السلام. تفضل."
دخل الرجل:
— "جئت من أجل الطلب. الخزانة الصغيرة."
تذكرها يوسف. طلب بسيط، خزانة بأرفف قليلة. ذهب إلى الزاوية، أحضر الخزانة ووضعها أمام الرجل.
تأملها الرجل، ثم أخرج من جيبه كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا. فتحه وأخرج عدة عملات قليلة. وضعها على الطاولة. كانت لا تكفي نصف الثمن.
نظر إلى يوسف بنظرة اعتذار:
— "هذا كل ما عندي الآن. الظروف صعبة. سأحضر الباقي حين تيسرت. أنا أعرف العم محمود من زمن."
صمت يوسف. نظر إلى العم محمود. كان العم قد توقف عن العمل، ينظر إليهما في صمت. في عينيه، رأى يوسف نظرة الرجل الذي عاش كثيرًا ورأى أكثر. نظرة لا تطلب شيئًا، ولا تأمر بشيء.
تنهد يوسف. قال بهدوء:
— "خذها. والله يعينك."
نظر الرجل إليه بامتنان، حمل الخزانة وغادر.
جمع يوسف العملات، وضعها في الدرج. نظر إلى الساعة: الظهر قد اقترب. يجب أن يذهب.
نظف مكان العمل، واتجه نحو الباب. قبل أن يخرج، قال:
— "سأعود بعد المحاضرة يا عم."
رفع العم يده قليلاً. فهم يوسف.
خرج وركض نحو موقف الحافلات.
---
وصل إلى الموقف وهو يلهث. كان مكتظًا بالناس: طلاب بحقائب، عمال بملابس متعبة، نساء يحملن أطفالاً. الكل ينتظر.
من بعيد، سمع صوت المحرك الخشن. الحافلة ظهرت. قديمة، طلاؤها باهت، نوافذها بعضها مكسور.
فتح الباب، اندفع الجميع للدخول في فوضى. دفع يوسف مع الدافعين، صعد وتمسك بقضيب حديدي، وضغط نفسه في الزحام.
الجو في الداخل كان خانقًا.
روائح متداخلة: عرق، عطور رخيصة، طعام. الهواء ثقيل. كان يمسك حقيبته بإحكام بيده، فقد سبق أن نشلوا هاتفه في مثل هذا الزحام. ذكريات أليمة جعلته أكثر يقظة.
بدأت الحافلة تتحرك. مع كل مطب، كان يعتصر وسط الحشد. نظر من النافذة: شوارع تمر، محلات، ناس. كل شيء معتاد.
مرت محطات، نزل ركاب، وصعد آخرون. يوسف لا يزال واقفًا.
بعد نحو ربع ساعة، فتح الباب أمام محطته. نزل وكأنه يخرج من تحت الماء. أخذ نفسًا عميقًا.
---
أمامه، كانت الجامعة. مبنى رمادي متواضع، بوابات حديدية صدئة، ساحة مرصوفة ببلاط متكسر. لم تكن جامعة عظيمة، لكنها كانت جامعته.
قضى فيها أربع سنوات، وما زال في سنته الأخيرة. هنا تعلم، هنا تعب، هنا كوّن صداقاته.
هنا كانت ذكرياته: أول يوم دخل فيه، الامتحانات التي سهر لأجلها، الأستاذ الذي شجعه، الأصدقاء الذين تشارك معهم الأفكار والهوايات.
كان مستواه الدراسي جيدًا، دائمًا بين الأوائل في دفعته. لم يكن ذلك لأنه يقضي ساعات طويلة في الدراسة، بل لأنه كان منظمًا، يستغل وقته.
لم يكن لديه رفاهية الإهمال، فقد كان مشغولاً بالعمل أيضًا.
دخل الساحة.
كانت تعج بالطلاب: مجموعات هنا وهناك، بعضهم يقرأ، بعضهم يضحك، بعضهم يتجادل.
رائحة قهوة رخيصة من الكافتيريا القريبة.
اتجه نحو القاعة. في الممرات، تبادل تحيات سريعة مع بعض الوجوه المألوفة.
وصل إلى باب القاعة. كانت ممتلئة تقريبًا. المقاعد الخشبية القديمة تكاد لا تتسع. بحث عن مقعد، فوجده في الصف الثالث بجانب النافذة. جلس، وضع حقيبته على الأرض.
لمح فؤاد يدخل من الباب. شاب نحيف، نظارة طبية، حقيبة ثقيلة على كتفه. بحث بعينيه، فلما رأى يوسف ابتسم. تقدم وجلس بجانبه.
همس فؤاد:
— "وصلت قبل الأستاذ بخمس دقائق. الحمد لله."
— "خشيت أن تغيب. فالأستاذ يسجل الغياب في أول خمس دقائق."
— "ما كنت لأتغيب. عندي سؤال."
أخرج يوسف دفتره:
— "اسأل."
— "أما زلت تفكر في موضوع العمل أم استقريت على شيء؟"
سكت يوسف للحظة. كان هذا السؤال يتردد في رأسه منذ أسابيع. قال بصوت منخفض:
— "ما زلت أبحث. كالفئران في المتاهة."
ضحك فؤاد بهدوء:
— "الفئران تجد الجبن في النهاية. أما نحن فما وجدنا جبنًا بعد."
قبل أن يرد يوسف، دخل الدكتور. رجل مسن، بدلة رمادية رثة، أوراق وكتاب في يده. ساد الصمت. بدأ يلقي المحاضرة بصوت رتيب عن نظريات الإدارة.
أخرج يوسف دفتره، بدأ يدون. لكن عقله كان شاردًا. يفكر في كيف سيكون بعد سنة، وأين سيكون. كانت مجرد أفكار عشوائية أتته فجأة على غير العادة؛ فهو لا يفكر كثيرًا في مثل هذه الأمور.
نظر من النافذة. في الخارج، كانت السماء رمادية، وغصن شجرة يتمايل مع الريح. الطلاب يمرون في الساحة، حياتهم مستمرة.
تساءل في نفسه: كم يومًا سيمضي هكذا؟ هل سينتهي هذا الروتين يومًا؟ وهل سيجد شيئًا يغير حياته؟
لم يكن يعرف الإجابة.
التفت إلى فؤاد، الذي كان يدون بجد. عاد إلى المحاضرة.
في الخارج، كانت الريح تتحرك. سحابة داكنة بدأت تظهر من خلف المبنى، تحجب شيئًا فشيئًا ضوء الشمس الخافت. بعض الطلاب في الساحة رفعوا رؤوسهم إلى السماء، واشتدت حركة أوراق الشجرة.
لم ينتبه يوسف.
كان لا يزال يدون، غير عالم بأن شيئًا ما يتحرك في الأفق، يقترب ببطء.
---