الفصل الحادي والعشرون: العودة إلى النور

---

كانت الشقة في أحد أحياء الطبقة العليا من المدينة، تلك الأحياء التي لا يراها إلا من يملك أو من يخدم من يملك.

السقف كان عاليًا جدًا، مزينًا بزخارف جصية معقدة، منمنمة بأشكال هندسية ونباتية، وكأنها من قصر صغير لا من شقة. الجدران كانت مطلية بلون عاجي دافئ، لكنها لم تكن عارية — كانت مزينة بلوحات زيتية كبيرة.

الأثاث كان من خشب الجوز الداكن المصقول، مطعم بالذهب في الأطراف. هناك أريكة طويلة مغطاة بمخمل أحمر غامق، أمامها طاولة صغيرة من رخام أبيض. كراسي مريحة، وخزائن جانبية تعلوها مزهريات من الكريستال تحوي أزهارًا طازجة لا تذبل.

الستائر كانت من حرير ثقيل بلون كريمي. و الأرضية مغطاة بسجاد كثيف، ألوانه أحمر وعنّابي وأزرق داكن، منقوش بأنماط معقدة تجعل العين تتوه فيها.

وفي زاوية الغرفة، كان هناك رف زجاجي طويل، مضاء من الداخل بضوء خافت، مرصوص عليه زجاجات نبيذ فاخر — زجاجات بأشكال وألوان مختلفة. إلى جانبها، كؤوس بلورية رفيعة، وأطباق صغيرة من الفضة.

وقف فارن في منتصف هذه الغرفة، يدير رأسه ببطء، لا يصدق ما يراه. صفر بمرح، صافرة طويلة مدوية ارتدت من الجدران العالية:

— "واااو…"

أدار وجهه نحو ريلا، وابتسامته كانت عريضة كالقمر في ليلة اكتماله.

— "لم أكن أعلم أن قائدة القتلة تملك ذوقًا راقيًا كهذا. كنت أظن أنكِ تنامين على أسِرّة من المسامير، وتأكلين الجيف، وتشربين من جماجم أعدائك."

لم تلتفت إليه. كانت مشغولة بإغلاق الباب السري في الأرضية. حركت لوحًا خشبيًا كان يغطيه، ثم سحبت سجادة فارسية ثقيلة فوقه، وأزاحت كرسيًا صغيرًا ليوحي بأن المكان ليس به أي شيء غير عادي.

— "أنت أحمق" — قالت، وصوتها كان باردًا كالمعتاد، لكن فيه نبرة خفيفة من التمتع — "أعتقد أن صورتي النمطية عنك دقيقة تمامًا: ثرثار مزعج لا يعرف متى يصمت."

— "صورتك النمطية عني خاطئة تمامًا" — رد فارن وهو يتجول في الغرفة، يلمس الأريكة المخملية بإعجاب — "أنا لا أثرثر فقط، بل أثرثر بذكاء. هناك فرق كبير."

اتجهت ريلا نحو غرفة جانبية، غرفة نوم على الأرجح، واختفت داخلها. ترك الباب مفتوحًا، وسمع فارن صوت خزانة تفتح، وصوت أدراج تنسحب وتندفع، وصوت ملابس تتحرك.

جلس على الأريكة المخملية، شعر بنعومتها تحت أصابعه، وأمال رأسه إلى الخلف متأملًا السقف المزخرف.

كان يفكر: هذه المرأة. قاتلة بلا رحمة، قائدة منظمة إجرامية، تعيش في قاعة تحت الأرض بين جماجم وعيون ذهبية… وفي الوقت نفسه، تملك شقة أحلام أي لورد أو تاجر.

كانت تعيش حياتين متوازيتين، لا تعرف إحداهما عن الأخرى. أو ربما كانت تعرف، وكانت تتقن إخفاءهما معًا.

عادت ريلا بعد دقائق. كانت قد خلعت عباءة التنكر التي جعلتها تبدو كعجوز في حانة السلام — تلك العباءة المهترئة التي كانت تخفيها عن العالم.

بدا جسدها الآن رشيقًا، متناسقًا، عضلاتها واضحة تحت الملابس لكنها ليست بارزة. كانت ترتدي زي الفرقة السابعة: درع جلدي داكن، خفيف ومرن، مصمم ليتناسب مع حركات القتال السريعة. لم يكن درعًا ثقيلًا يحمي من السيوف، بل درعًا يسمح بالحركة، يحمي من الطعنات الخاطفة، ويخفي في طياته مفاجآت قاتلة.

علّقت على خصرها خنجرين لامعين. كانت شفرتهما قصيرة، منحنية قليلًا، مصنوعة من معدن لا يعكس الضوء — معدن قاتل لا يلمع، لا ينبه الضحية قبل فوات الأوان.

تحت ملابسها، كانت تخفي أسلحة دقيقة: إبر مسمومة في حزام صغير حول ساقها، خيوط فولاذية رفيعة ملفوفة على معصميها، وشفرات قصيرة مخبأة في حذائها. لم تكن مجرد مقاتلة، بل كانت ترسانة متحركة.

شعرها الأسود، الذي كان مربوطًا بقسوة تحت قناع العجوز، عاد الآن إلى هيئته الطبيعية. كان طويلًا، ناعمًا، منسدلًا على كتفها الأيسر في ضفيرة واحدة مشدودة.

و الآن تبدو … مختلفة. كانت تبدو كريلا التي يعرفها فارن منذ سنوات. تلك المرأة التي لا تخاف شيئًا، التي لا تتردد في أي شيء، التي إذا قالت إنها ستفعل شيئًا، فالأرض كلها لا تستطيع أن تمنعها.

وقف فارن من الأريكة، مسندًا ذراعيه إلى ظهرها، وهو يتأملها من رأسها إلى قدميها. كانت نظرته فاحصة، لكنها لم تكن نظرة رجل يتأمل امرأة، بل نظرة صديق قديم يرى شخصًا عزيزًا عليه بعد غياب طويل.

قال بابتسامته الماكرة:

— "عدتِ لتبدين مثل ريلا التي أعرفها… امرأة بألف رجل، لا تحتاج لشيء سوى خنجرها."

رمقته ببرود. ثم رمت قناع القط القديم على الطاولة. سقط القناع على الرخام الأبيض بصوت خفيف، جاف، كأن شيئًا ما انتهى.

— "هذا الوجه سيبقى هنا" — قالت، وهي تشير إلى القناع — "ومن الآن… أنا جزء من الفرقة مجددًا."

أشارت إلى الباب.

— "لنُسرع. لا وقت لدينا."

---

غادر الاثنان الشقة، ونزلا درجًا ضيقًا إلى الشارع الخلفي. كان الجو في الخارج مختلفًا تمامًا. لم تعد شوارع النبلاء الفاخرة التي مر بها فارن قبل ساعات. هنا، في هذا الجزء من المدينة، كانت الشوارع أوسع، وأكثر هدوءًا، لكنها كانت لا تزال تحتفظ بذلك الإحساس بالثراء المقنع.

سلكا طرقًا جانبية، أزقة ضيقة لا يسلكها إلا من يعرف المدينة جيدًا. كان فارن يعرف بعضها، وريلا تعرف كلها.

كانت تمر بين المباني كأنها جزء من الظل، خطواتها خفيفة لا تلامس الأرض تقريبًا، وعيناها تتحركان بسرعة تراقب كل نافذة، كل زقاق، كل صوت بعيد.

الشمس قد بدأت تغرب. السماء كانت تميل إلى الاصفرار في الأفق، ثم إلى البرتقالي، ثم إلى الأحمر القاني. الغيوم التي كانت متراكمة في الظهيرة تبددت، وتركت السماء صافية، كئيبة بلونها المتغير. أشعة الشمس الأخيرة كانت ترسم خطوطًا ذهبية على جدران المباني العالية، تجعل الواجهات الحجرية تتوهج للحظات قبل أن تخفت.

الجو في هذا الحي كان راقيًا نسبيًا. لم يكن فخمًا كشوارع النبلاء، لكنه كان أفضل بكثير من المناطق الفقيرة. هنا، كان التجار يبيعون بضائع فاخرة — أقمشة حريرية، مجوهرات فضية، عطور في قوارير بلورية.

كانت النساء الأنيقات يتجولن برفقة حراس شخصيين، يضحكن بصوت منخفض، ويتبادلن النظرات مع من يعرفن. و الأطفال يركضون في ساحة صغيرة، يلعبون لعبة لا يعرف فارن قواعدها، ضحكاتهم البريئة تملأ المكان للحظات ثم تخفت.

ضحكات لا تعرف أن هذه المدينة تخفي وحوشًا خلف كل باب. لا تعرف أن المرأة التي تمر بجانبهم الآن، بوجهها الصارم وعينيها الجليديتين، يمكن أن تكون أكثر وحشية من أي وحش في الغابة.

سارت ريلا بخطى ثابتة، لم تكترث بنظرات المارة التي تلاحقها. كانت عيناها الزرقاوان مثل جليد حاد، يذيب أي فضول في صدور الناس قبل أن يتشكل.من نظر إليها لوهلة كان يشعر بأنه اقترب من نار باردة، من شيء لا يريد أن يعرف عنه أكثر.

كانوا يبتعدون عن طريقها تلقائيًا، دون أن يدركوا أنهم يفعلون ذلك.

فارن، على العكس، لم يستطع إخفاء ابتساماته الساخرة. كان يرمق البيوت الفخمة والواجهات المزينة، ويهز رأسه بإعجاب ساخر.

— "لا أزال غير مصدق" — قال بصوت منخفض، لكنه كان يسمعها بوضوح — "امرأة عاشت في الظلال، تقود منظمة قتلة، وفي الوقت نفسه تملك شقة أفضل من قصر بعض اللوردات. يا لها من مفارقة! كنت أظن أنك تنامين في تابوت وتأكلين الخفافيش."

لم تردّ. لم تلتفت إليه. لكن عينيها زادتا برودة للحظة، أو ربما كانت مجرد انعكاس للضوء.

رفع فارن يديه باستسلام:

— "حسنًا، حسنًا… سأصمت. لا أريد أن أجد لساني معلقًا على حائط شقتك الفاخرة في زيارتي القادمة."

لكن داخلها، لم يكن الأمر مجرد تجاهل. الحقيقة أن تلك الحياة المزدوجة كانت عبئًا عليها. كانت تقود مغتالين في الخفاء، وتجتمع مع النبلاء في العلن، وتتظاهر بأنها مجرد سيدة غنية تعيش على ميراث عائلتها.

كانت تمشي في هذه الشوارع مرتين، ثلاث مرات في الأسبوع، مرتدية أثوابًا فاخرة، تبتسم ابتسامات مصطنعة، وتتحدث عن الطقس والأزياء والفضائح الاجتماعية.

وكانت تكره كل لحظة منها.

لكنها كانت ضرورية. هذه الشقة، هذه الثروة، هذه السمعة — كانت درعًا آخر تختبئ وراءه. من يبحث عن قاتلة لا يبحث في أحياء النبلاء. من يبحث عن مجرمة لا يبحث بين سيدات المجتمع. كانت تعيش في مرآة، تعكس ما يريد الناس رؤيته، بينما تخفي تحت المرآة عالمًا آخر بالكامل.

والآن، ها هي تخلع ذلك القناع أيضًا. تخلع قناع العجوز في حانة السلام، وتخلع قناع السيدة الثرية في أحياء النبلاء، وتعود إلى الفرقة. إلى العالم الذي كانت فيه قبل أن تصبح كل هذه الأشياء.

كان من الصعب التوفيق بين كل هذه الأدوار. لكن ريلا لم تكن ممن يتراجعون.

---

حين اقتربا من البوابة الشرقية، بدأ الجو يتغير.

لم يكن التغيير مفاجئًا، بل كان يتسلل شيئًا فشيئًا، كما يتسلل البرد قبل العاصفة. الأصوات كانت تختلف. لم يعد هناك باعة يرفعون أصواتهم بالنداءات، ولا أطفال يركضون بضحكاتهم. كان المكان يزداد هدوءًا مع كل خطوة، هدوءًا غير طبيعي، هدوءًا يسبق شيئًا ما.

كانت البوابة الشرقية مكتظة بالجنود. أكثر من المعتاد بكثير. كانوا من الوحدة الأولى — دروعهم فضية لامعة، عليها شعار المدينة محفورًا بدقة. وجوههم كانت متوترة، أعينهم متحفزة، وأيديهم لا تبتعد عن أسلحتهم. كان بعضهم يقف في مواقع مراقبة مرتفعة، وبعضهم يتحرك في دوريات منظمة، و بعض الاخر واقف في صفوف خلف البوابة مباشرة، مستعدين لأي شيء.

الحادثة الأخيرة — هجوم الذئاب الذي كاد يخترق الدفاعات — كانت قد جعلت البوابة تعج بالهمسات. الجنود يتحدثون بصوت منخفض، يتبادلون نظرات قلق، ويشيرون بأيديهم إلى الغابة خارج البوابة كأنهم يتوقعون أن يعود الوحوش في أي لحظة.

أصوات الباعة التي كانت تملأ المكان في الأيام العادية تراجعت. بعضهم لم يأتِ اليوم، وبعضهم الآخر كان يلف بضاعته باكرًا، وبعضهم جلس خلف طاولاته دون أن ينادي، عيناه على البوابة، ينتظر.

كان الناس يمشون بحذر. لم يكن هناك زحام، ولا تدافع، بل مشي بطيء، متوتر، كأن كل خطوة قد تكون الأخيرة. كانوا ينظرون إلى الجنود، ثم إلى البوابة، ثم إلى بعضهم، وكأنهم يبحثون عن إجابة لسؤال لا يجرؤ أحد على طرحه.

الكل شعر أن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث. الهواء نفسه كان مختلفًا — أثقل، وأبرد، كأنه يحمل معه شيئًا من رائحة الغابة التي لا تنتهي.

همس فارن وهو يتفحص الحراس، وعيناه تتحركان بسرعة من واحد إلى آخر:

— "تبدون مشدودين كأوتار القوس. أعتقد أن كاليان سبقنا وبدأ التحقيق."

أجابت ريلا بصرامة، وصوتها كان منخفضًا لكنه حاد:

— "إن كان الأمر كذلك، فعلينا اللحاق به قبل أن يتخذ أي قرار بدوننا. ذالك الرجل إذا بدأ بالتحقيق فهو لا ينتضر أحدا."

تقدمت نحو البوابة، وفارن خلفها. كانت خطواتها أسرع الآن، أكثر إصرارًا. مرت بجانب الجنود دون أن تلتفت إليهم، وعيناها تبحثان عن كاليان بين الحشود.

لكنها لم تجده.

توقفت عند أحد الحراس، رجل في الأربعينات، وجهه متعب، درعه عليه خدوش جديدة. نظر إليها بنظرة استغراب، لكنه عرف من زيّها أنها من الوحدة السابعة، فلم يعترض.

— "القائد كاليان" — سألته ريلا بصوت حاد — "هل رأيته؟"

أشار الحارس بيده نحو الشارع المؤدي إلى وسط المدينة:

— "غادر منذ قليل. قال إنه سيتجه إلى مقر الوحدة الأولى. أمر رجاله بتأمين البوابة ومحيطها. قال إنه سيعود بعد أن يستفسر عن شيء ما."

تبادل فارن وريلا نظرة قصيرة. كانت النظرة تحمل أكثر من كلمة. كانت تقول: لقد فاتنا. كان يقول: كالعادة. كانت ترد: ليس كالعادة هذه المرة.

قال فارن بلهجته المتهكمة، لكن فيها نبرة من الإعجاب:

— "رائع… يبدو أنه لم ينتظرنا. كالعادة. الرجل لا يستطيع الجلوس ساكنًا ولو لدقيقة."

— "هذا يعني أنه يتوقع منا أن نلحق به" — ردت ريلا ببرود، وعيناها كانتا لا تزالان على الطريق الذي سلكه كاليان — "تعال. لا داعي للتأخر أكثر."

قبل أن يغادرا، لاحظ فارن شيئًا.

على بعد خطوات من البوابة، كانت هناك مجموعة من الناس تتجمع. لم يكن تجمعًا كبيرًا، لكنه كان لافتًا في هذا الجو المتوتر. كانوا يقفون في دائرة، ينظرون إلى الأرض، ويتهامسون بكلمات لا تصل إلى حيث يقف فارن.

اقترب ليرى. وريلا تبعت نظره.

كانت هناك جثة.

جثة جندي من الوحدة الأولى، مغطاة بقطعة قماش بيضاء. القماش لم يكن نظيفًا — كان به بقع حمراء بدأت تجف، تاركة ألوانًا بنية داكنة على الحواف. من تحت القماش، كانت تبرز قدماه في حذاء عسكري، حذاء كان يلمع قبل أيام، والآن عليه خدوش عميقة وبقع طين.

كان زملاؤه واقفين حوله، وجوههم متجهمة، يتشاورون بصوت منخفض. أحدهم كان يتحدث مع ضابط من الوحدة الأولى، يشير بيده إلى الغابة، ثم إلى الجثة، ثم يهز رأسه بحركة لا تحتاج إلى كلمات.

المشهد لم يكن عاديًا. آثار الذئاب الرمادية كانت واضحة على الدرع المهشم — درع فضي كان يحمي صدره، والآن فيه خدوش متوازية عميقة، ثلاثة خطوط متوازية، كأن مخلبًا ضخمًا مر عليه. وكانت هناك خدوش أخرى على الخوذة، وعلى القفازات، وحتى على الحذاء. كان الجندي قد قاتل. قاتل حتى النهاية.

والدماء التي لطخت الأرض من حوله كانت لا تزال ساخنة. كانت رائحتها تتصاعد في الهواء البارد، رائحة الحديد والملح والحياة التي انتهت.

شاهدت ريلا ذلك دون أن ترمش. كانت عيناها الزرقاوان تتأملان الجثة، الدرع المهشم، الدماء التي بدأت تجف، ثم وجه الجندي الذي كان يبدو تحت القماش — شابًا في العشرينات، عيناه لا تزالان مفتوحتين، تنظران إلى السماء التي لا يراها.

خبرتها مع الموت جعلتها ترى ما هو أفظع بكثير. كانت قد رأت جثثًا أكثر من أي جندي في هذه المدينة. لكنها في ذهنها كانت تربط الأمور بسرعة، كمن يحل لغزًا لا يريد أن يكتمل.

الذئاب الرمادية لا تهاجم هكذا. ليس بهذا العدد. ليس بهذه القسوة. ليس في منطقة محصنة مثل هذه. كانت تعرف الذئاب. كانت قد صادتها في الغابة مرات لا تحصى. الذئب يهاجم عندما يكون جائعًا، أو عندما يشعر بالخطر. لكنه لا يهاجم مجموعة من الجنود المسلحين في منطقة مكتظة. الذئب حيوان ذكي، يعرف متى يهاجم ومتى يتراجع. ما حدث هنا لم يكن هجوم ذئاب عادي.

كان هناك شيء يحركها. شيء ما كان يقودها. شيء ما كان يستخدمها.

رفعت ريلا عينيها عن الجثة، ونظرت إلى الغابة التي تبدأ من بعد البوابة بخطوات. كانت الغابة مظلمة، كثيفة، لا ترى منها سوى أول الصفوف من الأشجار — جذوع سميكة، أغصان متشابكة، وظلام يبدو وكأنه مادة صلبة. كانت تعرف تلك الغابة.

كانت قد دخلتها مرات عدة . وكانت تعرف أنها تخبئ أكثر مما تظهر.

فارن، الذي كان يقف إلى جانبها، حاول تخفيف الأجواء بكلماته المعتادة. كانت طريقته في التعامل مع الموت دائمًا: المزاح. كأنه يقول للموت: أنت لا تخيفني.

— "على الأقل لن نشعر بالملل" — قال، وابتسامته كانت ساخرة لكنها لم تصل إلى عينيه هذه المرة — "المدينة نفسها تبدو وكأنها تخبئ لنا قصصًا أكثر من الغابة."

ابتسمت ريلا. ابتسامة باردة، ساخرة، لكنها كانت ابتسامة حقيقية — بقدر ما يمكن أن تكون ابتسامتها حقيقية.

— "لنُسرع، فارن" — قالت، وبدأت تمشي بخطى سريعة نحو الشارع الذي سلكه كاليان — "لدينا قائد لا يحب الانتظار."

تبعه فارن بخطوات خفيفة. كان قلبه خفيفًا، رغم الجثة، رغم التوتر، رغم كل شيء. ها هو قد جمع القط مع الثعلب، وأقنع قطة لا تُقنع، وها هما الآن يتجهان معًا إلى ما هو قادم.

كانت الشمس قد غابت تمامًا. السماء كانت تميل إلى الأزرق الداكن في الأعلى، وإلى البرتقالي الباهت في الأفق البعيد. أول النجوم بدأت تظهر، خافتة، مترددة، كأنها لا تعرف إن كان مسموحًا لها بالظهور في ليلة كهذه.

في الشارع أمامهما، كان ظل كاليان قد اختفى منذ زمن. لكنهما كانا يعرفان أين يذهبان. كانا يعرفان أن القائد العجوز لن يذهب بعيدًا. يعرفان أنه ينتظرهما في مكان ما، في ظل ما، بسيجارته الرابعة أو الخامسة، وعينيه الخضراوان تراقبان ما لا يراه غيره.

وبدآ المسير. ثعلب وقطة، في ليلة تخبئ أكثر مما تظهر.

---

نهاية الفصل الحادي والعشرين

---

2026/03/28 · 0 مشاهدة · 2330 كلمة
نادي الروايات - 2026