الفصل الثاني والعشرون: دخان على الأسوار

---

بدت المدينة في ذلك اليوم كأنها تحمل جرحًا مخفيًا لا يريد أحد أن يراه.

كانت الشوارع نظيفة — أنظف من المعتاد، وكأن عمال البلدية عملوا ساعات إضافية في الليل ليمسحوا أي أثر لما حدث. الرمال التي تنتشر عادة على جوانب الطرقات جُرفت، والحجارة المكسورة التي كانت متناثرة بالقرب من البوابة اختفت.

كانت الأسواق صاخبة، لكن الصخب لم يكن حقيقيًا. كان صخبًا مصطنعًا، كأن الباعة رفعوا أصواتهم أعلى من المعتاد ليملأوا فراغًا لا يريدون أن يبقى صامتًا. باعة البهارات كانوا يصيحون بأصوات حادة تخترق الهواء، لكن أعينهم كانت شاردة، تبحث عن شيء في الأفق، كأنهم ينتظرون شيئًا لا يريدون أن يأتي.

روائح الخبز الطازج كانت تتصاعد من الأفران، ممتزجة برائحة التوابل والجلود المدبوغة ورائحة الخيول التي تمر في الشارع الرئيسي. كانت هذه الروائح هي نفسها كل يوم و لاكن اليوم كانت مخ رائحة التوتر الصامت، الذي يتسرب بين الأحاديث كالسُم، كأن كل كلمة في الهواء تخشى أن تصطدم بجدار الحقيقة.

على جدران البيوت، علّقت أقمشة بيضاء عليها رموز اللورد الحاكم، في محاولة لزرع الاطمئنان في قلوب العامة. كانت تلك الأعلام ترفرف ببطء مع الريح الخفيفة، تصدر أصواتًا خافتة كأنها تهمس بشيء لا يُقال. الرموز الحمراء المطرزة على القماش الأبيض كانت تلمع في ضوء الشمس، تذكيرًا دائمًا بأن النظام حاضر في كل زاوية، وأن العيون تراقب.

لكن الوجوه لم تخفِ ما بداخلها.

كل شخص كان يعرف أن شيئًا قد حدث على البوابة الشرقية. لم يروه، لكنهم سمعوا الهمسات، رأوا الجنود يركضون في الليل، شموا رائحة الدخان والدم التي حملتها الرياح قبل أن تذوب في الفجر. كانوا يعرفون أن الجنود يحاولون إخفاء الحقيقة، وكانوا يعرفون أيضًا أن ما يخفيه الجنود عادة ما يكون أسوأ مما يظنون.

الأطفال يركضون بين الأزقة كالمعتاد، يلعبون لعبة الغميضة أو الكرات المصنوعة من الخرق، لكن أصواتهم كانت أخفض من المعتاد. .كانت مكتومة، كأنهم يخشون أن يجذبوا انتباه شيء لا يعرفون كيف يسمونه.

الباعة ينادون على بضاعتهم بفتور غريب. لم تكن هناك تلك المنافسة الحامية التي اعتادوا عليها، حتى العجائز اللواتي يجلسن على العتبات طوال اليوم، يثرثرن عن الجيران والأحفاد والطقس، كنّ هذه المرة يتهامسن. كان صوتهن خافتًا لدرجة أن المارة لم يعودوا يسمعون شيئًا،

المدينة كلها بدت كمن يضع قناعًا هشًا من الحياة الطبيعية، قناعًا يمكن أن يتكسر في أي لحظة إذا ضغط عليه أحد بإصبع. كان هناك إحساس بأن شيئًا ما تحت السطح، شيء لا يُرى لكنه يُحس، شيء يتحرك في الظل وينتظر. لا أحد كان يعرف ما هو، لكن الجميع كانوا يشعرون به.

وفي وسط هذا التوتر، كان كاليان يمشي.

خطواته لم تكن سريعة ولا بطيئة. كانت منتظمة، ثابتة، كمن يمشي في طريق يعرفه عن ظهر قلب. كان رأسه مرفوعًا قليلًا، وعيناه خضراوتان تتحركان ببطء، تلتقطان كل التفاصيل التي لا يلتقطها غيره. كان يرى الأقمشة البيضاء التي لم تكن هناك أمس، ويرى أن الباعة لم يعبئوا بضاعتهم بالطريقة المعتادة، ويرى أن الأطفال لم يعودوا يلعبون في الزقاق البعيد الذي يطل على البوابة.

كان يرى أن المدينة تخاف.

وكان يعرف أن الخوف لا يأتي من فراغ.

---

كان مقر الوحدة الأولى حصنًا قديمًا، أقدم من مدينة فورسن نفسها على الأرجح. حجارته سوداء، سوداء كالفحم، سوداء كالليالي التي لا قمر فيها. تلك الحجارة لم تكن من هذا المكان — كان يعرف ذلك. كانت منقولة من جبال بعيدة، جبال لا يعرف أحد اسمها الآن، جبال اختفت من الخرائط قبل أن تولد هذه المدينة.

كانت الجدران شاهقة، شامخة، كأنها بُنيت لتردع الزمن نفسه. لكن الزمن لم يهتم. تسلّل إلى الشقوق بين الحجارة، فوسعها، وجعل الجدران تبدو متعبة رغم ضخامتها. كان هناك عشب بري ينبت في بعض الشقوق العالية، كأن الطبيعة تستعيد ما سرقه الإنسان منذ قرون.

كانت البوابة الحديدية ثقيلة، صدئة في الأطراف، تحمل أثر صدمات كثيرة. خدوش قديمة من سيوف الغزاة الذين حاولوا اقتحامها في حروب لا يتذكرها أحد. خدوش أحدث من رماح المتمردين الذين ثاروا على الحكم قبل جيلين. وخدوش أخرى — كان كاليان متأكدًا — من داخل الحصن لا من خارجه. تلك كانت أخطر الخدوش، لأنها كانت تذكر بأن العدو قد يكون أقرب مما يظنون.

أما الأعلام الحمراء المتدلية فوق البوابة، فكانت تبدو باهتة. لونها الأحمر الذي كان يومًا زاهيًا كالدم الطازج أصبح الآن رماديًا محمرًا، بهت من الغبار وأشعة الشمس والرياح التي لا تتوقف. لم تعد تلك الأعلام تشبه ألوان الوحدة التي طالما كانت رمزًا للقوة والانضباط. كانت أشبه بجلد حيوان نافق، يذكر بما كان ولا يخبر بما سيكون.

كانت ساحة الحصن الداخلية واسعة، مرصوفة بأحجار رمادية غير متساوية. فكانت الأرضية تشبه موجات بحر متجمدة. على تلك الحجارة، كانت هناك علامات قديمة محفورة بعمق: خطوط متوازية من سيوف التدريب، بقع داكنة من دماء لم تُمحَ بالكامل، شقوق من أقدام آلاف الجنود الذين تدربوا هنا على مر السنين.

كان الهواء في الساحة مختلفًا عن هواء المدينة. كان أثقل، أكثر كثافة، يحمل رائحة الحديد الصدئ والعرق والجلد المعالج. رائحة تدريبات الصباح التي تبدأ قبل الفجر.

حين دخل كاليان من البوابة، لم ينتبه إليه الجنود في البداية. كانوا منشغلين بتدريباتهم، أو بما يشبه التدريبات. لكن واحدًا منهم رفع رأسه، ثم آخر، ثم آخر. تحولت الرؤوس نحوه واحدًا تلو الآخر، كأن موجة غير مرئية تمر عبر الساحة.

لم ينطق أحد.

لكن الصمت كان أبلغ من الكلام.

كان صمتًا مختلفًا عن صمت الاحترام الذي اعتاده الجنود عند رؤية قائد كبير. كان صمت خوف. صمت ذنب. صمت من يعرف أن شيئًا ما خطأ، ومن يخشى أن يسأل أحدهم عن ذلك.

الهواء نفسه بدا أثقل فجأة. شعر كاليان بذلك — بشيء يضغط على صدره، شيء غير مرئي لكنه حقيقي. كان يعرف هذا الشعور. كان يعرفه من سنوات طويلة قضاها في هذه الثكنات، في هذه الساحات، في هذه المعارك. كان يعرف أنه عندما يصمت الجنود هكذا، عندما يتجنبون النظر في عينيك، عندما تسمع صمتهم قبل أن تسمع أصواتهم — فهذا يعني أن هناك شيئًا فاسدًا تحت السطح.

اللقب الذي يحمله — "سيف الغروب" — لم يكن مجرد شرف أو فخر. كان عبئًا، كان تذكيرًا دائمًا بأنه الرجل الذي أنهى آخر حرب كبيرة في هذه المنطقة، الرجل الذي رأى ما لا يراه غيره، الرجل الذي لا يمكن خداعه بسهولة.

كان هذا اللقب يسبقه إلى كل مكان، يخلق حوله هالة من الاحترام والرهبة معًا. الجنود الذين كانوا يتدربون هنا قبل دقائق كانوا يتكاسلون في حركاتهم، لكنهم الآن أصبحوا أكثر انضباطًا، كأن وجوده وحده يكفي لإعادة النظام إلى مكان فقدانه.

لكن كاليان لم يكن مهتمًا بالنظام. كان مهتمًا بما يخفونه.

لم يبدُ الجنود هنا بخير. كان هذا واضحًا لمن يعرف كيف ينظر. العيون متعبة، تحت كل عين هالات داكنة كمن لم يناموا منذ أيام. اللحى غير مشذبة، بعضها طالت بشكل غير لائق، وبعضها الآخر ترك ينمو بشكل عشوائي، كأن صاحبها لم يعد يهتم.

الدروع كانت فقدت بريقها، عليها طبقات من الغبار وبقع صدأ لم تمسح، وحتى الخدوش القديمة لم تُصلح.

كانت الأسلحة باردة، لم تُشحذ منذ أيام. لاحظ كاليان ذلك عندما مر بجانب أحد الجنود — رأى حافة السيف باهتة، لا تعكس الضوء كما يفعل السيف المشحوذ. رأى المقبض مهترئًا، والجلد الذي يلفه متآكل في بعض الأماكن. هذا لم يكن سيف رجل يستعد للمعركة. كان سيف رجل لا يتوقع أن يحتاج إليه.

لم تكن خطوات الجنود في التدريب متزامنة. كان بعضهم يتقدم أسرع من الآخر، وبعضهم يتأخر، وكأن لا أحد يسمع إيقاع الطبول التي كان الجندي المسؤول يضربها بيد متعبة.

صرخات التدريب لم تكن تحمل الحدة المطلوبة، كانت تخرج من أفواههم كأنها واجب يؤدى لا كأنها جزء من التحضير لمعركة. كانوا يؤدون حركات بلا روح، كأن أجسادهم في الساحة وعقولهم في مكان آخر.

كان يعرف هذه العلامات. كان يعرفها من تجربة مريرة.

التسيب. ضعف القيادة. خوف يريد أصحابه إخفاءه لكن بلا جدوى. هذه العلامات لا تظهر بين عشية وضحاها. تنمو ببطء، كالنباتات الضارة في الحديقة المهملة. تبدأ بملاحظة صغيرة — سيف لم يُشحذ، درع لم يُنظف — ثم تتسع، وتنتشر، حتى تصبح ثقافة كاملة.

ابتسم كاليان ابتسامة خفيفة، ابتسامة لم يرها أحد. كانت أقرب إلى السخرية منها إلى التحية.

كان يقول لنفسه: إذن، الأمر أكبر مما يبدو. هذه الثكنات لم تصل إلى هذا الحال بسبب هجوم ذئاب. الذئاب لا تجعل الجنود يهملون أسلحتهم.

كان هناك شيء آخر. شيء أعمق. شيء بدأ قبل أسابيع، أو ربما قبل شهور. والهجوم على البوابة الشرقية لم يكن سوى عرض لمرض أعمق.

---

قادته خطواته الواثقة إلى مبنى القيادة في عمق الحصن. كان المبنى من الحجر الأسود أيضًا، لكن حجارته كانت أكثر نعومة، وأكثر تناسقًا. الباب الرئيسي كان خشبيًا سميكًا، من خشب البلوط الأسود الذي لا ينبت في هذه المنطقة، وفوقه نقش باهت يحمل شعار الوحدة الأولى: درع تحته سيفان متقاطعان، وفوقهما تاج صغير.

دفع الباب ببطء، فصرت المفاصل المعدنية بصوت يشبه الأنين. كان صريرًا طويلًا، حادًا، يملأ الممر الذي خلفه، ويعلن وصوله قبل أن يخطو خطوة إلى الداخل.

في الداخل، وجد أران.

كان أران أحد القادة الميدانيين الذين عرفهم كاليان في سنوات مضت. ليس من أصدقائه، لكنه كان من القادة الذين يحترمون الحدود، ولا يتجاوزون خطوطهم. رجل طويل، ممتلئ الكتفين، كأن جسده خُلق ليتحمل وزن الدروع الثقيلة. بشرته سمراء كالأرض التي عاش عليها طوال حياته، فيها تجاعيد مبكرة من سنوات في الميدان تحت الشمس الحارقة.

كان جالسًا خلف طاولة خشبية كبيرة، لا تختلف عن طاولات القيادة التي رآها كاليان في مئات الثكنات. لكن هذه الطاولة كانت مختلفة في تفاصيلها الصغيرة: كانت مغطاة بخرائط وأوراق مبعثرة، بعضها مطوي بعناية، وبعضها الآخر ملقى على الأرض دون أن يلتقطه أحد.

كانت هناك أكواب نصف فارغة من الشاي، بعضها بارد لدرجة أن القشدة تجمدت على سطحه، وبعضها الآخر ساخن كأنه أعد لتوه. ريشة حبر كانت ملقاة بإهمال على حافة الطاولة، كأن من كان يكتب بها تركها فجأة ولم يعد.

رفع أران رأسه فور سماع صرير الباب. كانت حركته سريعة جدًا، كمن كان ينتظر شيئًا أو يخشى شيئًا. حين رأى كاليان، تجمدت ملامحه للحظة. لم تكن دهشة فقط، بل كان هناك شيء آخر — شيء يشبه الذعر المكبوت، أو ربما الذنب. ثم استعاد صلابته بسرعة، لكن كاليان كان قد رأى ما يكفي.

---

نهاية الفصل الثاني والعشرين

--- ​

2026/03/28 · 0 مشاهدة · 1560 كلمة
نادي الروايات - 2026