--- ​ الفصل الثالث والعشرون: أسرار تحت الرماد

---

قال أران، وصوته كان باردًا بشكل مصطنع، كمن يحاول أن يبدو طبيعيًا لكنه لا يستطيع:

— "ما الذي أتى بك؟"

لم يرد كاليان. جلس دون دعوة، سحب كرسيًا خشبيًا ثقيلًا من تحت الطاولة، وأسند سيفه على حافة الطاولة. كان السيف ثقيلًا، معروفًا، حمله معه إلى كل مكان. وضعه على الخشب بهدوء، لكن الوزن كان كافيًا ليجعل الطاولة تئن تحت ثقله، ولجعل أران يضغط أسنانه بصوت خفيف مسموع.

— "أتيت لأسأل" — قال كاليان، وصوته كان هادئًا، عاديًا، كمن يسأل عن الطقس — "عن البوابة الشرقية."

ارتسم توتر واضح على وجه أران. رأى كاليان كيف توترت عضلات فكه، وكيف ضاقت عيناه للحظة قبل أن يعود إلى تعابيره الجامدة. حاول أن يبدو غير مبالٍ، لكن جسده كان يقول غير ذلك. كانت أصابعه تلعب بقلم الحبر على الطاولة، حركة عصبية لا إرادية.

— "لا جديد هناك" — قال أران، وصوته كان حادًا قليلًا — "مجرد هجوم من بعض الوحوش. انتهى الأمر."

"انتهى الأمر." كررها كاليان في ذهنه. كلمتان صغيرتان، لكنهما كانتا تحملان أكثر مما تحتملان. من يقول "انتهى الأمر" بهذه الثقة عادة ما يكون إما جاهلًا أو كاذبًا. وأران لم يكن جاهلًا.

أدار كاليان نظره حول الغرفة ببطء متعمد. لم يكن فضولًا، بل كان قراءة. كان يقرأ الغرفة كما يقرأ المحقق مسرح جريمة، يلتقط التفاصيل التي لا يلتقطها غيره.

كانت هذه التفاصيل الصغيرة ترسم صورة: رجل تحت ضغط. رجل يعرف أكثر مما يقول. رجل يخاف من شيء، أو من شخص.

رفع عينيه إلى أران، وقال بصوت هادئ، هادئ جدًا، هادئ لدرجة أنه كان أقرب إلى الهمس منه إلى الكلام:

— "انتهى الأمر؟ أم تريد أنت أن ينتهي هنا؟"

كان السؤال بسيطًا، لكنه كان يحمل في طياته اتهامًا واضحًا. لم يقل كاليان "أنت تخفي شيئًا" — لم يكن بحاجة إلى ذلك. كان السؤال كافيًا.

ارتبك أران قليلًا. كان واضحًا أنه لم يتوقع أن يكون كاليان بهذه المباشرة. رفع ذقنه قليلًا، محاولًا استعادة وقاره، محاولًا أن يبدو كقائد لا يمكن استفزازه.

— "نحن لسنا مضطرين لتقديم تقرير لك" — قال، وصوته كان أعلى مما يحتاج، كمن يحاول أن يقنع نفسه قبل أن يقنع غيره.

ابتسم كاليان. كانت ابتسامة باردة، قصيرة، لا تصل إلى عينيه. رفع سبابته ببطء، كأنه يشرح درسًا لطفل صغير لا يفهم:

— "لم آتِ لأقرأ تقريرًا، أران. جئت لأسمع الحقيقة. الفرق بينهما كبير."

صمت. صمت طويل، ثقيل، ملأ الغرفة كلها. كان كاليان ينظر إلى أران بعينيه الخضراوتين الثاقبتين، وكان أران يحاول أن لا ينظر إليه، لكنه كان يفشل.

---

بينما كانا في صمتهما المتوتر، دخل جندي شاب من باب جانبي.

كان شابًا في العشرينات من عمره، وجهه لا يزال يحتفظ ببعض نعومة الطفولة، لكن عينيه كانتا متعبتين، أكبر من عمره. كان يحمل أوراقًا بين يديه، لكن يديه كانتا ترتجفان. لم تكن رجفة خفيفة، بل ارتجاج واضح جعل الأوراق تصدر صوتًا خفيفًا كحفيف أجنحة فراشة.

كان يتجنب النظر إلى كاليان. كان ينظر إلى الأرض، إلى الطاولة، إلى أي مكان إلا إلى عيني القائد الجالس أمامه. كان خائفًا. ليس خوفًا عاديًا من رجل كبير، بل خوفًا من نوع آخر — خوف من أن ينظر إليه أحد فيعرف أنه يعرف شيئًا لا يجب أن يعرفه.

وضع الأوراق أمام أران بيدين مرتعشتين، ثم انصرف بسرعة. لكن كاليان كان قد لاحظ كل شيء. لاحظ ارتجاف اليدين. لاحظ السرعة التي حاول بها الخروج. لاحظ نظرة خاطفة ألقاها عليه قبل أن يغلق الباب — نظرة خوف وذنب معًا.

ظل كاليان يتابعه بعينيه حتى أغلق الباب خلفه، ثم أدار رأسه ببطء نحو أران. قال بصوت بارد، حاد، كأنه يغرز إبرة في جرح قديم:

— "رجالكم يرتجفون أكثر من رماحهم. هذا ليس جيدًا."

رد أران بحدة، لكن حدة كانت مصطنعة، كمن يهاجم لأنه يعرف أنه على وشك أن يُهاجم:

— "الجنود شباب، لا خبرة لهم بعد. هذا طبيعي."

— "لا" — قال كاليان، وصوته كان قاطعًا، لا يقبل الجدل — "هذا ليس طبيعيًا. لقد رأيت هذا من قبل. هذا ليس خوف المبتدئين الذين لم يروا معركة بعد. هذا خوف من شيء آخر. خوف من شيء رأوه أو سمعوه، ولم يُسمح لهم بذكره. خوف من شيء يتحرك تحت أقدامهم وهم لا يستطيعون التحدث عنه."

ظل صامتًا لحظة طويلة. كاليان لم يعجله. كان يعرف أن الصمت في هذه اللحظات أقوى من أي سؤال. كان يعرف أن أران سيتحدث إذا تُرك لنفسه، لأن الرجل لم يكن كاذبًا محترفًا. كان مجرد قائد عادي وُضع في موقف لا يستطيع الخروج منه.

أخيرًا، مال أران إلى الخلف على كرسيه. كانت الحركة بطيئة، ثقيلة، كمن يحمل على كتفيه أكثر مما يستطيع. تنهد تنهيدة طويلة، خارجة من أعماق صدره، كأنه يخرج معها كل الهواء الذي كان يحبسه. نظر إلى الباب ليتأكد من أنه مغلق تمامًا، ثم نظر إلى النافذة الصغيرة في الجدار المقابل، وكأنه يتأكد أن لا أحد يراقب.

ثم قال بصوت منخفض، منخفض جدًا، بالكاد يُسمع:

— "لا أستطيع أن أقول الكثير… لكن اسمعني، كاليان."

اقترب كاليان قليلًا، حركة صغيرة، لكنها كانت كافية ليجعل أران يشعر بأنه تحت المجهر. حدق فيه بعينيه الرماديتين حتى شعر أران أنه سقط في هاوية لا مفر منها.

— "منذ أسبوعين" — قال أران، وصوته كان يتقطع أحيانًا — "ازدادت أوامر التدريب فجأة. الجنود يعملون ساعات إضافية، تدريبات ليلية، مناورات في مناطق لا معنى لها. بلا سبب واضح. بعضهم بدأ يتذمر، لكن الأوامر كانت تأتي من أعلى، ولا أحد يستطيع الاعتراض."

توقف، بلع ريقه، ثم أكمل:

— "ومع ذلك، في الليلة التي وقع فيها الهجوم… كان نصف الحراس غائبين. ليسوا في إجازة، ليسوا في مهمات أخرى. غائبون بأوامر عليا. أوامر جاءت قبل ساعات من الهجوم."

ارتفع حاجبا كاليان قليلًا. كانت هذه المعلومة أكبر مما توقع. لم يكن مجرد تقصير أو إهمال. كان ترتيبًا مسبقًا.

صوته كان باردًا كالثلج:

— "أوامر من من؟"

هز أران رأسه. لم تكن هزة رفض، بل هزة عجز. أسنانه كانت تطبق على بعضها بقوة، كأنه يحاول أن لا ينطق بالاسم الذي في رأسه.

— "لا تسألني" — قال، وصوته كان بالكاد همسًا — "لا أريد أن أفقد منصبي… أو رقبتي."

كانت الكلمات الأخيرة هي التي جعلت كاليان يتوقف. لم يكن "منصبي" فقط. كان "رقبتي". هذه ليست كلمة يقولها قائد عادي. هذه كلمة يقولها رجل يعرف أن اللعبة أكبر منه، وأنه قد يكون ضحيتها.

وقف كاليان دون أن ينطق بكلمة. لم يودع، لم يشكر، لم يهدد. فقط وقف، وأخذ سيفه من على الطاولة، واتجه نحو الباب. عند العتبة، توقف للحظة، وأدار رأسه نحو أران.

— "أحسنت" — قال. فقط هاتين الكلمتين. لكنهما كانتا أثقل من أي تهديد.

خرج وترك الباب مفتوحًا خلفه.

---

خرج كاليان من المكتب وهو يفكر.

خطواته في الممر الطويل كانت هادئة، لكن رأسه كان يعمل بسرعة. كان يربط المعلومات: أوامر تدريب مكثفة بلا سبب، حراس غائبون في ليلة الهجوم، جنود مرتعدون، قائد يخاف على رقبته. كل هذه الخيوط كانت تتجه إلى مكان واحد: إلى شخص في القيادة العليا أراد أن يكون الدفاع أضعف مما يجب في تلك الليلة.

لكن السؤال الأهم كان: لماذا؟

وصل إلى الساحة الداخلية للحصن. كانت الشمس قد بدأت تميل إلى الغروب، وأشعة البرتقالي والذهبي كانت ترسم ظلالًا طويلة على الأرضية الحجرية. كان الجنود لا يزالون يتدربون، لكن الضربات كانت بطيئة، بلا شغف، بلا روح. العرق كان يتصبب منهم، لكنهم كانوا يبدون كأنهم يحركون أجسادًا لا أرواح فيها.

وقف كاليان للحظة على حافة الساحة، يراقب. كانوا يؤدون تمارين السيوف الأساسية: ضربة، تصدي، ضربة، تصدي. كانت الحركات صحيحة من الناحية الفنية، لكنها كانت خاوية. لم يكن هناك ذلك الحماس الذي يدفع الجندي إلى أن يضرب بقوة أكبر، أن يتقدم خطوة إضافية، أن يصرخ بصوت يملأ الساحة.

كانوا يؤدون واجبًا. لا أكثر.

على أطراف الساحة، كان هناك باعة صغار يبيعون الخبز والجبن والماء للجنود. كانت أصواتهم خافتة أيضًا، كأنهم يخشون أن يزعجوا أحدًا. كانت عيونهم تتحرك بين الجنود وبعضهم، يتبادلون نظرات مفهومة، كأنهم يقولون: "هل رأيت؟ هل سمعت؟"

بعيدًا قليلًا، كانت هناك نساء يقفن خلف أسوار منخفضة، يراقبن أولادهن وهم يلعبون في ساحة صغيرة. لكن نظراتهن لم تكن على الأطفال. كانت تتجه نحو الحصن، نحو الجنود، نحو البوابة الشرقية التي لا تُرى من هنا. كانت أيديهن مشبوكة أمامهن، وأصابعهن تعصر بعضها بعصبية.

عند البوابة الرئيسية للحصن، كان هناك شحاذ عجوز جالس على حجر منحوت.

كان جسده هزيلًا جدًا، كأنه لا يملك من اللحم ما يغطي عظامه. ثيابه كانت ممزقة، ممزقة لدرجة أنها لم تعد تغطي ما يجب أن تغطي. كان وجهه مغطى بلحية بيضاء طويلة غير مشذبة، وعيناه غائرتان في محاجرهما كأنهما اختفتا في الوجه.

لكن العينين كانتا حادتين. حادتين جدًا.

كان يعزف على آلة وترية صدئة، آلة لا يعرف اسمها أحد، ربما كانت عودًا قديمًا أو ربما كانت شيئًا آخر. أوتارها كانت مصنوعة من معدن رقيق، صدئ في بعض الأماكن، ولا تصدر إلا أنغامًا مشروخة، مكسورة، كأنها تبكي بصوت لا يفهمه أحد.

رفع العجوز رأسه حين اقترب كاليان. كان هناك بريق في عينيه، بريق غريب، كأنهما شهدتا أشياء لا ينبغي لأحد أن يراها، وكأنهما ما زالتا تريانها الآن. ابتسم ابتسامة خالية من الأسنان، وقال بصوت خافت، خافت لدرجة أن كاليان كاد لا يسمعه:

— "هل تريد أن تسمع لحنًا عن الذئاب الرمادية؟"

توقف كاليان في مكانه. وقف هناك، ينظر إلى العجوز، واللحن المكسور يملأ أذنيه. كان يعرف أن العجوز لم يكن مجرد شحاذ عادي. لم يكن هناك شحاذ عادي يعزف لحنًا عن الذئاب الرمادية في ساحة حصن عسكري، في يوم كله توتر وخوف.

نظر إليه طويلًا. نظرته كانت صامتة، لكنها كانت تحمل آلاف الأسئلة. من أنت؟ ماذا تعرف؟ كيف تعرف؟ ولماذا أنت هنا؟

لكنه لم يسأل.

أدار ظهره للعجوز وأكمل سيره. كان يعرف أن السؤال في هذا المكان قد يكون خطيرًا. كان يعرف أن بعض الأسئلة لا تُطرح إلا عندما تكون مستعدًا للإجابة عنها بنفسك.

ظل العجوز يعزف خلفه. كان اللحن المكسور يتردد في أرجاء الساحة، يرتفع ويهبط، كأنه يتبع خطواته. كان لحنًا حزينًا، غريبًا، كأنه يروي قصة لا يريد أحد أن يسمعها. كان لحنًا عن ذئاب لا تصيد للجوع، عن وحوش تأتي من الغابة في ليلة كان الحراس فيها غائبين، عن شيء يتحرك في الظل وينتظر.

خرج كاليان من بوابة الحصن، ودخل إلى شوارع المدينة التي بدأت تضيئها الفوانيس الأولى. كانت السماء قد احمرت بالكامل في الأفق الغربي، وأول النجوم بدأت تظهر خجولة في الشرق.

كان يفكر في كل ما رآه وسمعه. الخيوط كانت تترابط في رأسه: أوامر عليا، حراس غائبون، جنود خائفون، قائد يخاف على رقبته، شحاذ غريب يعزف عن الذئاب الرمادية.

لم تكن هذه مجرد إهمال أو تقصير. كانت خيوط مؤامرة.

كان يعرف أن عليه أن يتحرك بسرعة. و يعرف أن فارن وريلا ينتظرانه في مكان ما، وأن الوقت ليس في صالحه. فما بدأ في البوابة الشرقية لم ينته بعد. ربما لم يبدأ بعد.

واصل السير بخطوات سريعة، وعيناه خضراء لا تزالان تراقبان كل شيء.

---

نهاية الفصل الثالث والعشرين

--- ​

2026/03/28 · 2 مشاهدة · 1680 كلمة
نادي الروايات - 2026