--- الفصل الرابع والعشرون: نافذة على العالم
--- استفاق إيريك من نوم لم يشعر بثقله إلا حين حاول فتح عينيه.
كان جفناه كأنهما مغلولان بسلاسل من رصاص، وكل محاولة لرفعهما كانت أشبه بمعركة صامتة مع جسد لا يريد أن يستيقظ. شعر بوجع خفيف في مؤخرة رأسه، ليس كالذي تذكره من أيام الغابة، بل وجع باهت، كصدى بعيد لصوت انطفأ.
تنفس بعمق. كان الهواء باردًا، نظيفًا، يملأ صدره ببطء. لم تكن هناك رائحة الخوف التي عرفها في الغابة، ولا رائحة الدماء التي علقت بملابسه أيامًا. كانت هناك رائحة الخشب المعتق، ورائحة شيء آخر — أعشاب طبية ربما، أو زهور جافة.
فتح عينيه أخيرًا. السقف كان خشبيًا، منخفضًا قليلًا، فيه عروق داكنة تمتد كخرائط لأرض لا يعرفها. كانت الغرفة صغيرة، لكنها لم تكن قذرة. هناك نافذة واحدة، مغلقة، يخترق ضوءها من وراء ستارة بيضاء باهتة.
وهناك، على جسده، كان هناك شيء مختلف.
رفع يده إلى كتفه الأيمن. كان هناك ضمادة، لا تزال ملفوفة بإحكام. لكنها لم تكن كما يتذكر. كانت أنظف، وأحدث، وكأنها وضعت منذ ساعات لا أيام. أصابعه لامست القماش الخشن، وشعرت بشيء تحته — شيء صلب، بارز.
تردد لحظة. ثم بدأ يفك الضمادة ببطء.
كانت اللفة الأولى سهلة، والثانية كذلك. أما الثالثة فكانت عالقة قليلًا، كأنها التصقت بالجلد. أزالها برفق، وهو يعض على شفته السفلى تحسبًا للألم.
لكن الألم لم يأتِ.
انكشف الجلد تحتها، وتوسعت عيناه.
لم يكن هناك جرح.
كان هناك ندبة. ندبة كبيرة، غليظة، حمراء قاتمة، تمتد من أعلى كتفه إلى أسفل الصدر. لم تكن ندبة عادية — كانت كأن الجلد انشق ثم أُعيد لحمه بعنف، كأن نارًا كوَت الحواف لتمنعها من التمزق مجددًا. الخط كان سميكًا في بعض الأماكن، رفيعًا في أخرى، وفي الوسط كان هناك انبعاج صغير كأن شيئًا غرز هناك ثم سُحب.
مرر أصابعه على الندبة بحذر. كانت باردة، خشنة، تختلف عن نعومة الجلد المحيط بها. لم يكن هناك ألم — لا وخز، لا حرارة، لا شيء. كأن الجرح اندمل منذ سنوات، لا أيام.
كيف؟
كان يتذكر تلك المخالب. يتذكر كيف مزقت لحمه، كيف شعر بأنيابها تغوص في كتفه حتى كادت تلمس العظم. كان يتذكر الدماء التي سالت، والألم الذي جعله يصرخ صرخة لم يعرف أنه يملكها. كان يتذكر أنه ظن أن تلك هي النهاية.
والآن، لم يبقَ من كل ذلك سوى هذا الندب.
نظر إلى كتفه في المرآة الصغيرة المعلقة على الحائط المقابل. كانت المرآة غائمة، قديمة، لا تعكس التفاصيل بدقة. لكنه رأى ما يكفي: الندبة كانت كبيرة، أكبر مما توقع، وكأن الجرح كان أعمق مما تذكر.
ثم تذكر ظهره.
أدار جسده بصعوبة، وشق طريقه إلى المرآة بخطوات متعثرة. وقف أمامها منحنيًا، يلتفت عنقه ليرى ما لا يراه.
كانت الندوب على ظهره أكثر.
ثلاثة خطوط متوازية، تمتد من كتفه الأيمن إلى منتصف الظهر، غليظة، محمرة، كأن مخلبًا عملاقًا مر على جلده وترك أثرًا لا يمحى. بينها، كانت هناك خطوط أصغر، متفرعة، كأن الضربة الأولى تبعتها ضربات أخرى وهو يحاول الهرب.
وقف هناك يتأملها طويلًا. كان الجو باردًا، لكن جسده كان يتصبب عرقًا باردًا. لم يكن خائفًا — كان متفاجئًا، مرتبكًا، لا يفهم.
كيف شفيت بهذه السرعة؟ كم من الوقت مضى؟ أيام؟ أسابيع؟
ثم رأى شيئًا آخر.
في المرآة، على رأسه، كان هناك شيء لم يكن هناك من قبل.
خصلة شعر بيضاء.
ليست رمادية، بل بيضاء ناصعة، كالثلج، كالورق الأبيض. كانت في جهة صدغه الأيسر، تتدلى بين خصلات شعره السوداء كخيط من نور في ظلام. كانت رفيعة، لكنها كانت واضحة، لا يمكن تجاهلها.
مد يده إليها، لمسها برفق. كانت ناعمة، حريرية تقريبًا، تختلف عن خشونة شعره المعتاد. شدها برفق، فلم تنزع. كانت جزءًا منه.
نظر إلى المرآة طويلًا. كان ينظر إلى وجه ليس وجهه تمامًا. كان وجه إيريك، الاسم الذي اختاره لنفسه. كان وجه رجل مرّ بما لا يمر به البشر، وخرج من الجانب الآخر مصحوبًا بعلامات لا يمكن إخفاؤها.
كيف يمكن ذلك فقط؟ تساءل. كيف تنمو خصلة بيضاء في فترة قصيرة؟
لم ير إيريك أو يدقق في شكله منذ أن وجد نفسه في هذه الأرض، لذلك ربما كانت هذه التغيرات موجودة منذ البداية أو في فترة ما.
لم يكن يعرف. لم يكن يعرف شيئًا.
---
جلس على حافة السرير، ويداه على ركبتيه، ورأسه منحني. كان يحاول أن يجمع أفكاره، أن يرتبها في صف واحد، أن يفهم أين هو وماذا صار.
كان يتذكر الغابة. كان يتذكر الأيام التي قضاها فيها، يتذكر الجوع والعطش والخوف، يتذكر الأشجار التي لا تنتهي، والظلام الذي كان يبتلع كل شيء. كان يتذكر أنه كان يركض دون أن يعرف إلى أين، ويختبئ دون أن يعرف ممّن.
ثم كان هناك الذئاب. المخالب. الدماء. ثم سيرين التي حملها على كتفه وأنقذها من الذئاب. ثم استفاق هنا، في هذا المكان.
أين هنا؟
كانت — سيرين — قد قالت إنها مدينة فورسن. الحصن الأول للمنبوذين في غابة الضلال. كانت هذه الكلمات لا تزال ترن في أذنيه: منبوذين، غابة ضلال، مدينة فورسن. أسماء لم يسمع بها من قبل. أسماء تحمل في طياتها قصصًا لا يعرفها.
لم يكن هذا أكثر ما يقلقه. ما يقلقه هو أنه لا يعرف شيئًا عن هذا العالم. لا يعرف قوانينه، لا يعرف عاداته، لا يعرف من يحكم، لا يعرف كيف يعيش الناس، لا يعرف حتى ما يأكلون وما يشربون. كان جاهلاً كالطفل الذي يولد في عالم لا يعرفه.
لكن لا بد أن أتعلم. لا بد أن أتأقلم. لا بد أن أعيش هنا.
وهذا كان يعني شيئًا واحدًا: أن يصبح شخصًا آخر.
كان بإمكانه أن يبقى "يوسف". الاسم لم يكن غريبًا، يمكن أن يمر. لكن "يوسف" كان اسم رجل من عالم آخر. كان اسم رجل لا يعرف شيئًا عن هذه الأرض، ولا يعرف كيف يمشي في شوارعها، ولا يعرف كيف يتحدث مع أهلها. كان اسم رجل غريب، وسيبقى غريبًا ما دام يحمل هذا الاسم.
لكن "إيريك" كان مختلفًا. "إيريك" كان اسمًا يمكن أن يكون لأي شخص. كان اسمًا لا يحمل في طياته تاريخًا، لا يحمل ذكريات، لا يحمل وطنًا بعيدًا لا يمكن العودة إليه.
إيريك… هذا أنا الآن.
كان قد قرر ذلك عندما استفاق أول مرة. لكن القرار كان يحتاج إلى تأكيد، يحتاج إلى أن يقوله مرة أخرى، ليسمعه، ليصدقه.
همس به لنفسه، وصوته كان خافتًا، لا يكاد يُسمع:
— "إيريك. اسمي إيريك."
كانت الكلمات تخرج من فمه ببطء، كأنها تختبرها، تذوقها، تجعلها جزءًا منه. وكلما قالها، كان يوسف القديم يبتعد خطوة. كان يغوص في مياه الذاكرة التي لن تعود، تاركًا مكانه لرجل جديد، رجل يبدأ من الصفر في عالم لا يعرفه.
وقف من على السرير. كان جسده لا يزال متعبًا، لكنه لم يكن منهكًا. خطواته الأولى كانت مترددة، كطفل يتعلم المشي. لكن مع كل خطوة، كان يزداد ثباتًا، يزداد قوة.
توجه نحو النافذة.
كانت الستارة بيضاء، رقيقة، تتحرك قليلًا مع نسمة هواء تأتي من تحت الباب. مد يده إليها، وأزاحها ببطء.
وتجمد.
---
لم يكن يتوقع هذا.
كان يتوقع شوارع ضيقة، أزقة مظلمة، بيوتًا متراصة كالتي رأى في الغابة قبل أن يهاجمه الذئاب. كان يتوقع مدينة حصينة، جدرانًا عالية، حراسًا مسلحين. كان يتوقع مدينة تعرف أنها في خطر، مدينة تخاف من الغابة المحيطة بها.
لكن ما رآه كان مختلفًا.
كانت المدينة تمتد أمامه كسجادة منسوجة بعناية إلهية. مباني من حجر رمادي فاتح، ترتفع في تناغم بديع، ليس عشوائيًا، بل بتصميم يوحي بأن كل حجر وضع في مكانه عن قصد. كانت النوافذ مقوسة، تعلوها زخارف جصية بسيطة، ليست مبهرجة، لكنها جميلة، أنيقة، كمن يريد أن يقول: الجمال هنا ليس صراخًا، بل همسًا.
الشارع الذي يطل عليه كان واسعًا، مرصوفًا بحجارة رمادية منتظمة، مصفوفة في أنماط هندسية تجعل العين تتبعها دون أن تمل. لم يكن هناك تراب، لا وحل، لا غبار يثير. كان الشارع نظيفًا، كأن أحدًا يمسحه كل صباح.
على جانبيه، كانت هناك أشجار. أشجار كبيرة، ضخمة، لا تشبه أشجار الغابة التي عرفها. كانت أوراقها خضراء زاهية، متداخلة، تخلق ظلالًا ناعمة على الأرض. بينها، كانت هناك حدائق صغيرة، محاطة بأسوار منخفضة من الحديد المزخرف. فيها زهور بألوان لا يعرفها: أرجوانية فاتحة، وردية شاحبة، صفراء كالذهب.
وخلف كل هذا، في الأفق البعيد، كان هناك الجدار.
لم يكن جدارًا عاديًا. كان جدارًا عملاقًا، يحيط بالمدينة كلها، يرتفع إلى السماء كجبل من صنع البشر. لم يرَ إيريك شيئًا مثله في حياته. كان أسود في بعض الأجزاء، رماديًا في أخرى، وكأنه بني من حجارة مختلفة على مر العصور. قمته كانت مغطاة بأبراج مراقبة، وأعلام ترفرف في الريح. كان يبدو ككائن حي، كحارس صامت لا ينام، يحمي هذه المدينة من كل ما هو خارجها.
وقف إيريك هناك، يتأمل هذا المشهد الذي لم يتخيله. كان قلبه يخفق بسرعة، وعيناه تتسعان، وفمه ينفتح قليلًا من الدهشة. لم يكن يتوقع الجمال. كان يتوقع القبح، البؤس، الخوف. لكن ما رآه كان عكس ذلك كله.
هذه مدينة المنبوذين؟ تساءل. كيف يمكن أن يكون المنفى بهذا الجمال؟
لكن حتى وهو يسأل، كان يعرف الإجابة. الجمال لا يعني الحرية. الجدران العالية لا تُبنى إلا لحماية شيء، أو لحبس شيء. وهذه الجدران كانت عالية جدًا لتحبس شيئًا لا يريد الهروب — أو لا يستطيع.
أخذ نفسًا عميقًا. هواء المدينة كان مختلفًا عن هواء الغابة. كان أنظف، وأخف، يحمل رائحة الزهور والأعشاب، ورائحة الخبز الطازج من فرن قريب. كان الهواء الذي يتنفسه الناس الذين يعيشون هنا، الذين يبنون هذه البيوت، ويزرعون هذه الحدائق، وينامون في ظل هذه الجدران.
وكان الآن هو واحدًا منهم.
---
كان لا يزال واقفًا عند النافذة، غارقًا في تأملاته، عندما سمع طرقًا خفيفًا على الباب.
— "سيد إيريك؟ أأنت مستيقظ؟"
كان صوتًا أنثويًا، شابًا، فيه شيء من التردد. التفت نحو الباب، وقال بصوت لا يزال مبحوحًا قليلًا:
— "نعم… ادخلي."
فتح الباب على مصراعيه، ودخلت فتاة صغيرة.
لم تكن أكبر من ستة عشر عامًا، ترتدي ثوبًا أبيض بسيطًا، فوقه مئزر رمادي. شعرها أشقر فاتح، مربوط في ذيل حصان مشدود، ووجهها يحمل تلك النعومة التي لا يملكها إلا الصغار. كانت تحمل بين يديها صينية خشبية كبيرة، عليها غطاء من قماش أبيض.
دخلت بحذر، وضعت الصينية على الطاولة الصغيرة قرب السرير، ثم نظرت إليه بنظرة سريعة، خجولة، كمن لا تعرف إن كان مسموحًا لها أن ترفع عينيها.
— "السيدة سيرين قالت إنك قد تستيقظ اليوم، فأعدت لك الطعام. قالت إنك ستحتاج إلى القوة."
ابتسم إيريك ابتسامة خفيفة. كان يشعر بجوع لم يشعر به منذ أيام — جوع حقيقي، ليس جوع البقاء على قيد الحياة، بل جوع العودة إلى الحياة.
— "شكرًا لكِ" — قال، وجلس على حافة السرير قرب الطاولة.
رفعت الفتاة الغطاء، وتصاعد بخار خفيف.
كان الطبق بسيطًا، لكنه بدا له أجمل ما رأى في حياته. وعاء من الفخار الأبيض، فيه عصيدة كثيفة، لونها ذهبي فاتح، كأنها مصنوعة من حبوب لم يعرفها من قبل. إلى جانبها، قطعة خبز كبيرة، بنية اللون، عليها حبات سمسم محمص. وفي طبق صغير آخر، كانت هناك قطعتان من اللحم، مشويتان، لا تزالان تفوحان برائحة الفحم والأعشاب.
أخذ الملعقة التي وضعتها الفتاة بجانب الطبق، وغمسها في العصيدة. كانت ثقيلة، لزجة قليلًا، لكنها كانت دافئة، دافئة جدًا. وضعها في فمه.
كان الطعم مألوفًا وغريبًا في نفس الوقت. فيه حلاوة خفيفة من الحليب أو العسل، وفيه ملوحة خفيفة من الملح الذي لم يتذوقه منذ أيام. كان طعمًا بسيطًا، لكنه كان طعم الحياة.
أخذ لقمة ثانية، ثم ثالثة. ومع كل لقمة، كان يشعر بشيء يذوب في داخله. لم يكن الجوع فقط، بل شيء آخر — شيء كان محبوسًا منذ أيام الغابة، منذ لحظة وطأت قدماه هذه الأرض المجهولة.
كان يشعر بأنه يعود إلى الحياة.
أكل العصيدة كلها دون أن يتوقف. ثم انتقل إلى الخبز. قطعه بيديه، وكان لا يزال دافئًا، طريًا من الداخل، مقرمشًا من الخارج. غمسه في بقايا العصيدة، ثم وضعه في فمه. كان الطعم أفضل، أغنى، كأن الخبز يمتص كل نكهة العصيدة ويطلقها في فمه.
أما اللحم، فكان طريًا جدًا، يتفكك بمجرد لمسه بالشوكة. لم يكن يعرف نوعه — ليس دجاجًا، ولا لحم ضأن، ولا أي حيوان يعرفه. لكنه لم يسأل. لم يكن يريد أن يعرف. كان يريد فقط أن يأكل.
عندما أنهى الطبق كله، جلس هناك للحظة، ينظر إلى الصينية الفارغة. كان يشعر بدفء غريب ينتشر في جسده، كأن كل لقمة كانت تعيد إليه جزءًا من قوته، جزءًا من روحه التي كادت تفارقه في الغابة.
رفع عينيه إلى الفتاة التي كانت تقف في الزاوية، تنتظر بصبر.
— "كم من الوقت مضى؟" — سأل، وصوته كان أكثر وضوحًا الآن — "منذ أن جئت إلى هنا؟"
أجابت الفتاة، وهي تجمع الأطباق الفارغة:
— "أربعة أيام، سيد إيريك. جئت إلى هنا قبل أربعة أيام، وأنت نائم منذ ذلك الحين."
أربعة أيام. توقف عن الأكل، وكرر الكلمة في ذهنه. أربعة أيام من النوم العميق، من الجسد الذي كان يعيد بناء نفسه، من الجروح التي التئمت بسرعة لا تفسير لها. أربعة أيام نما فيها هذا الخصلة البيضاء في شعره.
— "أربعة أيام" — قال بصوت منخفض — "شعرت وكأنها سنوات."
ابتسمت الفتاة ابتسامة خجولة، وقالت وهي تتجه نحو الباب:
— "السيدة سيرين قالت إنك إذا استيقظت، يمكنك أن تخرج لتمشي قليلًا. الهواء النقي سيساعدك على التعافي."
ثم غادرت، تاركة إياه وحيدًا مع أفكاره.
---
وقف إيريك بعد أن أغلقت الفتاة الباب. كان جسده لا يزال متعبًا، لكنه لم يكن منهكًا. مد ذراعيه فوق رأسه، وتمطى ببطء، وشعر بعظام ظهره تفرقع واحدة تلو الأخرى. كان شعورًا غريبًا — كأن جسده كان مطويًا طوال هذه الأيام، والآن بدأ ينفتح.
ثم قرر أن يخرج.
لم يكن يعرف أين يذهب، لكنه كان يعرف أنه لا يستطيع البقاء في هذه الغرفة أكثر. كان بحاجة إلى أن يرى، أن يعرف، أن يفهم.
فتح الباب ودخل إلى ممر طويل. جدرانه بيضاء، وأرضيته خشبية، وعليه عدة أبواب أخرى تشبه بابه. في نهاية الممر، كان هناك ردهة صغيرة، فيها مكتب خشبي، وخلفه رجل في الأربعينات يرتدي زيًّا مشابهًا لزي الفتاة.
رفع الرجل رأسه عندما رآه، وابتسم ابتسامة ترحيبية.
— "سيد إيريك! استيقظت أخيرًا. السيدة سيرين قالت إنك قد تخرج اليوم."
اقترب إيريك منه، وسأل:
— "أين يمكنني أن أجدها؟ أريد أن أشكرها."
أشار الرجل بيده نحو ممر جانبي:
— "مكتبها في نهاية هذا الممر، الباب الثاني على اليمين. لكنها مشغولة الآن، كما هو الحال دائمًا."
شكره إيريك، وسار في الممر الذي أشار إليه. كان الممر أضيق من الأول، وأكثر ازدحامًا. فيه أرفف تحوي ملفات وأوراقًا، وكراسي صغيرة لمن ينتظرون. على الجدران، كانت هناك لوحات صغيرة تصور مشاهد طبية — تشريح لجسم بشري، أعشاب نادرة، أدوات جراحية قديمة.
وصل إلى الباب الثاني. كان مغلقًا، لكنه لم يكن مغلقًا تمامًا — كان هناك شق صغير يسمح له برؤية ما في الداخل.
رآها.
كانت سيرين جالسة خلف مكتب خشبي كبير، مغطى بأوراق وملفات وكتب مفتوحة. كانت ترتدي ثوبًا أبيض بسيطًا، وشعرها الأسود مربوط في ضفيرة على كتفها. كانت غارقة في العمل لدرجة أنها لم تسمع خطواته. كان قلمها يتحرك بسرعة على الورق، وعيناها تتابعان ما تكتب بتركيز شديد.
وقف إيريك هناك لحظة، يراقبها. كانت مختلفة عن تلك الليلة — ليلة الطقوس، ليلة الذئاب. لم تكن هناك دموع في عينيها، ولا حزن يثقل ملامحها. كانت هناك امرأة تعمل، امرأة لديها مسؤوليات، امرأة لا وقت لديها للضعف.
طرق الباب بخفة.
رفعت رأسها، ورأت وجهه من خلال الشق. نهضت من خلف مكتبها بسرعة، وفتحت الباب على مصراعيه.
— "إيريك!" — قالت، وكان صوتها يحمل شيئًا من الارتياح — "استيقظت أخيرًا. كيف تشعر؟"
دخل الغرفة، وجلس على الكرسي المقابل لمكتبها.
— "أفضل" — قال — "بكثير مما كنت عليه. شكرًا لكِ."
جلست مقابلته، ووضعت قلمها جانبًا. نظرت إليه بعينين طبيتين، تفحصان وجهه، عينيه، حركاته.
— "الجروح؟" — سألت — "كيف تشعر بها؟"
رفع كتفه الأيمن في حركة خفيفة.
— "لا ألم. فقط… ندوب. وكأن الجرح اندمل منذ سنوات."
أومأت برأسها، كأنها كانت تتوقع هذا.
— "كنت خائفة من حدوث التهاب، لكن جسدك تعافى بسرعة غير متوقعة. ربما كنت أقوى مما بدوت."
صمت للحظة، ثم سأل السؤال الذي كان يشغله:
— "قالت الفتاة التي جلبت الطعام إنني نمت أربعة أيام. هل هذا صحيح؟"
— "أربعة أيام بالضبط" — قالت سيرين — "كنت تنام نومًا عميقًا، بالكاد تتحرك. كنت أفحصك كل يوم، وأتأكد أن حالتك مستقرة. في اليوم الثالث، بدأت الجروح تلتئم بسرعة. وفي اليوم الرابع، اختفت الحمى."
أربعة أيام. كان الوقت كافيًا لتموت حياة قديمة وتولد حياة جديدة.
— "ومتى يمكنني الخروج من هنا؟" — سأل — "أعني، متى أستطيع مغادرة هذا المكان؟"
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:
— "بعد أيام قليلة. أريد أن أتأكد أن جروحك لن تعود. لكنك تستطيع أن تمشي الآن، إذا أردت. الهواء النقي سيفيدك."
تردد للحظة، ثم قال:
— "هل يمكنني الخروج؟ إلى الخارج؟ إلى المدينة؟"
رفعت حاجبها. كانت تعلم أنه لا يتذكر شيئًا عن المدينة — أو يدعي أنه لا يتذكر. لكنها لم تتعقب كلماته.
— "تستطيع" — قالت — "لكن بشرط."
— "ما هو؟"
— "أن يرافقك أحد. لا أعرف إن كنت تعرف المدينة أم لا، لكن الضياع فيها سهل. والأهم، أنت لا تزال ضعيفًا. لو حدث لك شيء، لن تستطيع الدفاع عن نفسك."
لم يعترض. كان يعلم أنها على حق.
نادت سيرين على أحد الصبية الذين يساعدون في المستوصف. كان صبيًا في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، نحيلًا، وجهه مليء بالنمش، وعيناه بنيتان كبيرتان تلمعان بالفضول. كان يرتدي سروالًا بنيًا وقميصًا رماديًا، وحذاءً جلدياً باليًا.
قالت سيرين للصبي:
— "خذ السيد إيريك في جولة قصيرة. لا تبتعد كثيرًا، وعُد به خلال ساعة."
أومأ الصبي بحماس، ونظر إلى إيريك بعينين تتألقان.
— "تعال معي، سيد إيريك. سأريك أجمل شوارع الحي."
---
خرجا من المستوصف معًا. كانت الشمس في كبد السماء، ضوءها أبيض ناصع، يغطي كل شيء ببساط لا رحمة فيه. أغمض إيريك عينيه للحظة، لم يعتاد على هذا الضوء بعد أيام في غرفة شبه مظلمة.
عندما فتحهما، كان الصبي ينتظره بفارغ الصبر.
— "من أين تبدأ؟" — سأل إيريك.
— "من هنا" — قال الصبي، وأشار بيده إلى الشارع الذي كان يراه من نافذته قبل ساعات — "هذا شارع الزيتون. أسميناه بهذا الاسم بسبب هذه الأشجار التي تراها. يقال إنها زرعت قبل مئة عام، عندما بنيت هذه الأحياء."
مشيا ببطء. كانت خطوات إيريك لا تزال متعثرة قليلًا، لكن مع كل خطوة كان يزداد ثباتًا. كان الصبي يمشي إلى جانبه، يتحدث بسرعة، كمن ينتظر هذه الفرصة منذ وقت طويل.
— "هذا هو الحي الأوسط" — قال الصبي — "ليست أغنى أحياء المدينة، لكنها ليست أفقرها. هنا يعيش الحرفيون والتجار الصغار والموظفون. البيوت جيدة، والشوارع نظيفة، والأسواق قريبة."
أشار بيده إلى مبنى كبير في نهاية الشارع:
— "هذا هو سوق الزيتون. كل يوم اثنين وخميس، يقام فيه سوق شعبي. يبيعون كل شيء هناك: الخضار، الفواكه، الملابس، الأدوات المنزلية. حتى الحيوانات أحيانًا."
سأل إيريك، وهو يحاول أن يبدو فضوليًا لا جاهلاً:
— "وهل هناك أسواق أخرى؟ أكبر من هذا؟"
ضحك الصبي:
— "بالطبع! السوق الكبير في المنطقة الشمالية هو الأكبر في المدينة. يقولون إنه يمتد عبر سبعة شوارع، وفيه كل شيء يمكن أن تتخيله. لكنني لم أذهب إليه إلا مرات قليلة. إنه بعيد، وأمي تخشى أن أضيع هناك."
مشيا في شارع آخر، أوسع من الأول، على جانبيه محلات صغيرة. كان بعضها مفتوحًا، وبعضها مغلقًا بقوالب خشبية. رجل واقف أمام دكانه، ينادي على بضاعته بصوت أجش، وامرأة تتفاوض مع بائع خضار على سعر البصل.
كانت الحياة تسير هنا كما تسير في أي مدينة. لم يكن هناك خوف ظاهر، ولا ذعر، ولا همسات. كان الناس يعملون، ويشترون، ويبيعون، وكأن لم يحدث شيء.
لكن إيريك كان يرى ما لا يراه الصبي.
كان يرى أن الباعة كانوا ينادون بصوت أعلى من المعتاد، كأنهم يحاولون ملء فراغ لا يريدون أن يبقى صامتًا. كان يرى أن النساء كنّ يمسكن بأيدي أطفالهن بقوة أكبر من اللازم. كان يرى أن الرجال كانوا ينظرون إلى نهاية الشارع أكثر مما ينظرون إلى بضاعتهم.
كان هناك شيء في الهواء. شيء لا يُرى، لكنه يُحس.
سأل الصبي، محاولًا أن يكون سؤاله عاديًا:
— "وهل تحدث أحداث غريبة في المدينة؟ أعني، أشياء غير عادية؟"
توقف الصبي عن الكلام للحظة. نظر إلى إيريك بعينين اتسعتا قليلًا، ثم قال بصوت أخفض:
— "سمعت أن هناك هجومًا على البوابة الشرقية. قبل أيام. بعض الناس قالوا إنها ذئاب، وبعضهم قالوا إنها أشياء أخرى. لكن لا أحد يعرف الحقيقة."
صمت قليلاً، ثم أضاف ببراءة الطفولة:
— "أمي تقول إن علينا ألا نخاف، لأن الجدران تحمينا. لكن أبي يقول إن الجدران لا تحمي من كل شيء."
لم يعلق إيريك. كان يعرف عن هذا الهجوم أكثر مما يعرف الصبي. كان هناك عندما حدث.
مشيا في صمت لبعض الوقت. كان إيريك يتأمل المباني، الشوارع، الناس. كانت كلها جديدة عليه، غريبة، لكنها كانت تبدأ في أن تصبح مألوفة.
ثم قال الصبي فجأة:
— "هل أنت من خارج المدينة؟ أعني، هل جئت من مكان آخر؟"
توقف إيريك. نظر إلى الصبي، الذي كان ينظر إليه بعينين فضوليتين، بريئتين.
— "لماذا تسأل؟"
— "لأن السيدة سيرين قالت إنك فقدت ذاكرتك. وإنك لا تتذكر من أين أتيت. فكرت… ربما تكون من مكان بعيد."
ابتسم إيريك ابتسامة حزينة.
— "ربما" — قال — "ربما جئت من مكان بعيد جدًا."
لم يفهم الصبي ما يعنيه. عاد إلى الحديث عن المدينة، عن أحيائها، عن أسواقها، عن الجدار العظيم الذي يحيط بها. وكان إيريك يصغي، يحاول أن يحفظ كل كلمة، كل تفصيل.
---
بعد ساعة، عادا إلى المستوصف. ودع الصبي إيريك بابتسامة عريضة، ووعده أن يأخذه في جولة أخرى عندما يتعافى تمامًا.
دخل إيريك إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه. وقف عند النافذة مرة أخرى، ينظر إلى المدينة التي بدأ يعرفها.
كان يفكر.
كان يفكر في كل ما رآه وسمعه. المدينة ضخمة، منظمة، فيها حياة ونظام. لكنها أيضًا مدينة خائفة. خائفة من شيء في الخارج، وربما خائفة من شيء في الداخل أيضًا.
كان يفكر في الجروح التي التئمت بسرعة غير طبيعية. في الخصلة البيضاء التي نمت في شعره بين عشية وضحاها. في الجسد الذي تغير، في الاسم الذي اختاره لنفسه.
كان يفكر في سيرين، التي أنقذته وعالجته، والتي كانت تنظر إليه أحيانًا بعينين تحاولان أن تقرأ ما يخفيه. كانت تعلم أنه ليس كما يقول. لكنها لم تسأل. ربما لأنها تعلم أن لكل شخص أسراره، أو ربما لأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة.
كان يفكر في الغابة التي تركها خلفه، في العالم الذي أتى منه، في كل شيء تركه هناك. لم يكن يعرف إن كان سيعود أبدًا. كان يعرف أنه ربما لا.
ولأول مرة منذ وطأت قدماه هذه الأرض، قبل هذه الحقيقة.
أنا هنا. لا أعرف كم سأبقى، ولا أعرف إن كنت سأعود أبدًا. لكنني هنا الآن. وهذه هي حياتي الجديدة. وهذا هو اسمي الجديد. وهذا هو جسدي الجديد.
أنا إيريك.
كانت الكلمات تتردد في رأسه، لا كسؤال، بل كحقيقة. حقيقة كان قد اختارها، حقيقة كان قد صنعها بنفسه.
نظر إلى السماء من النافذة. كانت تميل إلى البرتقالي في الأفق الغربي، والنجوم الأولى بدأت تظهر خجولة في الشرق. كان يومًا طويلًا، أول أيامه في هذه المدينة، أول أيامه كإيريك.
ومع غروب الشمس، شعر بشيء لم يشعر به منذ وقت طويل.
شعر بأنه في بيته.
ليس البيت الذي تركه خلفه، بل بيتًا جديدًا، لم يبنه بعد، لكنه بدأ يضع حجارته الأولى.
أغمض عينيه، وترك نفسه تغرق في هدوء المساء.
كان يعلم أن الأيام القادمة لن تكون سهلة. كان يعلم أن هناك أسئلة لم يجب عنها بعد، وأسرار لم يكشفها بعد، وأخطار لم يواجهها بعد.
لكن هذه الليلة، كان كل ما يريده هو أن يتنفس. أن يعيش. أن يكون.
إيريك.
وهكذا، في غرفة صغيرة في مدينة لا يعرفها، تحت سماء لا تشبه سماء وطنه، بدأ رجل جديد رحلته في عالم جديد.
---
نهاية الفصل الرابع والعشرين
---