---

الفصل الثاني: "رياح التغيير"

---

الأيام التي تلت مقابلة العمل كانت تشبه بعضها.

يوسف يستيقظ باكرًا، يتناول فنجان الشاي الذي تضعه أمه أمامه، يخرج إلى مدينة تبتلعه وتعيشه ثم تعيده في المساء منهكًا.

مقابلات جديدة، ردود قديمة. انتظار طويل في قاعات باردة، ثم جملة "سنتواصل معك" التي أصبحت كالجرس الذي لا يرن أبدًا.

لكن شيئًا ما كان يتغير في العالم الخارجي.

في البداية، كانت إشارات خفيفة: ارتفاع في أسعار الخبز، طوابير أطول أمام المخابز، أخبار متقطعة في التلفاز عن اجتماعات حكومية طارئة.

ثم أصبحت أكثر وضوحًا: انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، نقص في بعض المواد الأساسية، وجوه الناس في الشارع وقد علت عليها سحابة من القلق.

في إحدى الأمسيات، كان يوسف جالسًا مع أمه أمام التلفاز. المذيع يقرأ نشرة الأخبار بنبرة رسمية: "إجراءات تقشفية جديدة"، "مراجعة سياسات الدعم". كلمات كبيرة لا تعني الكثير، لكن الأرقام التي تظهر على الشاشة كانت واضحة: الأسعار ترتفع، والقدرة الشرائية تتراجع.

نظرت أمه إليه:

— "يوسف... الأسعار تغلي. الخضار صار بثلاثة أضعاف. اللحم... لا تسأل."

— "أعرف يا أمي."

— "ماذا سنفعل؟"

صمت. لم يكن يعرف الإجابة.

---

في الجامعة، كان الجو مختلفًا. الطلبة يتجمعون في مجموعات، يتحدثون في همس. على الجدران، بدأت تظهر لافتات صغيرة كُتبت بخط اليد: "لا للغلاء"، "الشعب يريد". بعضها كان ممزقًا، وكأن أحدًا يحاول إخفاءها.

التقى بفؤاد في الساحة الخلفية. جلسا على مقعد حجري قديم.

— "رأيت اللافتات؟" سأل فؤاد.

— "بالتأكيد."

— "الكثيرون يتحدثون عن مظاهرات. في العاصمة، بدأ الأمر. يقال إنها ستصل إلينا قريبًا."

نظر يوسف إلى السماء. كانت رمادية كعادتها.

— "هل تعتقد أن هذا سيغير شيئًا؟"

هز فؤاد رأسه:

— "لا أعرف. لكن الناس تعبت. تريد أن يسمع صوتها."

في تلك اللحظة، مر بهما سامر. كان يركض تقريبًا، وجهه متورد، وشعره منفوش كعادته. ابتسامته الدائمة كانت هذه المرة مختلفة، فيها شيء من الحماس والغضب معًا.

— "سمعتما؟ إضراب عمال النقل الأسبوع القادم. والطلبة في كليات عدة قرروا المشاركة."

— "وأنت؟" سأل يوسف.

— "سأنزل طبعًا. لا يمكننا الصمت للأبد. تعبت من الجلوس في البيت أنتظر فرصة لا تأتي." ضحك ضحكة قصيرة. "على الأقل في الشارع سأفعل شيئًا."

نظر إليه يوسف، ثم إلى فؤاد. تبادلا نظرة سريعة.

— "سنرى." قال فؤاد بهدوء.

افترقوا على وعد باللقاء بعد المحاضرات. لوح سامر بيده وهو يبتعد:

— "لا تتأخرا كثيرًا في التفكير. الأوان قد يفوت."

---

مرت أيام. كانت الأخبار تتصاعد كموج يأتي ولا يهدأ. التلفاز يعرض مشاهد من مدن مختلفة: مظاهرات حاشدة، شعارات عالية، قوات أمن تتصدى، أحيانًا بإطلاق الغاز المسيل للدموع.

الناس في الحي أصبحوا يتحدثون بصوت أعلى. على المقاهي، كانت النقاشات تدور حول السياسة والاقتصاد والمستقبل المجهول.

في أحد الأيام، خرج يوسف لشراء دواء لأمه. كانت تشكو من صداع مزمن هذه الأيام، ربما من القلق، ربما من التعب. سار في الطريق المؤدي إلى الصيدلية.

كان الشارع الرئيسي أكثر ازدحامًا من المعتاد. أصوات عالية من بعيد. زحام بشري غير معتاد.

في الطريق، مر بجانب مخبز. كان الطابور يمتد لعشرات الأمتار، وجوه الناس متعبة، امرأة مسنة تتكئ على حائط، ورجل يشتم بصوت خافت.

قال أحدهم للخباز: "متى سينتهي هذا؟" هز الخباز كتفيه: "لا تسألني. أنا فقط أبيع ما يأتيني."

اقترب يوسف أكثر من الساحة. رأى حشدًا كبيرًا. لافتات مرفوعة، هتافات متقطعة. كانت الكلمات تتردد في الهواء كأغنية حزينة.

وقف على الرصيف المقابل، يراقب.

كان بينه وبينهم شارع واسع. شعر بالأمان نسبيًا. لكنه لم يعلم أن الأمان كان وهمًا.

فجأة، تغير كل شيء.

صوت إطلاق نار في الهواء. ليس تحذيريًا، بل قويًا، قريبًا. الناس بدأت تركض في كل اتجاه. قنابل الغاز تنفجر هنا وهناك، والدخان الأبيض يغطي المكان. صراخ، بكاء، دوي أقدام.

حاول يوسف الابتعاد. كان يريد الركض نحو الصيدلية، بعيدًا عن الفوضى. لكن الحشد دفعه معه.

وجد نفسه في وسط الساحة، محاطًا بوجوه خائفة وعيون مذعورة. للحظة، شعر بأنه يحلم، بأن هذا لا يحدث حقًا.

لكن رائحة الغاز والدم كانت حقيقية.

سمع صوت استغاثة قريبًا منه. التفت، فرأى شابًا في مثل عمره قد سقط على الأرض. كان يمسك بساقه، والدم يسيل منها. نظر إلى يوسف بعينين تطلب النجدة.

تردد للحظة. الخوف يتملكه. لكن شيئًا ما دفعه. انحنى، حاول مساعدته على النهوض.

— "تعال... سأساعدك..."

لكن قبل أن يكمل، سمع صوتًا عاليًا آخر. ثم رأى ظلاً يركض بجانبه. عندما رفع رأسه، كان الشاب الجريح قد سقط مجددًا. والدماء تغطي صدره الآن.

وشخص آخر يركض مبتعدًا. شخص يحمل شيئًا في يده. شيء لامع.

صمت للحظة. ثم صرخات.

— "قتيل! قتيل!"

وقف يوسف مذهولاً، ينظر إلى يديه الملطختين بالدماء. دماء الشاب الذي حاول مساعدته. لم يكن يصدق. هذا لا يمكن أن يحدث. كان فقط مارًا. فقط يريد دواء لأمه.

ثم سمع صوتًا خلفه:

— "أنت! لا تتحرك!"

التفت. رجل يرتدي زياً رسميًا، وجهه متعب وعيناه حادتان. كان يشير إليه بمسدس.

— "ارفع يديك!"

حاول يوسف الكلام:

— "أنا... كنت أساعد... حاولت..."

— "سأقول لك مرة واحدة. ارفع يديك."

أحاط به رجال آخرون. تم تقييد يديه بسرعة. سُحب من مكان الحادثة وهو يصرخ:

— "لم أفعل شيئًا! أنا فقط كنت أساعد!"

لكن لا أحد كان يصغي.

---

في مركز التوقيف، احتُجز ثلاثة أيام.

الغرفة صغيرة، مظلمة، لا نافذة فيها إلا فتحة صغيرة في أعلى الجدار تسمح بدخول القليل من الضوء والهواء. سرير حجري ضيق، وبطانية رقيقة لا تكفي للدفء. رائحة رطوبة وعفن تملأ المكان.

في اليوم الأول، كان الصدمة. جلس على السرير، عيناه مفتوحتان في الظلام، يحاول فهم ما حدث.

كان في الشارع، يبحث عن دواء لأمه. والآن هو هنا، متهم بقتل شاب لم يعرفه قط.

كان يكرر في نفسه: "هذا خطأ. هذا لا يمكن أن يحدث."

لكن الجدران الباردة كانت تذكره بأنه حقيقي.

في اليوم الثاني، جاء المحققون.

استجواب طويل في غرفة ضيقة، ضوء قوي يسلط على وجهه. أسئلة متكررة:

— "ما اسمك؟"

— "يوسف."

— "ماذا كنت تفعل في الساحة؟"

— "كنت مارًا. أريد شراء دواء لأمي."

— "ومن قتل الشاب؟"

— "لا أعرف. رأيته يركض مبتعدًا. كنت أحاول مساعدة الجريح فقط."

— "لماذا يدك ملطخة بالدماء؟"

— "من مساعدته. كان ينزف."

— "هذا ما تقوله. لكن الشهود رأوك تنحني عليه ثم يموت."

— "شهود زور! أنا لم أقتله!"

استمر الاستجواب ساعات. نفس الأسئلة، نفس الإجابات. المحقق كان يضرب الطاولة أحيانًا، ويصمت أحيانًا، وينظر إليه نظرات طويلة كأنه يحاول قراءة ما وراء الكلمات.

في اليوم الثالث، شعر يوسف بأن قواه تبدأ في التلاشي. الأكل قليل، النوم شبه مستحيل.

الأفكار تتزاحم في رأسه: أمه وحيدة، لا تعلم أين هو. فؤاد يبحث عنه. العمل مع العم محمود توقف. والاتهام معلق فوق رأسه كسيف لم يسقط بعد.

ثم فجأة، فُتح باب الزنزانة.

— "يوسف؟ أخرج."

نهض ببطء. في الخارج، كان المحقق الذي استجوبه في اليوم الثاني. نظر إليه بنظرة لا تخلو من تعب.

— "لقد تم إطلاق سراحك. بكفالة."

— "لكن... أنا لم..."

— "لا تقل شيئًا. فقط اخرج. هناك من ينتظرك."

في بهو المركز، رأى فؤاد. وصورة أخرى لم يتوقعها: العم محمود.

وقف الاثنان عندما رأوه. لم يتوقع يوسف أن يرى العم محمود هناك. الرجل الذي لا يغادر محله أبدًا، الذي يقضي وقته بين الخشب والأدوات، جاء بنفسه ليشهد على إطلاق سراحه. تقدم فؤاد، احتضنه بحرارة.

— "الحمد لله. كنا خائفين عليك."

وضع العم محمود يده على كتفه. لم يقل شيئًا. لكن يوسف شعر بكل شيء في تلك اليد الثقيلة.

في الطريق إلى البيت، أخبره فؤاد:

— "بحثنا عنك في كل مكان. عندما علمنا بالخبر، ذهبنا إلى المحامي. دفعنا الكفالة من مال العم محمود وجمع من الجيران. الأدلة لم تكن كافية. قال المحامي إن هناك شهودًا رأوا القاتل الحقيقي يهرب. لكن القضية ما زالت معلقة. أنت مفرج بكفالة فقط."

— "وماذا يعني هذا؟"

— "يعني أنك لست حرًا تمامًا. يجب أن تبلغ عن نفسك أسبوعيًا. وأي تحرك خارج المدينة يحتاج إذنًا."

صمت يوسف. كان يشعر بأن العالم يضيق حوله.

---

في البيت، كانت أمه تنتظره على الباب. عندما رأته، بكت. احتضنته طويلاً، طويلاً جدًا. لم تسأل عن شيء. فقط كانت تمسك به، وكأنها تخشى أن يختفي مجددًا.

في المساء، جلست بجانبه. كانت أكثر هدوءًا من المعتاد. نظرت إليه بعينيها المتعبتين.

— "يوسف... أنا خائفة."

— "لا تخافي يا أمي. كل شيء سيكون على ما يرام."

— "لا تكذب علي. أعرف ما حدث. الجيران أخبروني. متهم بالقتل... ابني... ابني الصغير..."

بكت مجددًا. يوسف أمسك بيدها. كانت باردة، مرتجفة.

— "أمي، أنا بريء. كنت أساعد فقط. سيثبت ذلك."

— "أعرف أنك بريء. لكن الدنيا لا تعمل بالعدل دائمًا. والدك كان يقول ذلك."

صمتت قليلاً، ثم أضافت:

— "يوسف... يجب أن تفكر في مستقبلك. هذه البلاد... لا أمان فيها."

نظر إليها. عرف ما تقصد.

— "لا تتكلمي هكذا. أنت معي. سنتجاوز هذا."

— "أنا كبيرة يا بني. عمري لا يهم. لكن أنت... أنت صغير. أمامك حياة."

لم يرد. فقط أمسك بيدها حتى نامت.

---

في الأيام التالية، كان يوسف يبلغ عن نفسه كل اثنين. يقف في طوابير طويلة في مركز الشرطة، ينتظر دوره ليضع بصمته على ورقة، ثم يغادر. كان يشعر بنظرات الناس من حوله: بعضها فضولية، بعضها متعاطفة، وبعضها متهمة.

في الحي، تغيرت نظرات الجيران بعض الشيء. البعض كان لا يزال ودودًا، والبعض الآخر يتجنب النظر إليه. أبو إبراهيم، أحد كبار الحي الجالس على كرسيه، كان لا يزال يبتسم له كعادته. لكن يوسف كان يشعر بأن حتى تلك الابتسامة أصبحت مختلفة.

في محل النجارة، استقبله العم محمود كعادته. لا أسئلة، لا تعليقات. فقط أشار إلى الطاولة حيث العمل ينتظره. في صمت العم محمود، وجد يوسف راحة. كان المكان الوحيد الذي لا يشعر فيه بأنه متهم.

ذات يوم، بينما كان يعمل، قال له العم محمود فجأة. كلمات قليلة، لكنها ثقيلة:

— "الدنيا دوارة. يوم لك ويوم عليك. المهم أن لا تتوقف."

نظر إليه يوسف، كان مستغربًا من تحدث العم إليه فجأة، ورأى أن هناك حكمة عميقة في ما قاله. لم يعلق. فقط عاد إلى عمله.

---

مرت أسابيع. الأوضاع في البلاد ازدادت سوءًا. المظاهرات لم تتوقف، بل توسعت.

الأخبار تتحدث عن اعتقالات، عن جرحى. انقطاع الكهرباء أصبح يوميًا. طوابير الخبز والطعام تمتد لمئات الأمتار. الجيران يتحدثون في همس عن أيام سوداء قادمة.

في خضم هذا كله، كانت أمه تضعف. لم تعد تستطيع النهوض باكرًا لتحضر له الشاي. كانت تقضي معظم وقتها في السرير، تتنفس بصعوبة. السعال لم يعد يفارقها.

حاول يوسف. ذهب إلى صيدليات متعددة. سأل عن دواء لضيق التنفس، عن مضاد حيوي، عن أي شيء يخفف عنها. في كل مرة، كان الجواب واحدًا: الدواء غير متوفر، أو السعر خيالي.

حاول أخذها إلى المشفى، وبعد فحوصات عدة اكتشف وجود ورم خبيث في معدتها.

كانت هذه أسوأ الأخبار التي مرت على يوسف. كان الورم في درجاته الأخيرة لدرجة أنه من المستحيل علاجه. حتى لو استطاع، فكلفته تتجاوز ما يستطيع يوسف تحمله.

كان هذا الخبر ثقيلاً على يوسف.

جلس في غرفة أمه الفارغة. لم يتحرك لساعات. يداه على وجهه. لم يبك. فقط كان هناك.

ومع ذلك، كان له أمل كبير أن تتجاوز أمه المرض بمعجزة. لكن مسار الحياة مليء بالأحزان.

إحدى الليالي، بينما كان جالسًا بجانبها، فتحت عينيها بصعوبة. نظرت إليه طويلاً. ثم همست بصوت خافت:

— "يوسف... في درج الخزانة... تحت الملابس... هناك ظرف."

نهض، فتح الدرج. وجد ظرفًا أصفر قديمًا. بداخله مبلغ من المال، ليس كبيرًا، لكنه يكفي. كتبت عليه أمه بخطها المرتجف: "للسفر".

عاد إليها. كانت تبتسم.

— "ادخرته لك... من زمان... من مال والدك... ومالي... كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي."

— "أمي، لا تتكلمي هكذا. ستشفين. سنصرف هذا على علاجك."

أمسكت بيده بقوة لا تتناسب مع ضعفها.

— "لا. هذا لك. ليس للعلاج. أنا ذاهبة. لا تبك. الحياة هكذا. لكن أنت... أنت يجب أن تعيش. سافر. اذهب حيث الأمان."

بكت. بكت حتى غلبها التعب ونامت.

في الصباح، حدث ما كان يخشاه.

لم تستيقظ.

---

الجنازة كانت بسيطة. فؤاد، العم محمود، أبو إبراهيم، بعض الجيران. السماء كانت رمادية، تمطر قليلاً. وقف يوسف أمام القبر، ينظر إلى التراب يغطي من كانت كل حياته. لم يبك. كان قد استنفذ دموعه في الليلة السابقة.

بعد الجنازة، عاد إلى البيت. البيت فارغ. لا صوت. لا رائحة طعام. لا سؤال عن يومه. جلس في غرفتها، شم رائحة ملابسها، تذكر كل صباح أيقظته فيه، كل مساء انتظرته على العشاء.

جلس في غرفتها ليلة كاملة. شم رائحة ملابسها. تذكر كلماتها: "سافر. اذهب حيث الأمان." عند الفجر، عرف ما سيفعله.

في الصباح، جاء فؤاد. جلس بجانبه في صمت. ثم قال:

— "لا يمكنك البقاء هنا."

نظر إليه يوسف.

— "أعرف."

— "يجب أن نفكر في السفر. بجدية هذه المرة."

— "أعرف."

— "معًا. سنفعلها معًا."

نظر يوسف إلى صديقه. في عينيه، رأى عزيمة لم يرها من قبل. وحزنًا يشبه حزنه.

— "لماذا تفعل هذا معي؟"

— "لأنك صديقي. ولأن هذه البلاد... ليس فيها خير لأمثالي وأمثالك."

صمتا. ثم بدأ فؤاد يشرح:

— "سمعت عن طريق. شخص أعرفه سبق له أن سافر بهذه الطريقة. إنه... ليس آمنًا تمامًا، لكنه الخيار الوحيد."

— "بحرًا؟"

— "نعم. قوارب. تنطلق من السواحل القريبة. لا أحد يضمن الوصول، لكن البعض يصل."

— "كم يكلف؟"

— "خمسة آلاف. للشخص."

صفر يوسف. المبلغ كبير.

— "لديك مال أمك. وأنا ادخرت شيئًا. سنبيع ما يمكن بيعه. العم محمود سيساعد. ربما يكفي."

فكر يوسف طويلاً. نظر إلى صور أمه على الجدار. تذكر كلماتها: "سافر. اذهب حيث الأمان."

قال أخيرًا:

— "لنفعلها."

---

بدأ التحضير. كانت الأسابيع التالية أشبه بحلم طويل، مليء بالتفاصيل الصغيرة التي لا تنتهي.

باع يوسف بعض أثاث البيت. التلفاز القديم، بعض الأواني، ساعة الحائط التي توقفت عن العمل منذ سنوات. مع كل شيء يبيعه، كان يشعر بأنه يخسر جزءًا من ذاكرته. لكن الذاكرة لا تطعم.

كان فؤاد يجمع المعلومات. عاد ذات مساء ومعه تفاصيل قليلة لكنها كافية:

— "سألت الشخص الذي أعرفه. قال إن الرحلة بعد شهر ونصف تقريبًا. تنطلق من الساحل الغربي. علينا أن نكون مستعدين."

— "وكيف نضمن أننا لن نُكتشف؟"

— "لا شيء مضمون. لكنه قال إن هناك من سيرشدنا. المهم أن نثق ببعضنا."

نظر يوسف إلى صديقه. في عينيه، رأى مزيجًا من الخوف والأمل.

— "أتعرف ما معنى هذا؟" سأل.

— "أعرف. مقامرة."

— "ونحن فقراء في المقامرة."

صمت فؤاد قليلاً. ثم قال:

— "لكن البقاء هنا موت مؤكد. على الأقل هناك... يوجد أمل."

نظر يوسف إلى النافذة كالعادة. السماء كانت رمادية. نفس اللون كل يوم.

— "سنفعلها."

---

في الأسبوع الأخير قبل الرحلة، التقى يوسف بالعم محمود للمرة الأخيرة.

كان المحل هادئًا، المنشار صامتًا. جلسا على كرسيين خشبيين في الزاوية.

— "تسافر؟" سأل العم محمود.

— "نعم."

صمت الرجل طويلاً. ثم نهض، وفتح درجًا قديمًا. أخرج مظروفًا صغيرًا، وضعه في يد يوسف.

— "خذ هذا."

— "عم محمود... لا أستطيع..."

— "تستطيع. أنت ولد أخي. وأخي لو كان حيًا لكان أول من يساعدك."

نظر يوسف إلى المظروف. كان ثقيلاً.

— "سأرده عندما أصل... إذا وصلت."

— "لا ترده. فقط عش. عش وأكرم نفسك. هذا كل ما أريده."

احتضنه يوسف. أحس بخشونة الرجل، ورائحة الخشب التي لا تفارقه.

— "لن أنساك أبدًا."

— "لا تنسى نفسك. هذا المهم."

قبل أن يغادر، قال له العم محمود:

— "لا تنسى من أين أتيت. لكن لا تدع ذلك يمنعك من الذهاب إلى حيث تريد."

خرج يوسف من المحل، وأغلق الباب خلفه. كان يعرف أنه لن يعود.

---

في الليلة الأخيرة في البيت، جلس يوسف وحيدًا. البيت فارغ تقريبًا. سرير واحد في غرفته، بعض الملابس، صورة أمه وأبيه، الدفتر الصغير الذي كان يكتب فيه أحيانًا.

مشى في الغرف للمرة الأخيرة. غرفة أمه: سرير فارغ، خزانة ملابس قديمة، رائحة لا تزال عالقة. وقف طويلاً، يتذكر. كل صباح أيقظته فيه، كل مساء انتظرته، كل ضحكة، كل دمعة.

غرفته: الكتب المبعثرة، الدفتر، الصور. فتح الدفتر، قرأ بعض السطور القديمة. ثم أغلقه ووضعه في الحقيبة.

نظر من النافذة للمرة الأخيرة. الحي الذي عاش فيه كل حياته.

الأصوات المألوفة: بكاء طفل في الطابق الأرضي، صراخ بائع متجول بعيد، هدوء الليل الثقيل.

الذكريات: طفولته في هذا الزقاق، ألعابه البسيطة، أول يوم في المدرسة.

خرج. قفل الباب. وضع المفتاح تحت السجادة الصغيرة عند المدخل. عادة أمه. لو عادت، ستجده.

لكنه يعرف أنه لن يعود.

---

في منتصف الليل، جاء فؤاد. ركبا معًا سيارة أجرة قديمة إلى نقطة التجمع. كانت على أطراف المدينة، مكانًا بعيدًا عن الأنظار.

كان هناك آخرون: وجوه متعبة، صامتة. شبان في مثل عمرهم، رجل في الأربعين مع ابنه المراهق، امرأة وحيدة تلف نفسها بشال أسود. لم ينظر أحد إلى أحد.

كان الجميع غارقين في صمتهم، في انتظارهم، في قرارهم الذي لا رجعة فيه.

جلس يوسف على الأرض، متكئًا على صخرة صغيرة. نظر إلى السماء. النجوم كانت هناك. نفس النجوم التي رآها آلاف المرات. لم تختلف. هو من اختلف.

جلس فؤاد بجانبه. لم يتكلما. لم يكونا بحاجة إلى كلام. كان كل شيء قد قيل في الأيام الماضية. الآن، كان الوقت للصمت.

انتظروا ساعات. لا أحد يعرف كم بالضبط. الزمن في الليل له طعم آخر، أبطأ، أثقل. لكنهم لم يضجروا. كانوا يعرفون أن هذا الانتظار جزء من الرحلة. الرحلة التي فكروا فيها طويلاً، وناقشوها مرارًا، وقرروها أخيرًا.

لم يكونا خائفين. لا يوسف ولا فؤاد. الحياة التي عاشوها، ما رأوه، ما مروا به، جعلت قلوبهما تتصلب. ليس قسوة، بل هدوء. هدوء من يعرف أن أسوأ ما يمكن أن يحدث قد حدث بالفعل. هدوء من لم يعد لديه ما يخسره.

كان يوسف هادئًا. لا يفكر كثيرًا. فقط ينتظر. كان يشعر بفراغ خفيف في صدره، مثل غرفة أُفرغت من أثاثها. لم يعد هناك ما يربطه بهذه الأرض. أمه رحلت. البيت فارغ. كل شيء انتهى. كل ما تبقى هو هذا الطريق.

---

قبل الفجر بقليل، جاء من يرشدهم. رجل نحيل، قليل الكلام، عيناه لا تثبتان في مكان. أشار إليهم أن يتبعوه.

نهض الجميع في صمت. ساروا في طريق وعرة، بين الصخور والأعشاب اليابسة. لا أحد يتكلم. فقط صوت خطواتهم على الأرض، وحفيف الريح الباردة.

مشوا طويلاً. كان الطريق صعبًا، متعرجًا، لكن لم يشتك أحد. كانوا يعرفون أن هذه هي البداية. أن كل خطوة تبتعد بهم عن الماضي، وتقربهم من المجهول.

ثم ظهر أمامهم. البحر.

وقفوا جميعًا للحظة. لم يقل أحد شيئًا. كان البحر واسعًا، مظلمًا، لا نهاية له. رائحة الملح كانت قوية، ممزوجة برائحة شيء آخر لا يعرفونه. الأمواج تتكسر على الشاطئ البعيد بصوت خافت، رتيب، كأنه إيقاع قديم يسبق البشر.

وكان هناك، على الشاطئ، قارب صغير ينتظر.

تأمله يوسف. كان صغيرًا، بسيطًا، ألواحه الخشبية بالية، لا يوحي بالأمان. كان يوحي بالعكس تمامًا. لكنه لم يشعر بخوف. فقط حدق فيه طويلاً، ثم أغمض عينيه للحظة.

عندما فتحهما، كان القارب لا يزال هناك. لم يختفِ. كان حقيقيًا. وكان الأمل الوحيد.

التفت إلى فؤاد. كان صديقه ينظر إلى القارب أيضًا، بهدوء. تبادلا نظرة قصيرة. لم يكونا بحاجة إلى كلام.

---

بعد لحظات من الانتظار في الظلام، خرج قائد الرحلة من العتمة فجأة، يسير بخطوات ثابتة وكأنه يعرف كل شق في الطريق. رفع صوته الأجش قائلاً:

— "استعدوا… سنتحرك الآن."

تحرك الركاب بصمت نحو القارب. اقترب يوسف خطوة بخطوة، وكل خطوة كانت أثقل من سابقتها. عندما وضع قدمه على الخشب المبلل، شعر به يهتز تحت جسده. الرطوبة تسيل من الألواح، ورائحة الملح المختلطة بالديزل كانت ثقيلة.

أمسك بحافة معدنية باردة، فتجمدت يده للحظة. ثم تقدم وجلس.

تمتم أحد الرجال ساخطًا وهو يتأرجح على الحافة:

— "هذا قارب صيد، لا يكفي لكل هؤلاء…"

لكن قائد الرحلة قطع كلامه بصرخة حادة:

— "إما أن تصعدوا أو تعودوا من حيث أتيتم! البحر لا ينتظر."

ساد الصمت. لم يجرؤ أحد على الاعتراض. صعد الجميع.

تردد شاب صغير عند الحافة. كان صغيرًا، ربما في السابعة عشرة. نظر إلى البحر، ثم إلى القارب، ثم إلى الركاب. بدا خائفًا، ظاهرًا. صرخ فيه آخرون بنفاد صبر، لكن فؤاد مد يده نحوه:

— "هيا… لسنا أفضل منك. سنخوضها جميعًا."

سحبه إليه بابتسامة قصيرة، وأضاف بصوت هادئ:

— "اجلس. لست وحدك."

جلس الشاب، لكنه لم يقل شيئًا. فقط أطرق برأسه.

جلسوا متلاصقين، الأجساد ملتصقة كقطع الخشب المتراصة. الرياح ضربت وجوههم، والبحر أمامهم بدا كصحراء سوداء لا نهاية لها. النجوم تلمع فوقهم، لا تكترث.

---

قبل أن يتحرك القارب، نظر يوسف إلى الشاطئ للمرة الأخيرة.

كان بعيدًا قليلاً. شريط داكن من الأرض يفصل بين البحر والسماء. هناك، على ذلك الشريط، كانت مدينته. بيته. حيه. أمه. الأرض التي عاش عليها، والتي مشى في شوارعها آلاف المرات.

تساءل: هل سيبقى البيت كما هو؟ هل سيبقى المفتاح تحت السجادة؟

لم يشعر بشيء. فقط فراغ. الفراغ نفسه الذي رافقه منذ وفاة أمه. لم يعد هناك ما يربطه بهذه الأرض.

دفعوا القارب إلى الماء. صرير الألواح، خرير الماء تحت الهيكل. بدأ المحرك في العمل بصوت خافت، متقطع، ثم انتظم.

تحركوا ببطء. كان الشاطئ لا يزال قريبًا. كان يوسف يستطيع أن يرى الصخور على الحافة، الأضواء البعيدة، ظل شجرة. ثم تسارع القارب، وبدأ الشاطئ يبتعد.

أسرع. أبعد. أسرع. أبعد.

حتى أصبح الشاطئ مجرد خط رفيع في الأفق. ثم اختفى تمامًا.

لم يعد هناك شيء إلا البحر.

---

2026/03/27 · 1 مشاهدة · 3219 كلمة
نادي الروايات - 2026