---
الفصل الثالث: البحر
كان صمتهم أثقل من البحر.
ثماني ساعات مضت منذ غادروا الشاطئ. ثماني ساعات من التمايل البطيء على ظهر خشب بالٍ، والرياح الباردة تلسع الوجوه، والمحرك يئن بأنين مريض لا يعد بالوصول. لم يعد أحد يعرف كم بقي من الطريق. لم يعد أحد يسأل.
جلس يوسف في مؤخرة القارب، ساقاه مطويتان إلى صدره، ذراعاه مشبوكتان حول ركبتيه كمن يريد أن يصبح أصغر، أن يختفي. كان يراقب الأمواج الداكنة وهي تتسلل من تحتهم، ترتفع وتهبط بإيقاع كسول مخيف، كأن البحر يتنفس.
كل ارتطام للماء بجوانب الخشب كان يجعل جسده يتصلب للحظة، وكل ميلان مفاجئ كان يجعله يقبض على الحافة بأصابع تتشنج.
كان منهكًا. منهكًا إلى درجة أن الخوف لم يعد قادرًا على تسلقه.
أغمض عينيه، فرأى البيت. رأى الغرفة التي نامت فيها أمه للمرة الأخيرة.
فتح عينيه. البحر كان كما هو. لا يكترث.
بجانبه، جلس فؤاد صامتًا، ليس كمن يستريح بل كمن ينتظر. عيناه نصف مغمضتان تحدقان في الأفق الرمادي حيث تمتزج السماء بالماء في خط لا فاصل فيه.
كان وجهه شاحبًا، شفاهه متشققة من الملح والجفاف. لم يتبادلا كلمة منذ ساعات. لم تكن هناك حاجة.
الركاب الآخرون كانوا غارقين في صمتهم الخاصة. رجل في المقدمة جثى على ركبتيه، شفتاه تتحركان بصمت بكلمات لا تصل إلى غير الله. امرأة ترتدي شالًا أسود تحضن صدرها بذراعيها وكأنها تحتضن شيئًا لا تريد أن يراه أحد.
شاب في السابعة عشرة ينظر إلى البحر بنظرة لا ترى شيئًا. كلهم كانوا هناك، وكلهم كانوا في مكان آخر.
بدأت الرياح تعصف بهم فجأة. لم تكن هادئة ثم اشتدت، بل كانت كمن انتظر حتى ينسوا وجودها ثم انقضت. حملت معها قطرات ماء باردة تخترق الملابس الرقيقة وتلسع الجلد كالإبر.
القارب بدأ يتمايل بعنف، والخشب صرير صريرًا حادًا كأنه يئن من ألم لا يطاق.
رفع يوسف رأسه. نظر إلى السماء. كانت رمادية من قبل، لكنها الآن أخذت لونًا آخر: لون الرصاص المنصهر، لون الوعيد.
---
الليل سقط عليهم فجأة، كستارة ثقيلة أرخاها أحدهم دون استئذان. تحول لون البحر من أزرق داكن إلى أسود حالك، كأنه حبر سائل يبتلع آخر بقايا النهار. النجوم ظهرت واحدة تلو الأخرى، بعيدة، باردة، تراقبهم بفضول لا مبالٍ. القمر لم يكن هناك، أو ربما كان مختبئًا خلف السحب التي بدأت تتجمع في الأفق.
لم يعد أحد يرى وجه الآخر. صاروا ظلالاً متحركة على خشب يتأرجح بين حياة وموت.
كان البرد هو من أيقظهم من غفوتهم الثقيلة. برد لم يعرفوه من قبل، لا يلامس الجلد فقط بل يتسلل إلى العظام، إلى النخاع، إلى الذاكرة. شعر يوسف بأسنانه تصطك رغمًا عنه، ورجليه ترتجفان تحت ملابسه المبللة. حاول أن يضم جسده إلى نفسه أكثر، لكنه لم يعد يملك ما يضمه.
فجأة، رأى ضوءًا.
كان صغيرًا في البداية، خافتًا، مجرد نقطة بيضاء ترقص على حافة الأفق. ثم بدأ يقترب. لم يخفق قلبه بعنف، بل توقف. كل شيء في داخله تجمد. رفع يده ببطء، وأشار. لم ينطق بكلمة، لكن الجميع رأوا.
الضوء لم يكن نجمًا. كان يتحرك. كان ينبض. كان يبحث.
— "خفر السواحل."
همس بها أحدهم، أو ربما قالها صوته الداخلي. لكن الكلمة انتقلت بينهم كالنار في هشيم، دون أن يتحرك أحد، دون أن ينطق أحد.
قائد الرحلة، رجل صامت لم يعرفوا اسمه، تحرك بهدوء نحو المحرك. لم يرفع صوته، لم يصرخ. فقط خفض المحرك تدريجيًا حتى صار صوته همسًا خافتًا يكاد يختفي في خرير الأمواج. ثم رفع يده عالية، وأشار إليهم بالصمت. ضغط قبضته على فمه. ثم ضغطها بقوة.
توقفوا جميعًا. توقفوا عن التنفس.
دقائق مرت. كل دقيقة كانت عشرة. القارب توقف بالكامل، يتمايل مع الأمواج بهدوء مصطنع، كمن يتظاهر بأنه ليس هناك، بأنه مجرد قطعة حطام عائمة لا تستحق النظر.
كانت الأضواء تمر فوقهم. رآها يوسف تنعكس على الماء البارد، تبحث، تفتش، تتعقب. سمع صوت محركاتها، ثقيلة، قوية، تقترب ثم تبتعد ثم تعود. كان يعرف أنها لا تبعد أكثر من مائة متر. كان يعرف أن أي حركة، أي صوت، أي غلطة صغيرة قد تكفيهم.
لا أحد تحرك. لا أحد تنفس.
كانت يد يوسف مشبوكة بحافة القارب حتى ابيضت مفاصله. كان يشعر بنبضات قلبه في أذنيه، في حلقه، في عينيه. كان يعتقد أن الآخرين لا بد يسمعونها، أنها لا بد تملأ كل هذا الصمت بصوتها الغبي المكشوف.
ابتعدت الأضواء. ببطء، كما أتت، أخذت تتلاشى في الأفق، تتحول من مصابيح بيضاء متوهجة إلى نقاط صفراء باهتة، إلى لا شيء.
تنفس الجميع دفعة واحدة. لم يكن تنفسًا طبيعيًا، كان شهيقًا جماعيًا كمن أخرج روحًا كانت محبوسة في صدورهم جميعًا.
لم يقل أحد شيئًا.
---
بعد منتصف الليل، بدأ القارب يئن بصوت مختلف. لم يكن أنين المحرك ولا صرير الخشب المعتاد. كان صوتًا عميقًا، قادمًا من تحتهم، من حيث لا يرون.
توقفت الرياح فجأة. كان هذا ما أخافهم أكثر. بعد ساعات من العصف المستمر، صار كل شيء هادئًا. هادئًا جدًا. البحر كان كالمرآة، أسود عاكسًا سماء خالية من النجوم. القارب لم يعد يتمايل، بل وقف ساكنًا كأنه واقف على أرض صلبة.
هذا الصمت كان أفظع من العاصفة.
الفتى المراهق كان أول من انكسر. سمعوه يتمتم بشيء، صوته خافت، متقطع، لا يكاد يصل. كان يلعب بحافة قميصه الممزق، يلفها حول أصابعه ويفكها، مرارًا وتكرارًا، كأنها شريط الذكرى الوحيد الذي يربطه بشيء ما.
نظر إليه الرجل الذي كان يدعو طوال الرحلة. نظرة طويلة، ثقيلة. لم يقل شيئًا، لكن الفتى شعر بها. رفع عينيه للحظة، ثم أخفضهما بسرعة، وازداد التواء قميصه سرعة، اضطرابًا.
— "ما اسمك؟" سأل الرجل فجأة. صوته كان خشنًا، ليس غاضبًا، لكنه لم يكن لطيفًا.
توقف الفتى عن لف القميص. نظر حوله كمن يبحث عن مخرج. قال بصوت بالكاد مسموع:
— "عمر."
ساد صمت. ثم قال الرجل:
— "عمر... أتدري أين نحن؟"
لم يجب الفتى. كان جسده منكمشًا على نفسه، كأنه يريد أن يشغل مساحة أقل في هذا العالم.
— "نحن في ملتقى طريقين." تابع الرجل. "لا ثالث لهما. إما أن نصل، أو..."
لم يكمل. كانت الكلمة الأخيرة ثقيلة كافية وحدها.
صمت طويل. ثم همس الشاب، بصوت لم يكن أحد متأكدًا إن كان موجهًا لأحد:
— "أمي... قالت لي لا تخف."
نظر إليه الرجل. قال:
— "وأنت؟"
— "أنا... أخاف."
قالها ببساطة، كمن يعترف بجريمة. ثم عاد إلى لف قميصه، أسرع من قبل.
نظر يوسف إلى فؤاد. كان فؤاد ينظر إلى الفتى، ثم إلى الرجل الملتحي، ثم عاد إلى البحر. لم يقل شيئًا. لكن يوسف رأى في عينيه شيئًا لم يعتد رؤيته: تعبًا ليس من البحر فقط.
---
جاءت العاصفة من حيث لا يتوقعون.
لم تكن كالرياح التي سبقتها. كانت شيئًا آخر. السماء التي كانت صافية قبل لحظات أظلمت فجأة، والسحب لم تكن تأتي بل تنبت من العدم، رمادية ثم سوداء ثم سوداء لدرجة أنها ابتلعت النجوم كلها دفعة واحدة. الرعد لم يسبق البرق، بل كانا معًا، كمن يضرب بابًا ثقيلًا بقبضة لا تعرف الرحمة.
صرخ قائد الرحلة. لم يفهموا كلماته، لكنهم فهموا صوته. كان صوتًا لم يسمعوه من قبل، صوت رجل يعرف أنه ليس لديه ما يقدمه، أن كل ما بوسعه الآن هو أن يصرخ.
الموجة الأولى لم ترتفع كثيرًا، لكنها كانت قاسية.
ضربت القارب من جانبه الأيسر بعنف لم يتوقعوه، جعلت الخشب يصدر صوتًا كمن يكسر عظمًا. كاد القارب أن ينقلب، مال بزاوية لا تطاق، والأشياء التي كانت على سطحه بدأت تتساقط في الماء: صندوق صغير، قارورة ماء، حذاء لم يعرف لمن كان.
تمسك يوسف بحافة القارب بكل ما في يديه من قوة. شعر بأصابعه تنزلق على الخشب المبتل، شعر بجسده يصبح خفيفًا جدًا، كأنه ليس له وزن، كأن البحر يسحبه إليه كالمغناطيس.
الموجة الثانية كانت أكبر. رآها تقترب من بعيد، جدارًا أسود يرتفع كلما اقترب، حتى صار أعلى منهم، أعلى من القارب الذي بدا فجأة صغيرًا كقطعة فلين في حوض استحمام.
— "امسك!" صرخ فؤاد.
لم يكن يعرف إن كان يصرخ له أو للجميع. لكن يوسف سمع صوته. تمسك. تمسك كمن يمسك بآخر شيء في العالم.
ضربتهم الموجة. دخل الماء في كل مكان: في العيون، في الأنوف، في الأفواه. الماء كان باردًا كأنه ليس من هذا العالم، كأنه أتى من مكان لا تصل إليه الشمس أبدًا.
شعر يوسف بالقارب يختفي من تحت قدميه. للحظة كان في الهواء، ثم في الماء، ثم لا شيء.
عندما فتح عينيه، كان البحر هو كل شيء.
---
الماء كان في كل مكان.
ليس من حوله فقط، بل داخله أيضًا. في فمه، في أنفه، في أذنيه. كان يختنق، لكنه لم يكن يستطيع السعال، لأن السعال كان يعني فتح فمه، وفتح فمه كان يعني المزيد من الماء، المزيد من هذا البرد الذي يقتل كل شيء في جسده.
حاول أن يسبح، لكنه لم يكن يعرف أين الأعلى وأين الأسفل. الموج كان يلفه، يدوخه، يقلبه كدمية خرقة. رأى للحظة ضوءًا بعيدًا، ثم ظلامًا، ثم ضوءًا مرة أخرى. رأى أيديًا تتحرك في الماء، رأى قاربًا مقلوبًا، رأى امرأة تمسك بطفلة، ثم لم ير شيئًا.
كانت رئتاه تحترقان. كل خلية في جسده كانت تصرخ بالأكسجين. لكن فمه ظل مغلقًا. لا يعرف كيف، لكنه ظل مغلقًا. ربما كان خائفًا، ربما كانت غريزة أعمق من الخوف، أو كان شيئًا آخر لا يملك له اسمًا.
ثم شعر بشيء يشد قدمه.
لم يكن يدًا. كان أقوى، أعمق. كان التيار. كان يسحبه إلى الأسفل، إلى حيث لا ضوء، لا صوت، لا شيء.
استسلم.
لم يكن اختيارًا. كان جسده هو من استسلم، قبل أن يستسلم عقله. شعر بفراغ غريب يتسلل إليه، ليس فراغ الموت، بل فراغ آخر، أعمق، كأن البحر لا يغرق جسده فقط، بل ذاكرته أيضًا، أحزانه، خوفه، كل شيء كانه.
أمي، فكر. هل أراك الآن؟
لم يذعر. كان هذا أغرب ما في الأمر. لم يكن مذعورًا. كان فقط... متعبًا.
ثم رأى الضوء.
ليس ضوءًا حقيقيًا. كان يعرف ذلك. كان يعرف أنه لا يوجد ضوء في هذا العمق. لكنه رآه. شعاع خافت ينبض كقلب، يخترق الظلام من مكان لا يعرفه. معه، جاء صوت. ليس صوت الماء، ولا صوت الرعد، ولا صراخ الركاب. كان صوتًا آخر، بعيدًا، لكنه كان هناك.
أماه، قال في نفسه. أماه، أنا قادم.
وكان قد أغلق عينيه بالفعل عندما شعر بشيء يمسك بمعصمه.
---
لم يكن التيار. كانت يدًا.
يد قوية، متشنجة، تمسك به كمن يمسك بغريق، وهذا ما كانه بالضبط. اليد شدته بقوة، شدته للأعلى، ضد التيار، ضد الماء، ضد كل شيء كان يريد أن يبقيه هناك.
فتح عينيه وسط الماء. رأى وجهًا. لم يكن واضحًا، كان مشوهًا بالملح والرعب والماء، لكنه كان هناك. كان فؤاد.
كان فؤاد يسبح بذراع واحدة، والأخرى مشبوكة بمعصم يوسف كأنهما شيء واحد. كان فمه مفتوحًا يصرخ بشيء لا يسمعه يوسف، لكنه قرأه على شفتيه:
— "لا تتركني! لا تتركني يا يوسف!"
لم يكن يوسف من يتركه. كان الماء هو من يريد أن يأخذه. لكن فؤاد كان أقوى. أو ربما كان أكثر عنادًا.
صعدا معًا. كل ركلة كانت معركة، كل نفس كان معجزة. وفجأة، كان الهواء.
سعل يوسف، تقيأ، شهق. الهواء دخل إلى رئتيه كالنار، لكنها كانت نارًا لا تؤلم، كانت نارًا تعني أنه حي. كان يتشبث بقطعة من الخشب، لا يعرف متى أمسك بها، لا يعرف من وضعها هناك. بجانبه، كان فؤاد يتنفس بصوت عالٍ، مرتجف، منهك.
نظر إليه يوسف. لم يستطع الكلام. لم يكن لديه ما يكفي من الهواء في جسده ليصنع كلمات.
لكن فؤاد نظر إليه وابتسم. ابتسامة متعبة، مرتجفة، قبيحة، لكنها حقيقية.
— "قلت لك... لن تذهب بعيدًا."
لم يضحكا. لم يستطيعا. فقط ظلا هناك، يتشبثان بالخشب، ينتظران الفجر.
---
4
جاء الفجر متأخرًا.
كان بطيئًا، بخيلًا، لا يريد أن يمنحهم نوره. لكنه جاء في النهاية. خيوط صفراء شاحبة بدأت تخترق حافة السماء، تمزق ظلامًا كان يبدو أبديًا.
لم يعرفوا كم مضى من الوقت. ساعات؟ أيام؟ لم يعد الأمر مهمًا.
كانوا ستة فقط. ستة على قطعة خشب لا تتسع لأربعة. الباقون كانوا هناك قبل قليل، ثم لم يكونوا. المرأة ذات الشال الأسود لم تكن هناك. الرجل الذي كان يدعو لم يكن هناك. الشاب عمر لم يكن هناك.
لم يتحدث أحد عنهم. ربما لأن الكلمات لن تعيدهم، وربما لأن الحديث عنهم كان يعني الاعتراف بأنهم كانوا هناك، وأنهم ليسوا هنا الآن.
في الأفق، رأوا شيئًا.
ظلوا يحدقون فيه طويلاً. كانوا يعرفون أن البحر يصنع السراب، أن اليأس يخلق أشياء لا وجود لها. لكنه لم يختفِ. ظل هناك، ثابتًا، يزداد وضوحًا كلما اقتربوا.
اليابسة.
لم يصرخ أحد. لم يبكِ أحد. كانوا منهكين جدًا لدرجة أن الفرح لم يعد لديه طريق إلى قلوبهم. كانوا فقط يحدقون، يتأكدون، لا يصدقون.
كان فؤاد أول من تكلم. صوته كان مبحوحًا، بالكاد يصل:
— "وصلنا."
نظر إليه يوسف. أراد أن يقول شيئًا، أي شيء، لكن الكلمات كانت ثقيلة جدًا. قال فقط:
— "نعم."
وكانت كافية.
---
أصبح الماء ضحلاً. صاروا يرون القاع تحته، رمالًا ناعمة، أعشابًا بحرية تتحرك بهدوء. القارب المقلوب الذي كانوا يتشبثون به صار يلامس الأرض. صاروا يمشون. يلمسون الأرض بأقدامهم.
أقدامهم. بعد كل هذا الوقت. على الأرض.
سقط يوسف على ركبتيه في الماء الضحل. لم يبكي. لم يفعل شيئًا. كان فقط هناك، يشعر بالرمال تحت ركبتيه، بالحبيبات الخشنة التي تؤلم جلده، وكان هذا الألم أجمل ما شعر به في حياته.
نظر حوله. شاطئ ممتد، خلفه تلال خضراء، وفوقه سماء بدأت تستعيد زرقتها. كان المكان لا يشبه أي مكان رآه من قبل. كان جديدًا. غريبًا. باردًا.
جلس فؤاد بجانبه على الرمال. ينظر إلى السماء، ثم إليه. لم يقل شيئًا. لكن مشاعر السعادة كانت واضحة عليهما.
جلسا هناك لدقائق. أو لساعات. لم يعرفا. كانا يتأكدان أن الأرض لا تتحرك، أن الماء لم يعد يبتلعهما، أن كل هذا حقيقي.
ثم قال فؤاد:
— "بدأت حياة جديدة."
نظر إليه يوسف. رأى في عينيه تعبًا لا يوصف، لكنه رأى أيضًا شيئًا آخر. شيئًا لم يعرف له اسمًا.
— "بدأت." قال.
وقاما معًا. ومشيا نحو وجهتهما الجديدة، معهما تطلعات كبيرة في عقلهما.
---
5
ولسوء الحظ، كانت الأيام التالية صعبة عليهم في التأقلم.
كل صباح كانا يستيقظان في ملجأ بارد، جدرانه متشققة، روائح العرق واليأس تملأ المكان. كانا يستلقيان على أسرّة صدئة، يحدقان في السقف المتسرب، يحاولان تصديق أنهما عبرا البحر حقًا. كانا يسمعان بكاء الأطفال في الأسرّة المجاورة، وسعال المرضى، وهمس اليائسين.
في النهار، كانا يخرجان يبحثان عن عمل. يمشيان في شوارع لا تعرفهما، يتلقّيان نظرات لا تحمل شفقة ولا احتقارًا، فقط لا شيء. كان الجوع يقرص بطونهما، والبرد يلسع جلودهما، لكنهما كانا واقفين. على الأرض. أحياء.
بعد أيام، وجدا عملاً في مطعم متواضع في شارع خلفي. يوسف كان يغسل الصحون. ساعات طويلة، يداه في الماء البارد حتى تشققتا ونزفتا. فؤاد كان يحمل الصناديق، ظهره ينحني تحت ثقلها، وعيناه تنظران إلى شيء لا يراه أحد.
في المساء، كانا يجلسان في زاوية المطعم الخلفية، يأكلان بقايا الطعام بصمت. كانا منهكين جدًا لدرجة أن الكلام صار رفاهية لا يستطيعان تحملها. لكنهما كانا معًا. وهذا كان كافيًا.
---
في إحدى الليالي، بعد أن أغلقت أبواب المطعم ونظفا الأرضية للمرة الأخيرة، جلسا على الرصيف المقابل. الجو كان باردًا، والشارع خالٍ إلا من كلب ضال يبحث في القمامة.
نظر فؤاد إلى السماء. كانت صافية، مليئة بالنجوم. قال بصوت خافت:
— "أتعلم، يوسف... أحيانًا أتساءل."
— "عن ماذا؟"
— "لو أننا متنا في تلك الليلة... أما كان ذلك أرحم؟"
تأمل يوسف السؤال. نظر إلى الشارع الخالي، إلى النوافذ المغلقة، إلى الأضواء البعيدة حيث يعيش أناس لا يعرفون أنهما موجودان. شعر بغصة في حلقه. لم يستطع التعبير عنها. لم يعد يستطيع التعبير عنها.
قال أخيرًا، وصوته كان أكثر ثقة مما يشعر به:
— "ما دمنا أحياء، هناك فرصة. حتى وإن كانت الحياة هنا قاسية، حتى وإن كنا نعيش كالكلاب... يكفينا أننا لم نُدفن في البحر. أن لدينا أرضًا آمنة نقف عليها."
هز فؤاد رأسه ببطء. لم يقل شيئًا. لكن عينيه كانتا تقولان ما لم يقله: وهل هذا يكفي حقًا؟
نظر يوسف إليه. كان يريد أن يقول شيئًا يطمئنه، شيئًا يقنعه، يقنع نفسه. لكن قبل أن ينطق، شعر بشيء غريب.
برد غريب يتسلل إلى عظامه. ليس برد الشارع، بل برد آخر، أعمق، أقدم. أحس بدوار مفاجئ، كأن الأرض تحت قدميه لم تعد ثابتة، كأنها تموج كالبحر.
نظر إلى فؤاد. كان فؤاد ينظر إليه، لكن وجهه بدأ يتغير. الملامح كانت تذوب، تتلاشى، كأنها رسم على ورق يبتل بالماء.
— "فؤاد؟" قال يوسف.
لم يجب. كان فؤاد يتلاشى. والشارع يتلاشى. المطعم، الأضواء، النجوم، كل شيء كان يتلاشى.
سمع صوتًا. صوت الماء.
ثم لا شيء.
---
الماء. البرد. الظلام.
فتح يوسف عينيه. كان في البحر. كان يغرق. جسده يُسحب إلى الأسفل بلا رحمة، ورئتاه تمتلئان بالماء. حاول أن يصرخ، لكن صوته لم يخرج. حاول أن يتحرك، لكن جسده كان مشلولاً.
كان يراه من فوق. جسده كان يغوص، يبتعد عنه، يصغر. كان يشعر بنفسه ينقسم إلى اثنين: واحد في الأعماق يختنق، وآخر يراقب من مكان لا يعرفه.
فوقه، رأى فؤاد. كان فؤاد يسبح بجنون، يغوص، يصعد، يغوص مجددًا. كان يبحث عنه. كان يصرخ باسمه. كان يبكي.
رأى يد فؤاد تمتد نحوه. كانت قريبة جدًا. كادت تلمسه.
لكنها لم تلمسه.
شيء ما سحبه للأسفل. شيء أقوى من يد فؤاد. شيء كان ينتظره. شيء كان هناك منذ البداية.
عرف فجأة.
عرف أن ما عاشه على اليابسة لم يكن حقيقيًا. أن المطعم، والشارع، والسماء المليئة بالنجوم، وفؤاد الذي جلس بجانبه على الرصيف... كل ذلك لم يكن إلا لحظة واحدة ممتدة، وهمًا خلقته روحه التي لم تكن مستعدة للرحيل.
كان يغرق. كان يغرق منذ البداية. يد فؤاد التي مدها إليه... لم تصل. لم تصل أبدًا.
الظلام ازداد حوله. الماء ازداد برودة. وفوقه، كان صوت فؤاد يبتعد، يخفت، يختفي. وصوت آخر يرتفع. صوت الماء. صوت البحر. الصوت الحقيقي الوحيد.
أغلق يوسف عينيه.
لم يعد هناك ما يراه.
---