---

الفصل الخامس:خطر في ضلال

استيقظ فجأة.

قطرات باردة سقطت على وجهه، جعلته يفتح عينيه بتثاقل.

هل بدأت السماء تمطر؟

لكن قبل أن ينهض، سمع خشخشة فوق رأسه.

خشخشة خفيفة. كأن شيئًا يزحف على الأغصان ببطء شديد، بحذر، كمن يريد أن لا يُكتشف.

رفع بصره ببطء.

وتجمد الدم في عروقه.

هناك، بين الأغصان، كان مخلوق يتدلى مثل العنكبوت. وعيناه حمراوان تشتعلان في الظلام.

لا... لا تتحرك. قال لنفسه. لكن قلبه كان يدق بعنف لدرجة أنه ظن للحظة أن المخلوق سيسمع دقاته.

لم يكن حيوانًا يعرفه.

هيئته تشبه القرد، لكن أطرافه أطول بكثير.

كأنها صُممت للتمزيق لا للتسلق. مفاصله تنعطف بزوايا غير طبيعية، وكأن عظامه مطاطة تسمح له بالالتواء في كل اتجاه.

فراؤه متسخ وخشن، تتخلله بقع سوداء لامعة تلمع تحت ضوء القمر كأنها قطران. وأنيابه بارزة من فمه كخناجر صغيرة، صفراء، عليها بقايا حمراء. بقايا دموية.

كان يراقبه في صمت. يدرسه كما يدرس صياد فريسته.

إنه يلعب معي. فكر يوسف وهو يشعر بالقشعريرة تسري في عموده الفقري. هذا اللعين يريد أن يفزعني قبل أن يأكلني.

تحركت يده لا إراديًا نحو السكين الصغيرة في جيبه. لكن ما قيمة هذه القطعة المعدنية أمام وحش كهذا؟ قطعة صغيرة لا تتجاوز أصابع اليد، مقابل مخالب أطول من أصابعه.

يا له من مشهد مضحك. فكر بمرارة. لو كنت في بيتي الآن لضحكت على من يظن أن سكينًا كهذه قد تحميه. لكنني هنا. وهذا حقيقي. وهذا سيمزقني إربًا.

وقبل أن يجد إجابة، فتح المخلوق فمه وأطلق صرخة حادة كسرت سكون الغابة.

صرخة لم يسمع مثلها في حياته. مزيج من عواء الذئب وصراخ امرأة مذعورة، يعلوه صوت قرقعة كأن عظامًا تتكسر داخل حلقه.

ثم قفز.

---

لكن يوسف لم يكن غافلًا هذه المرة.

انحرف بجسده في اللحظة الأخيرة. مخالبه مزقت كتفه. انفجر الألم داخله كالبرق، وخرجت منه صرخة لا تشبه أصوات البشر. شعر بحرارة الدم تسيل على ذراعه، لكن الألم كان أقل مما توقع. أو ربما الأدرينالين كان أقوى.

لم يعد يفكر. صار يتصرف بدافع البقاء فقط.

اندفع نحو الغابة الكثيفة دون أن ينظر خلفه. سمع صوت وثبات خلفه. سريعة، خفيفة. كل وثبة تقربه منه.

لا تنظر للخلف... لا تنظر للخلف... كان يكررها في رأسه كطلاسم سحرية.

لكنه نظر.

المخلوق كان يقفز بين الأشجار كأنه يطير. يستخدم الأغصان كمنصة انطلاق، وفي كل قفزة كان يقطع مسافة أكبر مما يقطعه يوسف في خمس خطوات.

إذا واصلت الهرب هكذا، سيمسك بي خلال دقائق.

انعطف فجأة نحو شجرة كبيرة. جذعها مجوف بعض الشيء. اندفع داخلها في اللحظة التي سمع فيها صوت ارتطام المخلوق بالأرض خلفه.

وقف داخل الجذع، يحبس أنفاسه، يضع يده على فمه ليكتم صوت شهقه. الدم كان ينزف من كتفه بغزارة، لكنه لم يهتم.

سمع المخلوق يشم الهواء. شهيق... زفير... شهيق... زفير... كأنه كلب صيد يبحث عن رائحة فريسته.

اقتربت الخطوات.

ثم توقفت.

على بعد أمتار قليلة من الجذع.

رأى يوسف ظله من خلال الشق الصغير. المخلوق كان واقفًا في مكانه، يدير رأسه ببطء في كل اتجاه، وعيناه الحمراوان تتفحصان المكان.

ثم حدث شيء مرعب.

ابتسم.

رفع زوايا فمه وكشف عن أنيابه في ابتسامة عريضة. كمن يعلم أن فريسته قريبة. كمن يلعب معها.

هذا الوغد يعلم أني هنا. إنه يمثل فقط.

أراد يوسف أن يصرخ، أن يقفز، أن يفعل أي شيء. لكنه بقي مكانه، متجمدًا، يراقب المخلوق وهو يقترب ببطء من الجذع.

اقترب... ثم مر بجانبه.

لم يدخل.

لم يفهم يوسف لماذا. ربما لم يره. ربما شم رائحة أخرى. ربما... لا يهم. المهم أنه رحل.

انتظر طويلًا حتى اختفى صوت خطواته تمامًا. ثم خرج من الجذع كالمجنون، يجري في الاتجاه المعاكس.

لكنه لم يجر بعيدًا.

توقف فجأة عندما سمع صوت خشخشة فوقه مرة أخرى.

رفع رأسه ببطء. قلبه يكاد يتوقف.

هناك، على الغصن الذي يقف تحته مباشرة، كان المخلوق يجلس وينظر إليه.

لم يقفز هذه المرة. اكتفى بالنظر. كمن يقول له: ألم أقل لك أنك لن تنجو؟

هذه المرة لم يهرب. لم يعد هناك معنى للهرب.

اندفع نحو المخلوق وهو يصرخ، ممسكًا بالسكين الصغيرة في يده. قرر أن يموت وهو يقاتل، لا وهو هارب.

قفز المخلوق باتجاهه أيضًا.

---

التحما في الهواء.

مخالبه مزقت صدره، لكن سكينه طعن جانبه. ما خرج لم يكن دمًا. كان مادة سوداء كثيفة كالقطران، تتدفق وتصدر رائحة خانقة. رائحة الكبريت واللحم المحروق معًا. نفذت إلى أنفه فجعلته يشعر بالدوار.

ضحك المخلوق!

ضحك بصوت حاد، كأن الحديد يخدش الزجاج. صوت يخلق في النفس رغبة في تغطية الأذنين. ليس لأنه مزعج فحسب، بل لأنه مرعب.

لم تؤذه الطعنة. بدت كأنها مجرد لعبة بالنسبة له.

— "ما أنت بحق الجحيم؟!" صرخ يوسف وهو يرتطم بالأرض من قوة الصدمة.

لم يجب المخلوق. فقط قفز فوقه من جديد، محاولًا أن يطبق أنيابه على عنقه.

دفعه يوسف بكل قوته. لكن قوة المخلوق كانت مرعبة. شعر وكأنه يحاول دفع جدار. كأن عضلات هذا الوحش من حديد.

هذا هو. سأموت هنا. سينتهي كل شيء. يا له من نهاية تافهة، يقتلني قرد مسخ في غابة نائية.

كان واضحًا أنه سيُقتل هنا. أن كل شيء سينتهي.

لكن شيئًا بداخله رفض الاستسلام.

اعتمد على غرائزه فقط. في لحظة يأس مطلق، رفع رأسه بقوة وضرب المخلوق بجبينه مباشرة على أنفه.

سمع صوت ارتطام، وشعر بألم حاد في رأسه. لكن المخلوق أيضًا شعر بالألم. ارتد قليلًا، ويده تلمس أنفه الذي بدأ ينزف ذلك السائل الأسود المقرف.

آه... إذن تشعر بالألم مثلي.

استغل الفرصة، وقفز على المخلوق قبل أن يستعيد توازنه. ضغط على عنقه بمرفقه بكل ما يملك من قوة.

كان يسمع عظامه تصرخ من الألم، وجلده يتمزق تحت مخالب المخلوق التي كانت تمزق ظهره. لكنه لم يتركه. زاد الضغط، وضغط، وضغط، حتى سمع صوت قرقعة تحت مرفقه.

توقف المخلوق عن الحركة.

سقط على الأرض بلا حراك.

---

وقف يوسف يلهث، ويداه ترتجفان. الدم يسيل من كتفه ومن ظهره الممزق. نظر إلى جثة المخلوق، وهو لا يصدق أنه قتله.

— "أنا... أنا قتلته..." تمتم بصوت مرتعش.

انحنى يضع يديه على ركبتيه، يحاول تهدئة دقات قلبه التي تكاد تفجر صدره. تنفس بعمق، ثم غمض عينيه للحظة.

— "الحمد لله... الحمد لله..."

لكن في اللحظة التي فتح فيها عينيه، رأى شيئًا جمد الدم في عروقه.

أصابع المخلوق تحركت.

ارتعشت قليلاً، ثم توقفت. توقف يوسف عن التنفس، وحدق في الجثة بذهول. عيناه اتسعتا وهو يرى الارتجاف ينتقل من الأصابع إلى اليد، ثم إلى الذراع، ثم إلى الكتف.

— "لا..." همس بصوت بالكاد مسموع. خطا خطوة إلى الخلف. "لا... هذا غير ممكن..."

بدأ جسد المخلوق يرتجف بعنف. الرأس المحطم كان يتشنج، والعظام المكسورة تصدر أصوات طقطقة مقززة أثناء محاولتها العودة إلى مكانها. السائل الأسود كان يتدفق من الجروح بغزارة، لكنه بدأ يتجمع حول الرأس، كأنه يحاول إعادة تشكيل ما تحطم.

وقف يوسف مشلولاً. عيناه واسعتان، وفمه مفتوح دون أن يخرج منه صوت. كان يشاهد كابوسًا يتحقق أمامه.

هذا لا يحدث... هذا غير علمي... هذا غير منطقي... هذا مستحيل.

لكنه كان يحدث.

تحرك المخلوق. أصابعه تشبثت بالأرض، وذراعاه بدأتا تدفعان الجسد للارتفاع. الرأس كان لا يزال مشوهًا، نصفه الأيمن غائر إلى الداخل. لكن العين اليمنى كانت مفتوحة، وكانت تنظر إليه.

تلك العين الحمراء كانت تلمع بكراهية نقية، صافية. كانت تقول له: سأقتلك. سأمزقك إربًا. سأجعلك تتمنى أنك لم تولد أبدًا.

— "أركض..." همس يوسف لنفسه دون أن يشعر. "أركض يا أحمق... أركض..."

لكن رجليه لم تستجيبا. كان كمن تجمد في مكانه، يحدق في الرعب المتجسد أمامه.

نهض المخلوق بالكامل. وقف على قدميه، لكنه كان غير متوازن. رأسه المائل كان يتأرجح بشكل مريض، وذراعاه تتدليان بلا هدف. بدا كالمخمور، كالمصاب بجلطة، كشيء لا يفترض به أن يقف أبدًا.

لكنه وقف.

ثم أدار رأسه نحوه.

تلك العين الحمراء الوحيدة التي بقيت سليمة حدقت فيه. وفي العين الأخرى، العين المسحوقة، كان السائل الأسود يتدفق كالدمع الأسود.

وفجأة... تغير كل شيء.

توقف الارتجاف. استقام الجسد. تشبثت الأصابع بالأرض بقوة. اتسعت العين الحمراء.

ثم انطلق.

ليس كالمخلوق الذي كان يلعب معه من قبل. ليس كالوحش الذي كان يجرب قوته. هذا كان غضبًا خالصًا، جامحًا، لا يعرف الرحمة.

---

وجد يوسف نفسه يركض قبل أن يفكر.

ركض بين الأشجار، يقفز فوق الجذوع المتساقطة، يتجنب الأغصان المنخفضة. جسده ينزف وألمه يصرخ في كل خلية. لكنه ركض.

سمع وثبات خلفه. تقترب.

أسرع... أسرع بحق الجحيم...

التفت سريعًا ليرى المسافة. كان المخلوق يقترب بسرعة لا تصدق. يركض على أربع كالحيوان، يغطي المسافة بقفزات هائلة، وكأن الجاذبية لا تؤثر عليه.

اقترب أكثر.

شعر يوسف بهواء ساخن خلف رقبته. في لحظة يأس، انحنى فجأة وانعطف يمينًا. مر المخلوق بجانبه كالصاروخ، واصطدم بشجرة ضخمة أمامه.

صوت الارتطام كان مروعًا. الشجرة اهتزت بعنف، وأوراقها تناثرت في كل مكان. المخلوق ارتد إلى الخلف وسقط على الأرض يتخبط.

لم ينتظر يوسف. ركض مجددًا. رأى حفرة عميقة أمامه. انقض نحوها، وانزلق داخلها.

كانت الحفرة ضيقة، مظلمة، رطبة. رائحتها كرائحة التراب المبتل والعفن. انكمش داخلها، وجعل نفسه صغيرًا قدر الإمكان. وضع يده على فمه ليكتم أنفاسه.

سمع خطوات المخلوق تقترب. تقترب. تقترب.

توقفت. فوق الحفرة مباشرة.

كتم أنفاسه تمامًا، وأغمض عينيه. سمع المخلوق يشم الهواء. شهيق... زفير... ثم شهيق... زفير...

مرت دقائق. لا يدري كم. الزمن توقف عن الوجود.

ثم سمع شيئًا يسقط داخل الحفرة.

فتح عينيه.

كان المخلوق ينظر إليه من فتحة الحفرة. رأسه المائل، عينه الحمراء الوحيدة، فمه المفتوح الذي يظهر أنيابه الصفراء. كان ينظر إليه من الأعلى، كمن ينظر إلى فأر في جحر.

ابتسم. ابتسامة بطيئة، مريضة.

انطلق صراخه لا إراديًا. اندفع خارج الحفرة، وقفز المخلوق خلفه مباشرة.

---

ركض يوسف. ركض حتى شعر بأن رئتيه ستتفجران.

وفجأة، توقف المخلوق عن المطاردة.

وقف يوسف يلهث، ينظر حوله. كانت الغابة صامتة. حتى الحشرات توقفت عن إصدار أصواتها.

— "أين... أين ذهب؟" همس بصوت مبحوح.

ثم رآه. كان المخلوق واقفًا على بعد أمتار قليلة. لم يركض، لم يقفز. فقط وقف هناك، وعينه الحمراء تحدق فيه.

تراجع يوسف خطوة إلى الخلف. كانت ساقاه ترتجفان.

لكن المخلوق لم يهاجم. وقف مكانه، ينظر إليه بصمت. ثم بدأ جسده يرتجف. ليس كالسابق، بل ارتجافًا مختلفًا. ارتجاف المرض، ارتجاف الضعف.

سعل المخلوق. سعلة عميقة، قوية. خرج معها سائل أسود كثيف من فمه. ثم سعل مجددًا.

ترنح إلى الخلف. سقط على ركبتيه.

حدق فيه يوسف. لم يصدق ما يراه.

ثم رأى شيئًا آخر. من بين أغصان الأشجار البعيدة، كان ضوء يتسلل. ضوء الشمس. كان الفجر قد بدأ.

الأشعة الذهبية اخترقت الظلال، وصلت إلى مكانهما. لامست جلد المخلوق.

فصرخ المخلوق.

لم تكن صرخة غضب. كانت صرخة ألم. ألم حقيقي. بدأ جلده يتشقق حيث لامسته الشمس، وارتفع من جسده دخان خفيف.

حاول المخلوق التحرك، لكنه كان ضعيفًا. كلما زاد الضوء، ضعف أكثر. كان يتلوى على الأرض، يحاول الاختباء في الظل. لكن الشمس كانت تصعد، والظلال تقصر.

نظر يوسف إلى السماء. كان الفجر قد حل. الضوء يتدفق من بين الأشجار كالسهام الذهبية. كان المخلوق يحاول الزحف بعيدًا، لكنه لم يعد يقوى.

فهم يوسف. هذا الوحش لا يستطيع تحمل الشمس.

التقط حجرًا كبيرًا من الأرض. اقترب من المخلوق. كان المخلوق ينظر إليه، عينه الحمراء تخفت وتلمع.

— "أنا آسف." همس يوسف. "لكنني أريد العيش."

رفع الحجر. أنزله على رأس المخلوق.

مرة. مرتين. ثلاثًا.

ضرب حتى توقف المخلوق عن الحركة. ضرب حتى تحول رأسه إلى كتلة لا شكل لها. ضرب حتى سقط الحجر من يده منهكًا.

---

وقف فوق الجثة، يلهث كالمجنون. الدموع تختلط بالعرق على وجهه. كان يبكي دون أن يشعر. يبكي من الرعب، من الألم، من الإرهاق.

— "أنا قتلته حقًا هذه المرة..." تمتم بصوت مبحوح.

نظر إلى الجثة المسحوقة، وإلى الحجر الملطخ بالأسود بجانبه، وإلى يديه المرتجفتين المغطاتين بذلك السائل المقزز.

يا له من موقف... كنت سأموت، ثم جاء الضوء فجأة، ثم قتلته بحجر. بحجر بحق الجحيم! لو أخبرني أحدهم قبل أسبوع أنني سأقتل وحشًا بحجر، لقلت إنه مجنون.

سعل فجأة، وشعر بطعم غريب في فمه. مسح فمه بظهر يده، فوجد أثرًا من الدم.

دمي أم دمه؟ لا فرق الآن.

حاول النهوض، لكنه سقط أرضًا. حاول مجددًا، فسقط أيضًا. لم تعد لديه قوة. جسده استنفذ كل احتياطياته.

زحف بعيدًا عن الجثة، واستند إلى شجرة قريبة. جلس هناك، يرتجف، ينتظر. لا يدري ماذا ينتظر.

مرت دقائق. ربما ساعة. الزمن توقف عن أن يكون له معنى.

عندما استعاد وعيه، شعر بألم حاد في كتفه. رفع يده ليتفقد الجرح، فتأوه من شدة الألم. كان الجرح عميقًا، واللحم ممزق، والدم لا يزال ينزف.

يجب أن أوقف النزيف. يجب أن أفعل شيئًا.

بحث عن شيء يستخدمه. لم يجد سوى أوراق الأشجار الجافة. أمسك بحفنة منها، وضغطها على الجرح. تأوه من الألم. امتصت الأوراق بعض الدم، لكن النزيف لم يتوقف.

— "أحتاج إلى قطعة قماش... أي شيء..."

نظر إلى قميصه الممزق. مزق قطعة منه بأسنانه، وبدأ يضمد بها جرح كتفه. كانت عملية بطيئة، مؤلمة. كل حركة كانت تجعله يشهق من الألم.

بعد أن انتهى من كتفه، انتقل إلى ظهره. لم يستطع الوصول إلى الجروح هناك بسهولة. ظل يلوي جسده في زوايا مؤلمة، محاولًا وضع الأوراق والقماش على الجروح التي لا يراها. يعتمد فقط على حاسة اللمس والألم.

كل لمسة كانت تجعله يصرخ. كل ضمادة كانت تعذبه أكثر.

هذا أسوأ من القتال نفسه. القتال كان سريعًا. هذا عذاب بطيء.

بعد ما بدا له ساعات، انتهى من تضميد جروحه. كان لا يزال ينزف، لكن بشكل أقل.

نظر إلى السماء من بين أغصان الأشجار. كانت الشمس قد ارتفعت. الضوء الذهبي يتسلل من بين الأوراق، يرسم بقعًا متحركة على الأرض. كانت الغابة تبدو مختلفة في النهار. أقل رعبًا. لكنها لا تزال غريبة.

هذا العالم لا يهتم. أنا لا شيء هنا.

حاول النهوض مجددًا، ونجح هذه المرة. لكنه ترنح وكاد يسقط. تمسك بالشجرة حتى استقرت قدماه.

نظر إلى جثة المخلوق المسحوقة. كانت لا تزال هناك. تذكار صامت لمعركته.

— "لن أنساك أبدًا." تمتم بصوت خافت. "لن أنسى أنني قتلت لأعيش."

ثم أدار ظهره للجثة، وبدأ يمشي.

لم يكن يعرف إلى أين. لم يكن يعرف ماذا سيفعل. كل ما يعرفه أنه يجب أن يتحرك. أن يبتعد عن هذا المكان. أن يجد مكانًا آمنًا قبل أن ينهار جسده تمامًا.

مشى خطوات قليلة، ثم توقف. شعر بدوار شديد، ورأسه يدور. كانت الجروح تنزف مجددًا، والضمادات البدائية لم تكن كافية.

يجب أن أجد ماءً. يجب أن أنظف هذه الجروح. يجب أن...

لم يكمل التفكير. سقط على ركبتيه.

— "لا... لا تسقط... انهض..."

حاول النهوض، ففشل. حاول مجددًا، ففشل مجددًا.

هذا كل شيء؟ سأموت هنا بعد أن قتلت ذلك الوحش؟ يا لها من نهاية تافهة...

اجتاح الظلام كل شيء.

آخر ما شعر به قبل أن يغيب عن الوعي كان برودة التراب على خده، وصوت الريح الباردة تعصف بين الأشجار. وإحساس غريب بالوحدة المطلقة.

ثم لا شيء.

---

في الغابة، بقي جسده ساكنًا تحت شجرة عتيقة. كانت الشمس ترتفع ببطء، تتسلل أشعتها من بين الأغصان، تلامس وجهه الشاحب. حوله، كانت الغابة تهمس. أصوات غريبة، حياة غريبة، تتحرك في الظلال.

كان وحيدًا. لكنه لم يكن ميتًا.

نهاية الفصل الخامس

--- ​

2026/03/27 · 1 مشاهدة · 2287 كلمة
نادي الروايات - 2026