---

الفصل السادس: همسات الغابة

---

استيقظ على ثِقلٍ في صدره، كأن الغابة نفسها جثمت فوقه لتمنعه من التنفس.

كانت الرطوبة عالقة بجسده، والندى يتسلل من بين أوراق الأشجار ليقطر فوق وجهه الباهته. لم يكن الهواء عاديًا؛ بل كان خليطًا خانقًا من العفن والبرودة ورائحة نباتات لم يعرفها من قبل.

رفع رأسه بصعوبة، ووجد نفسه يحدق في السقف الأخضر الكثيف، وعيناه ما تزالان مشدودتين إلى الكابوس الذي طارده طوال الليل…

صورة المخلوق الذي سقط تحت قبضته.

لم يفارقه ذلك المشهد.

كلما أغمض عينيه عاد الدم، وعادت تلك النظرة الأخيرة في عينيه. لم يستطع أن يقرر: هل كان يكرهه حتى اللحظة الأخيرة، أم أنه توسل إليه بصمت؟

شعر بوخزٍ في معدته، كأنه ابتلع حجرًا باردًا لا يريد أن ينزل.

همس لنفسه بصوت مبحوح:

— "أنا… قتلت؟"

لكن هل يحق له أن يصف نفسه بالقاتل؟ لقد كان فقط يقاتل من أجل النجاة. ومع ذلك، لم يستطع التخلص من شعورٍ ثقيلٍ بأنه عبر عتبةً لا عودة منها. في العالم الذي تركه خلفه، كان القتل جريمة. هنا، في هذا العالم الجديد، كان القتل… غريزة؟ أم خطيئة؟

لم يكن يعرف. ولم يكن لديه رفاهية المعرفة.

---

أول ما خطر بباله بعد استيقاظه هو أن يصرخ باسم فؤاد أو أي شخص من الذين كانوا معه على القارب. لكن سرعان ما أدرك أن ذلك بلا فائدة، بل ربما يجذب انتباه مخلوقات أخرى.

لم يكن أمامه سوى قبول الأمر الواقع: هو وحيد. وهذه الغابة ليست مجرد مكان عادي يمكنه التجول فيه بحثًا عن طريق للخروج.

لكن كيف انتهى به المطاف هنا؟ قبل أيام، كان مجرد شاب يحاول الهجرة بحثًا عن فرصة جديدة، إنسانًا عاديًا بكل همومه وأحلامه وإحباطاته.

أما الآن؟ فقد أصبح شخصًا آخر. رجلًا وحيدًا في غابة موحشة، مطاردًا بكوابيس غريبة ومخلوقات لا يفترض أن تكون موجودة. هل هذا هو الموت؟ أم أنه ببساطة في أرض مجهولة خارج حدود العالم الذي عرفه؟

لم يكن يريد في الأمر التفكير طويلًا. كان عليه أن يتحرك، أن يبحث عن الماء والطعام والمأوى. الجوع بدأ يلتهمه، وعرف أنه بحاجة إلى أن يأكل شيئًا قبل أن ينهكه التعب تمامًا.

تذكر الفاكهة الغريبة التي وجدها بالأمس. رغم شكه فيها، لم يكن لديه خيار آخر. كانت الطعام الوحيد، ومع غروب الشمس واقتراب الليل لم يستطع البحث عن مصدر طعام واضح ومعروف.

---

الليل الأول كان طويلًا.

جلس تحت شجرة ضخمة، جذعها أعرض من أن يحيطه بذراعيه، وارتدى جسده المتعب برداء من الظلام والرطوبة.

كان يحاول أن ينام، لكن جفنيه كانا يرتجفان كلما هما بالانغلاق. كل صوت كان يقذفه إلى يقظة جديدة: حفيف ورقة، سقوط ثمرة، صرير بعيد لا يعرف مصدره.

كان يفتح عينيه كل بضع دقائق، يتأكد أن لا شيء يقترب منه. ظل الغابة كان كثيفًا، لدرجة أنه لم يكن يرى يده إذا مدها أمام وجهه. كان يعتمد على أذنيه فقط، وكانتا تخونانه باستمرار.

إحدى المرات، سمع خطى خفيفة. كانت تقترب ببطء، ثم تتوقف، ثم تقترب مجددًا. جمد مكانه، وأمسك بسكينه الصغيرة التي لم تفارقه منذ المعركة. ظل ينتظر دقائق—أو ربما ساعات—حتى اختفت الخطى.

لم ينم تلك الليلة. اكتفى بإغلاق عينيه أحيانًا، لكنه ظل في حالة تأهب دائم. كان يفكر في أمه. في فؤاد. في العم محمود. في البيت الذي تركه خلفه.

كانت الذكريات تأتي على شكل صور سريعة: يد أمه وهي تمد له فنجان الشاي، وجه فؤاد وهو يضحك على نكتة سخيفة، رائحة الخشب في محل النجارة.

تساءل: هل يمكن أن يكون فؤاد والآخرون قد نجوا وهم في المكان الموعود؟ كانت مجرد تساؤلات حاول بها يوسف طمأنة نفسه، فغالب الاحتمالات ترجح أنه البشري الوحيد الحي هنا، ولا يبدو أن هناك مكانًا غير هذه الأرض وسط كل هذه المياه، وبما أنه جُرِف إلى هذا المكان، فهذا وحده ينفي صحة تساؤلاته. لكن لا ضرر من تمني أن تخطئ الاحتمالات.

ظل مستيقظًا حتى بدأ الضوء يتسلل بين الأغصان. حينها فقط أغمض عينيه، منهكًا، لكنه لم يستطع النوم. كان الخوف أقوى من التعب.

---

اليوم الأول بدأ ببطء.

كان يوسف بالكاد قادرًا على الوقوف. جسده كله كان يتألم، وجرح كتفه ينبض بألم خفي. لكن الجوع كان أقوى من الألم.

نظر حوله باحثًا عن شيء يأكله، فوجد بعض الثمار المتساقطة تحت شجرة قريبة. كانت صغيرة، حمراء اللون، تشبه التوت لكنها أكبر حجمًا.

تردد طويلًا. يبدو أن هناك العديد من الثمار الغريبة في هذا المكان، لكن على الأقل هي تشبه الفواكه التي يعرفها. الإجاص الذي أكله سابقًا لم يكن سيئًا، لكن هنا فاكهة تشبه التوت، والذي يعرف أن بعضه غير صالح للأكل. سيكون عليه المخاطرة بتذوقه أولًا.

طعمه حامض كالليمون، ثم يتغير الطعم في اللحظة الأخيرة إلى لاذع وحلو في نفس الوقت، كان أشبه بحلوى حامضة.

معدته قرقرت بعنف، وكأنها تسخر من تردده. قضم ثمرة، ثم أكل ثمرة أخرى، ثم ثالثة.

لم يكن الطعم محببًا جدًا له، فهو لا يفضل الأشياء الحامضة والحلوى كثيرًا، لكنه كان صالحًا للأكل في النهاية. أي شيء يشبع سيكون كافيًا. شعر ببعض الطاقة تعود إليه.

الأهم من الطعام كان الماء. كان عطشه لا يحتمل. كان الأمر غريبًا، فمع أكله لثمار التوت الحامض المليئة بالعصارة، إلا أنها لم تروِ ظمأه أبدًا، بل ازداد بعد أكلها عطشًا.

سار بين الأشجار، يتفقد الأرض بحثًا عن أي علامة لمجرى ماء. كان يصغي إلى أصوات الغابة، يأمل أن يسمع خرير نهر.

بعد ساعة من السير، سمع شيئًا. كان صوتًا خافتًا، بالكاد مسموعًا. تسلل بين حفيف الأوراق وصرير الحشرات، لكنه كان هناك. خرير ماء.

اندفع نحو الصوت كالمجنون، يدفع الأغصان جانبًا، يتعثر في الجذور، لا يهتم بأي خطر. عندما وصل، رأى نهرًا صغيرًا ينساب بين الصخور، مياهه صافية كالزجاج.

سقط على ركبتيه عند حافة الماء، وغمس وجهه كله فيه. شرب بشراهة حتى شعر بأن معدته ستنتفخ. كان الماء باردًا، منعشًا، لكنه ترك في فمه طعمًا معدنيًا غريبًا، كطعم الحديد أو الدم.

عندما رفع رأسه، رأى انعكاس وجهه في الماء.

لم يعرف نفسه للحظة.

كان وجهه شاحبًا، هزيلًا، وعيناه غائرتان في محجريهما. لحيته بدأت تنمو بشكل عشوائي، وشعره متشابك متسخ. بدا أكبر سنًا مما هو عليه، بدا كمن عاش سنوات في هذه الغابة، رغم أنه لم يمضِ سوى أيام.

مسح وجهه بيده المرتجفة، وهمس:

— "من أنت الآن؟"

لم يجبه أحد. فقط الماء تابع جريانه، غير مكترث.

جلس على صخرة قرب النهر، يراقب الماء لبعض الوقت. كان يفكر: لو كان فؤاد هنا، ماذا كان سيفعل؟ كان سيجد طريقة للخروج، في الغالب لا، فهو كسول جدًا ليحاول الخروج بجد.

أظن أنه سيعجب بالمكان خاصة بعد أن يرى الفواكه الغريبة فيه. هذا إن لم يصطده مخلوق متوحش أولًا مثلما حاول اصطيادي.

ظل يوسف يطرح على نفسه تساؤلات تافهة وتخيلات ريثما يمر الوقت.

---

عاد إلى الشجرة نفسها ليلًا، لأنه لم يجد مكانًا أفضل. هذه المرة، حاول أن يعد نفسه للنوم. جمع بعض الأوراق الجافة وفرشها تحت ظهره، ووضع سكينه إلى جانبه في متناول يده.

لكن الغابة لم تكن في مزاج يسمح له بالراحة.

بدأت الأصوات مع غروب الشمس. في البداية كانت بعيدة، خافتة، لكنها اقتربت مع تعمق الظلام. كان يسمع صراخًا لا يشبه أي شيء سمعه من قبل—مزيجًا من عواء الذئب وبكاء طفل، يتكرر كل بضع دقائق.

حاول أن يقنع نفسه بأنها مجرد حيوانات. حيوانات لا يعرفها، لكنها حيوانات. ومع ذلك، كان قلبه يخفق بعنف كلما سمع الصوت يقترب.

في منتصف الليل، سمع شيئًا مختلفًا. كان صوتًا خفيفًا، كأنه حفيف قماش على الأرض. كان يقترب ببطء شديد. جمد يوسف مكانه، وأمسك بسكينه. ظل يستمع، يحبس أنفاسه.

ثم سمع شيئًا جعله يتجمد: همسًا.

لم يفهم الكلمات، لكنها كانت هناك. كانت همسًا خافتًا، كأن أحدًا يتحدث إلى نفسه بجوار أذنه. حاول أن يميز الاتجاه، لكن الصوت كان يأتي من كل مكان.

— "من هناك؟" همس يوسف بصوت خافت.

توقف الهمس فجأة. وساد صمت مطبق.

انتظر دقائق طويلة. لم يعد الهمس. لكن الإحساس بأن هناك شيئًا ما يراقبه لم يغادره حتى الفجر.

لم ينم تلك الليلة أيضًا.

---

اليوم الثاني كان أكثر تنظيمًا.

استيقظ يوسف منهكًا، فهو لم ينم ليومين متواصلين. الأمر خطير عليه وعلى صحته العقلية، لذلك قرر أنه لا يمكنه الاستمرار هكذا. كان بحاجة إلى خطة.

بدأ يمشي، لكن هذه المرة لم يكن سائرًا عشوائيًا. كان يتفقد الأشجار، يبحث عن علامات، عن أي شيء يدل على أن إنسانًا آخر مر من هنا.

لم يجد شيئًا.

لكنه وجد شيئًا آخر: نمطًا.

لاحظ أن بعض الأشجار كانت متقاربة بشكل غير طبيعي، كأنها نمت في صفوف. ولاحظ أن بعض الحجارة كانت مكدسة بطريقة لا يمكن أن تكون طبيعية.

كان هناك تنظيم خفي في هذه الغابة، شيء يشبه التصميم، لكنه لم يكن يستطيع فهمه.

بدأ يتحدث مع نفسه بصوت عالٍ. في البداية كان خائفًا من أن يسمعه أحد، لكنه سرعان ما أدرك أن الصمت كان يقتله.

— "لنفترض أن هذه الغابة مسكونة… حسنًا، هذا واضح. السؤال هو: هل هي مسكونة بكائنات فقط، أم أن الغابة نفسها… مسكونة؟"

ضحك على سخافة ما قاله. لكن الضحكة كانت جافة، قصيرة، وتحولت إلى سعال.

— "أصبحت أتحدث مع الأشجار. هذا جيد. هذا يعني أنني لم أفقد عقلي بعد. المجانين لا يعرفون أنهم مجانين. صحيح؟"

توقف للحظة، وحدق في شجرة ضخمة أمامه.

— "صحيح؟"

لم تجب الشجرة. شعر بغباءه، فتابع السير.

في فترة بعد الظهر، وصل إلى النهر مرة أخرى. جلس على نفس الصخرة، ونزع حذاءه ووضعهما بجانبه، ثم غمس قدميه في الماء البارد. كان شعورًا لا يوصف. شعر للحظة وكأن شيئًا من تعبه يغادر جسده مع كل تموج يلامس قدميه.

نظر إلى الأسماك الصغيرة تسبح قرب الضفة. كانت تتحرك في انسجام غريب، كأنها تتبع إيقاعًا لا يسمعه. حاول أن يصطاد واحدة بيديه، لكنها كانت أسرع منه.

— "حتى الأسماك هنا أذكى مني."

جلس هناك فترة طويلة، لا يفعل شيئًا سوى النظر إلى الماء. كان يفكر في فؤاد. هل فؤاد نجا؟ هل وصل إلى مكان ما؟ هل هو الآن جالس على ضفة نهر مثله، يفكر فيه؟

أغمض عينيه، وتخيل صوت فؤاد. كان الصوت واضحًا في رأسه: "لا تكن أحمقًا، يوسف. اجمع طعامًا، ابحث عن مأوى، ثم فكر في الخروج. خطوة خطوة."

فتح عينيه. لم يكن فؤاد هناك. لكنه شعر للحظة وكأنه ليس وحيدًا تمامًا.

عند الغروب، سمع الصوت مرة أخرى. كان همسًا خافتًا، بالكاد مسموعًا، لكنه كان واضحًا هذه المرة:

— "اخرج… لا تبقَ…"

تجمد في مكانه. كل شعرة في جسده انتصبت. لم يكن صوتًا داخليًا، بل شيء تسلل من بين الأشجار، كأن الغابة نفسها تتحدث.

تساءل وشفته ترتجفان:

— "هل فقدت عقلي… أم أن أحدًا يناديني حقًا؟"

لكن الغابة لم تجب. فقط الظلام بدأ يزحف بين الأشجار، والهمس تلاشى كما أتى.

---

في الليلة الثالثة، حدث ما لم يكن يتوقعه.

كان مستلقيًا تحت الشجرة نفسها، يحاول أن ينام. كان مرهقًا لدرجة أنه ظن أن النوم سيأتي سريعًا. لكن جسده كان يرفض الاسترخاء. كل عضلة كانت مشدودة، وكل فكرة كانت تتصارع مع الأخرى.

كان هذا هو تأثير بقائه مستيقظًا لفترة طويلة.

ثم شعر فجأة بشيء غريب.

لقد غاب عن الوعي. نام في عالم لا وعي، في منطقة رمادية. رأى الغابة من حوله، لكنها لم تكن كما عرفها. الأشجار كانت أطول، وأكثر قتامة، وأوراقها تتلألأ بألوان لم يرها من قبل—أزرق داكن، بنفسجي غامق، أحمر كلون الدم المتخثر. كانت الألوان تنبض، كأن لكل شجرة قلبًا يخفق.

الهواء كان أثقل، ورائحة العفن أقوى من أي وقت مضى. شعر بأن قدميه تغوصان في الأرض الناعمة، كأن التربة تبتلعه ببطء.

مشى—أو ظن أنه يمشي—بين الأشجار. لم يكن يتحكم في خطواته، لكنه كان يتحرك. كان هناك شيء يجذبه إلى العمق، شيء لا يراه لكنه يشعر به في صدره كخيط يَشُدُّه.

ثم، من بين الظلال، ظهر شيء.

لم يكن مثل الذي قتله. هذا كان مختلفًا.

لم يكن له شكل ثابت؛ كان يتقلب كالدخان الكثيف، يغير شكله كل لحظة. تارة يبدو كإنسان طويل نحيل، وتارة كحيوان يقف على قائمتين، وتارة كشيء لا يمكن للعقل استيعابه.

لكن عينيه كانتا ثابتتين: جمرتان متقدتان في فراغ بلا نهاية، تحدقان فيه من عمق الظلام.

كان يتحرك نحوه ببطء، لا بخطوات، بل بانزلاق، كأنه يطفو فوق الأرض. وحيثما مر—إن كان له أقدام—كانت الأرض تتشقق، وتصدر صوتًا كصرير الخشب القديم.

فتح فمه، وخرج منه صوت لم يسمع يوسف مثله من قبل. لم يكن كلامًا، ولا همسًا، ولا صرخة. كان شيئًا بين كل ذلك، صوتًا اخترق عظامه قبل أن يصل إلى أذنيه. شعر بأن أذنيه تنزفان، وصدره يضيق حتى كاد يختنق.

حاول أن يصرخ، لكن صوته لم يخرج. حاول أن يركض، لكن قدميه كانتا مغروزتين في الأرض كأنهما جذور.

مد ما يشبه اليد نحوه. كانت طويلة، رفيعة، وأصابعها أكثر مما يجب. اقتربت منه ببطء، كمن يتذوق خوفه قبل أن يلمسه.

ولمسة واحدة فقط كانت كافية.

شعر بأن كل ما هو عليه يتمزق إلى أجزاء صغيرة. رأى صورًا لم يعرفها، أشخاصًا لم يلتقهم، أماكن لم يزرها. رأى نفسه—لكنه لم يكن نفسه. كان ينظر إلى عينين ليستا عينيه، وكان يشعر بشيء ليس شعوره. ثم رأى ظلامًا لا نهاية له، وشعر بأنه يسقط فيه بلا توقف.

صرخ.

---

استيقظ على صوته.

كان يصرخ بالفعل. كان واقفًا على قدميه دون أن يشعر، وسكينه في يده، وقلبه يكاد ينفجر من صدره.

العرق يبلل جسده كله، وأنفاسه متقطعة كمن ركض أميالاً. نظر حوله في ذهول. الغابة كانت كما تركها. الأشجار لم تكن أطول، ولم تكن تتلألأ. كل شيء كان طبيعيًا.

لكن شيئًا كان مختلفًا.

الصمت.

كانت الغابة صامتة تمامًا. لا صراخ حيوانات، لا حفيف أوراق، لا زقزقة طيور. كان الصمت مطبقًا، كثيفًا، كأن الغابة نفسها كانت تستمع إلى ما تبقى من صراخه.

همس لنفسه بصوت يرتجف:

— "هذا لم يكن حلمًا عاديًا… لقد بدا واقعيًا جدًا."

جلس على الأرض، وسكينه ما زالت في يده. ظل هناك لدقائق—أو ربما ساعات—يحاول أن يفهم ما حدث. الإحساس باللمسة كان لا يزال في روحه، ثقيلًا، باردًا، كأنه ترك ندبة لن تزول.

غار بعدها في نوم عميق تلك الليلة. صمت الغابة المخيف ليس له حدود.

---

اليوم الثالث بدأ بتعب لا يوصف.

كان جسده يرفض الحركة، لكن عقله كان يدفعه إلى الأمام. شعر بأنه إذا توقف الآن، سينهار ولن ينهض مرة أخرى.

بدأ يمشي دون هدف واضح. كان يتحدث مع نفسه بصوت عالٍ، يحكي قصصًا من طفولته، يتذكر أسماء الشوارع في حيه، يغني أغاني قديمة حفظها. كان يعرف أنه يبدو مجنونًا. لم يكن يهتم.

في منتصف النهار، توقف فجأة.

أمامه، على التراب، كانت هناك آثار أقدام.

لم تكن بشرية. طويلة، مدببة، ذات ثلاثة أصابع حادة. كانت غائرة في الأرض بعمق، كأن من تركها يزن أضعاف وزن أي إنسان. تفرقت في اتجاهات مختلفة، ثم تجمعت، كأن شيئًا كان يمشي، ثم توقف، ثم مشى مجددًا.

تردد يوسف طويلًا. عقله كان يصرخ له أن يهرب. لكن فضوله—أو ربما يأسُه—دفعه إلى الأمام.

بدأ يتتبع الآثار ببطء. كان قلبه يدق بعنف، وكل خطوة كانت تزيد من توتره. تبعها بين الأشجار، فوق الجذوع المتساقطة، حتى وصل إلى مكان بدت فيه الآثار أكثر وضوحًا.

ثم اختفت فجأة.

وقف يوسف أمام جذع شجرة ضخم، مجوف من الداخل. كانت الفتحة مظلمة، عميقة، تشبه عينًا سوداء تحدق فيه من باطن الأرض. الآثار كانت تقود إلى هنا، لكنها لم تخرج من الجانب الآخر.

ماذا يعني هذا؟ هل دخل المخلوق إلى داخل الجذع؟ أم أنه… طار؟ أم أنه اختفى؟ أم أنه لم يكن موجودًا أصلًا؟

جلس على الأرض قرب الجذع، يراقب الفتحة المظلمة. كان يفكر: لو كان هذا فيلمًا، لدخل البطل إلى الجذع ليكتشف سرًا. لكن هذه ليست أفلامًا. وهو ليس بطلاً. مجرد شاب عادي خائف يريد فقط البقاء على قيد الحياة.

بقي هناك حتى المساء، يراقب، يستمع. لم يخرج شيء من الجذع. لم تدخل فيه أي أصوات. كان مجرد ثقب مظلم في شجرة عادية.

لكن في قلبه، شعر بأنه ليس عاديًا. شعر بأن الغابة تركته ليرى هذه الآثار عمدًا. كأنها تقول له: هناك ما هو أكبر منك. هناك ما هو أعمق. هل تريد أن تعرف؟

لم يكن متأكدًا من أنه يريد.

---

جلس عند جذع الشجرة المجوفة حتى غابت الشمس تمامًا. كان الظلام يزحف بين الأشجار، والظلال تتمدد كأصابع عملاقة تلامس كل شيء. لم يكن يريد العودة إلى مكانه المعتاد. شعر فجأة بأن الشجرة التي كان ينام تحتها أصبحت مكشوفة، غير آمنة. لكن أين يذهب؟ الغابة كلها غير آمنة.

جمع بعض الأغصان اليابسة وفرشها على الأرض، وجلس متكئًا على صخرة قريبة من الجذع. كان بعيدًا بما يكفي ليرى إذا خرج شيء من الفتحة، وقريبًا بما يكفي ليراقبها.

في الظلام، بدأ يتحدث مع نفسه مجددًا. كان صوته خافتًا هذه المرة، كأنه يخاف أن يسمعه أحد:

— "لنفترض أنني لن أخرج أبدًا. لنفترض أن هذه هي حياتي الآن. غابة غريبة، وحوش لا تموت، وأشجار تتحدث. هل يمكنني التأقلم؟ هل يمكنني أن أعيش هكذا؟"

صمت. ثم أجاب نفسه:

— "لا خيار عندي. هذا هو الجواب دائمًا: لا خيار."

ضحك ضحكة قصيرة، جافة، تحولت إلى سعال.

— "لطالما كان الأمر هكذا. لا خيار. انتظر دورك في المقابلة، لا خيار. ادفع الإيجار، لا خيار. شاهد أمك تموت، لا خيار. اركب قاربًا لا يصلح للموت، لا خيار. الآن هنا… لا خيار."

رفع رأسه إلى السماء. كانت النجوم تظهر بين الأغصان، بعيدة، باردة. كانت نفس النجوم التي رآها في بيته. أكانت هي نفسها؟ أم أن هذا العالم له نجومه الخاصة؟

— "أمي…" همس. "هل ترينني الآن؟ هل تعلمين أين أنا؟"

لم تأتِ إجابة. لكنه شعر للحظة بدفء خفيف في صدره. ربما كانت ذكرى. ربما كانت أمه. ربما كان مجرد جوع.

قبل أن يغفو—حقًا هذه المرة، بعد أيام من الأرق—سمع الهمس مجددًا. لكن هذه المرة، لم يكن خافتًا. كان واضحًا، قريبًا، كأن أحدًا يهمس في أذنه مباشرة:

— "الطريق بدأ للتو…"

فتح عينيه فجأة، ونظر حوله. لم ير شيئًا. لكن الغابة كانت ساكنة. ليس الصمت المخيف الذي كان يعرفه، بل سكون مختلف، سكون ينتظر. كأن الغابة تنتظر منه شيئًا.

همس يوسف في الظلام:

— "أي طريق؟"

لم يجبه أحد. لكنه شعر بأن السؤال نفسه كان بداية الإجابة.

جلس هناك، ينظر إلى الظلام، ويستمع إلى صمت الغابة. كان يعرف أنه لن ينام هذه الليلة أيضًا. لكنه كان يعرف شيئًا آخر: أن هذه الليلة ستكون آخر ليالي الخوف الأعمى. غدًا، سيبدأ البحث. غدًا، سيجد إجابات. أو سيموت وهو يحاول.

ظل مستيقظًا حتى بزغ الفجر، وعيناه على الفتحة المظلمة في جذع الشجرة، وأذناه مصغيتان إلى همسات الغابة التي لم تعد تخيفه بقدر ما… تثير فضوله.

في الصباح، عندما بدأ الضوء يتسلل بين الأغصان، نهض ببطء. كان جسده يتألم، ومعدته خاوية، ورأسه ثقيل. لكنه كان واقفًا. كان حيًا. وكان مستعدًا لما يأتي.

نظر إلى الغابة من حوله. لم تعد تبدو كعدو. بدت كسؤال كبير لا يريد الإجابة عنه. أو ربما بدأت تبدو… كبيت جديد.

ابتسم يوسف ابتسامة صغيرة، متعبة، ثم أدار ظهره للجذع المجوف، وبدأ يمشي. لم يكن يعرف إلى أين. لكنه كان يعرف أنه لن يتوقف.

---

نهاية الفصل السادس

2026/03/28 · 2 مشاهدة · 2879 كلمة
نادي الروايات - 2026