---

الفصل السابع: المخيم المهجور

---

لم يعد يوسف يعرف كم مضى من الوقت منذ أن جرفته الأمواج إلى هذا المكان.

كان يقيس الأيام في البداية، يحسبها بدقة، يخزنها في ذهنه كمن يخزن طعامًا لمجاعة قادمة.

لكن الجدران الرملية لذاكرته بدأت تتآكل مع كل شروق لا يشبه سابقه، مع كل غروب يخنق النور ببطء شديد كأنه يريد أن يطيل تعذيبه.

أصبحت الأيام تتشابك كجذور الأشجار تحت قدميه، يتشابه بعضها مع بعض حتى صار من العسير أن يميز أمسه من أول أمسه، أو أن يتذكر كم مرة حاول فيها أن يصطاد سمكة من النهر قبل أن ييأس.

لم تعد الأيام تُقاس بالشمس وحدها. بل بالجوع الذي يقرص بطنه صباحًا ومساءً، وبالخوف الذي يلتصق بظهره كظل لا يفارقه، وبالبحث المستمر عن أي أثر يدل على أن إنسانًا آخر وطأت قدمه هذه الأرض قبله.

كل صباح كان يستيقظ على الأمل نفسه: أن اليوم سيكون مختلفًا. أن الغابة ستكشف له سرًا، أو أن الريح ستحمل إليه صوتًا بشريًا، أو أن خطاه ستقوده أخيرًا إلى شيء ليس شجرًا ولا ترابًا ولا حجارة صماء لا تنطق.

وكل مساء كان ينام على خيبة الأمل نفسها: الغابة كما هي، الصمت كما هو، الوحدة كما هي.

كان يمشي ساعات كل يوم، لا يعرف إلى أين يتجه، لا يعرف إن كان يتقدم أم يدور في حلقة مفرغة.

اختار اتجاهًا في البداية وتمسك به، علّ الغابة تنتهي يومًا، علّه يصل إلى حافة لها، إلى شاطئ آخر، إلى أي شيء. لكن الأشجار كانت تتكاثر أمامه كلما تقدم، كأنها تزداد عددًا لتقول له: لا طريق للخروج.

أحيانًا كان يتوقف ليلتقط أنفاسه، ويسأل نفسه بصوت خافت: "هل أنا وحدي حقًا في هذا المكان؟"

وكان صمته هو الجواب الوحيد.

---

أحد الأيام — لم يعد يذكر أي يوم كان، ربما الخامس، ربما السابع — بينما كان يشق طريقه بين جذوع متشابكة وفروع تتدلى كأذرع منهكة، وبينما كان يدفع أغصانًا يابسة تتصدع تحت أصابعه وتطلق طقطقة جافة تشبه كسر العظام، توقف فجأة.

شيء ما كان مختلفًا.

لم يكن الصوت الذي أوقفه، ولا الرائحة، ولا حتى الإحساس الغريب الذي كان يرافقه دائمًا بأن هناك عيونًا تراقبه من بين الظلال. كان شيئًا آخر، شيئًا لم يعتد عليه في الأيام الماضية.

كانت رائحة.

رائحة ليست من الغابة. ليست رائحة التراب المبلل ولا العفن ولا الأوراق المتعفنة ولا حتى رائحة النهر التي كان يعرفها جيدًا الآن. كانت رائحة مختلفة،رائحة احتراق.

توقف مكانه، ورفع رأسه، وأدار وجهه في كل اتجاه كحيوان يبحث عن مصدر خطر.

استنشق الهواء بعمق، فأكّدت حاسته ما شك فيه: هناك نار. أو كانت هناك نار. الرائحة خفيفة، شبه متلاشية، كأنها بقيت عالقة في الهواء بعد أن ماتت النار منذ زمن.

خطا خطوة. ثم أخرى. كان قلبه يخفق بسرعة لم يعتدها في الأيام الأخيرة. لم يكن خوفًا، كان شيئًا آخر، أقرب إلى الأمل.

تقدم بين الأشجار، وعيناه تتفحصان كل شيء حوله: جذع مائل هنا، صخرة مشقوقة هناك، ظل كثيف يبدو وكأنه يخفي شيئًا. كل خطوة كانت تزيد من سرعة نبضاته، وكل خطوة كانت تقربه من مصدر الرائحة.

ثم رأى الفسحة.

كانت فجوة في الغابة، مكان حيث توقفت الأشجار عن الازدحام كأنها خافت من التقدم أكثر. أشعة الشمس كانت تتسرب من هناك، تخترق السقف الأخضر الكثيف لتضيء بقعة من الأرض بلون ذهبي باهت.

وفي وسط تلك البقعة المضيئة، كان هناك ما أوقف أنفاسه.

خيم.

خيم ممزقة، بالية، بعضها انهار على نفسه كعظام هرمة لا تقوى على حمل نفسها، وبعضها الآخر ما زال صامدًا على أعمدة خشبية عارية تشبه أضلاع هيكل عظمي.

تجمّد يوسف في مكانه للحظة، وعيناه تتسعان ببطء. شعر بفراغ غريب في صدره، ليس خوفًا ولا أملًا بعد، بل دهشة مطلقة. كل شيء في داخله قال له: هناك. هناك أثر. هناك حياة. أو كانت هناك حياة.

تقدم خطوة. ثم توقف. ثم تقدم مجددًا.

ركبتاه ترتجفان من شيء لا يعرف له اسمًا. كل الأيام التي قضاها وحيدًا، كل الصمت الذي كاد أن يقتله، كل التساؤلات التي كانت تتردد في رأسه بلا جواب — كلها تكاثفت في صدره فجأة وجعلته يشعر بأنه على وشك الانفجار.

— "أخيرًا…" همس لنفسه، وصوته كان مبحوحًا بالكاد يخرج من حلقه. "أخيرًا…"

كان المخيم صغيرًا. أربع أو خمس خيم على الأكثر، منتشرة بشكل غير منتظم حول دائرة حجارة كانت في وسطها.

النار التي أشعلها أصحابها منذ زمن لم تترك سوى ذكرى: فحم أسود متفتت، رماد بارد تبعثرته الريح، وبعض العظام الصغيرة متناثرة هنا وهناك.

أوانٍ حديدية سوداء من كثرة الاستعمال كانت مكدسة بجانب إحدى الخيم، وبعضها مقلوب على جنبه كأن صاحبه تركه في عجلة. قطع من القماش البالي تتدلى من أوتاد خشبية، وبقايا حبال متشابكة على الأرض.

وقف يوسف على حافة المخيم، لم يدخل بعد. كان ينظر إلى كل شيء بعينين لا تصدقان ما تراه.

خطا خطوة داخل المخيم، فصرخت الحصى تحت قدميه كمنبه قديم. توقع أن يخرج أحدهم من إحدى الخيم، أن يسمع صوتًا بشريًا يقول له شيئًا، أي شيء. لكن لم يخرج أحد. ولم يسمع سوى صمت المكان الذي كان أثقل من أي صوت.

تقدم نحو إحدى الخيم. دفع طرف القماش الممزق بيده بحذر، وانحنى ليرى داخلها. كانت فارغة. فقط أرض عارية وبعض القش اليابس وحصيرة بالية. رائحة العفن كانت قوية، تكاد تلسع الأنف.

انتقل إلى الخيمة التالية. نفس الشيء. الفراغ. الصمت. رائحة الزمن.

في الثالثة، وجد حقيبة ممزقة. جثا على ركبتيه وفتحها بحذر، كأنها قد تنفجر في وجهه. بداخلها: قصاصات قماش، قطعة من آنية فخارية مكسورة، وبقايا خبز يابس تحول إلى غبار بين أصابعه عندما لمسها.

جلس على الأرض، في وسط المخيم، بالقرب من دائرة النار المنطفئة. مدّ يديه نحو الفحم البارد كمن يريد أن يستدفئ بنار ليست هناك.

— "هل كنتم هنا؟" سأل بصوت خافت، وهو يعلم أنه لن يجيب أحد. "أين ذهبتم؟"

صوته ارتدّ من الخيم الفارغة، ومن الأشجار التي تحيط بالمكان، ومن السماء التي لا تكترث. ارتدّ فارغًا، خاويًا، كأن المكان يسخر من وحدته، كأنه يقول له: انظر، كان هناك بشر مثلك، وأين هم الآن؟

جلس هناك لوقت طويل، لا يتحرك. كان ينظر إلى الرماد البارد، وإلى العظام الصغيرة المتناثرة، وإلى الخيم الممزقة التي لم تعد تحمي أحدًا. كان يفكر: هل هؤلاء الناس مثله؟ هل جرفهم البحر إلى هنا؟ هل عانوا مثله، خافوا مثله، أكلوا الثمار الغريبة وشربوا من النهر المعدني الطعم؟ ثم ماذا حدث لهم؟

سؤال كان يدور في رأسه بلا توقف: أين ذهبوا؟

---

كان لا يزال جالسًا هناك، غارقًا في أفكاره، عندما شعر به.

لم يسمع خطاه. لم يره يقترب. لكنه شعر به. إحساس غريب تسلل إلى مؤخرة عنقه كأنفاس باردة، جعله يتصلب مكانه.

رفع رأسه ببطء.

على الطرف الآخر من المخيم، بين خيمتين منهارتين، كان هناك من يقف.

تجمد يوسف. لم يتحرك. لم يتنفس للحظة. عيناه اتسعتا وهو يحاول أن يفهم ما يراه.

كان رجلاً. أو ما تبقى من رجل.

جسده نحيل إلى حد الهزال، كأن الجلد التصق بالعظام مباشرة دون لحم يسد الفراغ. كان يرتدي ثوبًا ممزقًا باليًا، حبلًا غليظًا يلتف على خصره مكان حزام. قدماه حافيتان، متسختان بالتراب، وبعض آثار الدم القديم لا تزال عالقة بين الأصابع.

شعره كان طويلاً أشعث، يتدلى على وجهه كستائر بالية. لحيته غير مرتبة، كثيفة، تخفي نصف وجهه الأسفل. أما عيناه — فكانتا أكثر ما أرعب يوسف. عينان جاحظتان، كبيرتان بشكل غير طبيعي، تلمعان ببريق غريب لا يشبه بريق إنسان عادي.

كان الرجل واقفًا هناك، لا يتحرك. ينظر إليه.

شعر يوسف بأن قلبه يكاد يقفز من صدره. أراد أن يقول شيئًا، أن يسأل، أن يصرخ، أن يتحدث، أن يفعل أي شيء. لكن لسانه كان ثقيلاً، وقدميه كانتا مغروزتين في الأرض كأنهما جذور.

الرجل لم يتحرك أيضًا. فقط وقف هناك، يتأمله بعينيه الجاحظتين، ورأسه مائل قليلاً إلى الجانب كمن يدرس شيئًا غريبًا لم يره من قبل.

ثم ابتسم.

ابتسامة بطيئة، غريبة، انفرجت شفتاه عن أسنان صفراء متآكلة، وبعضها مفقود. لكن ما كان مرعبًا فيها ليس شكلها، بل ما وراءها: نظرة لا تشبه نظرة من يلتقي بغريب بعد طول وحدة. لا دفء فيها، لا فضول، ولا حتى عداء. نظرة أخرى، أعمق، كأنه يرى شيئًا لا يراه يوسف في نفسه.

صمت طويل. ثم فتح الرجل فمه.

خرج صوتٌ أشبه بقهقهة مقطعة، متشنجة، ثم سعل طويلاً كأن حلقه يرفض الكلام. مسح فمه بظهر يده، ونظر إلى يوسف نظرة خاطفة، ثم همس بجملة مكسّرة، بالكاد مفهومة:

— "ابتلع… البحر… الغريب."

ضحك فجأة، ضحكة جافة قصيرة، ثم صمت. رفع يده المرتجفة وأشار إلى خيام المخيم، وإلى العظام، وإلى يوسف نفسه، وهو يحرك شفتيه بصمت كأنه يتحدث إلى أحد لا يراه.

اقترب خطوة واحدة، ثم توقف. نظر إلى الأرض طويلاً، ثم رفع رأسه فجأة ونظر إلى السماء من بين الأغصان، وصرخ فجأة صرخة خفيفة مكتومة، ثم ضحك من جديد.

انقبض يوسف مكانه. قبض يديه.

جلس الرجل فجأة على الأرض، قرب الرماد البارد، وجلس القرفصاء، وأخذ يعبث بالرماد بكلتا يديه كطفل، يقلبه، ينثره على نفسه، يلتقط حفنة ويدنيه من وجهه كأنه يشم شيئًا لا يشبهه أحد.

كان يهمس بكلمات متقطعة، أحيانًا يرفع صوته قليلاً ثم يخفضه

توقف. نظر إلى يوسف بعينين واسعتين، و نطق بصوت مختلف، كأنه شخص آخر:

— "إحذر من نفسك ايها الشاب…"

ثم عاد إلى الهمس، أسرع هذه المرة، وكأنه يقرأ تعويذة لا يفهمها حتى هو.

مد يده إلى الأرض، والتقط حفنة من الرماد البارد، وتركها تتساقط على رأسه ببطء، وهو يضحك بصمت.

ثم سكت فجأة.

جلس ساكنًا تمامًا، لا يتحرك، عيناه مفتوحتان على اتساعهما ونظرهما فارغ. استمر على هذه الحال لدقائق، حتى همس يوسف بصوت مرتجف:

— "أنت… بشر؟"

لم يجب الرجل. فقط أدار رأسه ببطء شديد، حركة آلية، ونظر إليه. نظر طويلاً، ثم أخرج شيئًا من جيبه — ورقة بالية قديمة، مطوية عدة مرات. رفعها أمام وجه يوسف، ولوّح بها مرة، ثم مزقها بهدوء إلى قطع صغيرة، وبدأ يأكلها قطعة قطعة، وهو يبتسم.

شهق يوسف. خطا خطوة إلى الوراء لا إراديًا.

أنهى الرجل أكل الورقة، ومسح فمه بكمه، ثم همس بصوت طفولي غريب: — "بشر؟"

— "الظلال… أكلتهم."

أشار إلى العظام المتناثرة، ثم أشار إلى يوسف، وكرر:

— "يأكلون… الجميع… ثم يصمتون."

جلس هناك، في صمت، ينظر إلى يوسف دون أن يرمش. كانت عيناه الجاحظتان تلمعان في الضوء الخافت كأنهما ليستا لعاقل.

---

لم يتكلم الرجل لوقت طويل.

كان جالسًا هناك، يحرك الرماد بأصابعه أحيانًا، وأحيانًا يرفع عينيه إلى السماء من بين الأغصان كمن ينتظر شيئًا لا يأتي. أحيانًا كان يضحك فجأة دون سبب، ثم يعود ساكنًا كالحجر.

لم يكن يبدو أنه يريد الهروب، ولا أنه يريد البقاء. كان فقط هناك، كجزء من المخيم المهجور، كقطعة أثاث بالية نسيها أصحابها.

كان يوسف يراقبه. كان خائفًا منه، لكنه كان يريد أن يبقى. بعد كل هذه الأيام من الوحدة، كان هذا الرجل — مهما كان مجنونًا — أول إنسان يراه منذ أن فتح عينيه على هذا العالم.

كانت عيناه لا تفارقان الرجل، تدرس حركاته، تستمع إلى أنفاسه المتقطعة. كان عقله يعمل بسرعة، يحاول أن يجد تفسيرًا: هل هو ناجٍ مثله؟ أم أنه مجنون هائم؟

لكنه لم يجد إجابات.

في النهاية، سأل. صوته كان خافتًا، مترددًا:

— "وأنا… ماذا سيحدث لي؟"

رفع الرجل رأسه ببطء شديد. نظر إليه طويلاً، ثم مال برأسه إلى الجانب الآخر، كأنه لم يفهم السؤال. أشار بإصبعه إلى يوسف، ثم إلى الأرض، ثم بدأ يرسم دوائر في الرماد بإصبعه دون أن يرفع عينيه.

ثم توقف فجأة. رفع عينيه الجاحظتين، ونظر إليه بنظرة ثقيلة، وهمس:

— "ستصير…"

صمت. صوت أشبه بالنباح الجاف:

— "لا شيئ."

ضحك ضحكة قصيرة متقطعة، ثم سعل طويلاً، ومسح فمه بكمه، وعاد إلى رسم الدوائر في الرماد.

شهق يوسف داخليًا. قبض قبضتيه حتى ابيضت مفاصله.

تبًا لهذا الوغد، يظن أنني سأصير مجنونًا مثله.

أراد أن يسأل: ماذا يعني؟ لكن السؤال لم يخرج. كان الرجل قد غاص في عالمه الخاص، يهمس بكلمات غير مفهومة، أحيانًا يرفع رأسه ليطلق صرخة خفيفة باتجاه الغابة، ثم يعود صامتًا.

جلسا هناك.

مرت الريح بين الخيم الممزقة، فأطلقت صفيرًا خافتًا كأنين بعيد. تحركت أوراق الشجر فوقهما، والظلال بدأت تتمدد مع ميلان الشمس. كان المكان هادئًا، هادئًا جدًا، كأن الزمن توقف عند هذه اللحظة.

كان يوسف جالسًا، لا يتحرك. كان ينظر إلى الرجل الذي ما عاد يبدو واعيًا بوجوده، غارقًا في صمته وهذيانه.

نظر إلى يديه المقبوضتين، ثم أرخى قبضته ببطء.

جلس هناك حتى بدأ الظلام يزحف بين الأشجار، والرجل الجالس قبالته لم يتحرك، والغابة من حوله كانت صامتة، تنتظر.

فجإة اختفى الرجل العجوز . ---

نهاية الفصل السابع

---

2026/03/28 · 1 مشاهدة · 1906 كلمة
نادي الروايات - 2026