---

الفصل الثامن: أزمة الجوع والغرباء

---

بقي يوسف وحيدًا في المخيم المهجور بعد أن اختفى الرجل العجوز كما ظهر، فجأة وبلا صوت.

انتظر. دقيقة. دقيقتان. خمس دقائق.

كان ينظر إلى الخيم الممزقة، إلى الرماد البارد الذي ما زال عالقًا في ملابسه، إلى العظام المتناثرة التي كانت تذكره باستمرار بأن هذا المكان لم يكن يومًا ملاذًا آمنًا.

ضل ينتظر أن يعود الرجل من بين الأشجار، أن تظهر نظراته الجاحظة من خلف خيمة منهارة، أن تتصدع أصواته المجنونة صمت الليل مجددًا.

لكن لا شيء حدث.

ساد الصمت مجددًا، ثقيلًا كالرماد الذي كان يغطي كل شيء. حتى الريح توقفت عن الهبوب بين الخيم الممزقة، كأنها أيضًا قررت أن هذا المكان لا يستحق عناءها.

نهض يوسف بصعوبة. كانت ركبتاه ترتجفان، ليس فقط من التعب، بل من الجوع الذي أصبح الآن رفيقه الدائم الذي لا يفارقه.

شعر بدوار خفيف عندما وقف، فوضع يده على جذع شجرة قريب حتى استعاد توازنه. نظر إلى الخيم الممزقة للمرة الأخيرة، ثم قرر ألا يبقى.

هذا المكان لم يكن ملاذًا. كان قبرًا مفتوحًا ينتظر من يجلس فيه حتى يموت.

ترك المخيم خلفه وعاد يسير بين الأشجار. لم يعد يعرف إن كان الليل قد مر فعلًا أم أنه لا يزال عالقًا في نفس اللحظة الممتدة منذ وطئت قدماه هذه الغابة.

كانت الساعات تتداخل عنده، والنهار لا يختلف عن الليل إلا بكمية الضوء التي تتسرب من بين الأغصان الكثيفة. كان يمشي في ضوء خافت تارة، وفي ظلام دامس تارة أخرى، دون أن يشعر بحدود فاصلة بينهما.

النوم إن أتاه كان غفوات قصيرة، لا تزيد عن دقائق معدودة، تفزعه كوابيس لا يتذكر تفاصيلها بعد أن يستيقظ. كان يستيقظ منها متسارع القلب، عيناه تبحثان في الظلام عن شيء لا يعرف ما هو، ويداه ترتجفان كأنهما لا تزالان في الحلم.

صار يرى في تلك الكوابيس ظلالًا تطارده، وعيونًا جاحظة تتبعه، وأصواتًا تهمس بكلمات لا يفهمها. ثم يستيقظ ولا يتذكر سوى الشعور بالخوف، دون أن يعرف سببًا له.

لكن شيئًا واحدًا كان لا يقبل النسيان، لا في اليقظة ولا في النوم: الجوع.

لم يعد مجرد وخز في معدته. صار شيئًا يتسلل في عروقه، يثقل أطرافه، يدوخ رأسه، ويجعل كل خطوة كأنها عقاب. شعر أن عقله بدأ يتحلل، أن الأفكار لم تعد تأتي كاملة كما كانت، بل تتقطع في منتصفها وتضيع في ظلام لا يعرف مصدره.

كان يريد أن يخطط، أن يفكر، أن يقرر أي طريق يسلك، لكن الدماغ كان يعمل ببطء شديد، كأنه غارق في وحل ثقيل لا يستطيع الخروج منه.

أي قرار خاطئ قد يقضي على حياته في لحظة. لكنه لم يعد متأكدًا من قدرته على اتخاذ أي قرار سليم.

تعثر فوق جذر شجرة بارز وسقط على ركبتيه.

كانت الصدمة عنيفة. شعر بألم حاد في ركبتيه، لكن الألم كان خافتًا مقارنة بالجوع الذي كان يلتهمه من الداخل. غرست أصابعه في التراب البارد، وشدد قبضته كما لو كان يتشبث بالحياة نفسها.

التراب كان رطبًا تحت أظافره، له رائحة العفن والأشجار المتعفنة، رائحة مكان لا يعرف الشمس منذ زمن طويل.

همس بصوت مبحوح لا يكاد يسمعه أحد:

— "لا يمكن… أن أنتهي هكذا… بعد كل ما مررت به."

رفع رأسه فنظرت عيناه إلى السماء المثقوبة بأغصان الأشجار. كانت نقاط الضوء تخترق الظلام من هناك، صغيرة وباهتة، كأنها تراقبه من بعيد ببرود.

حتى النجوم بدت وكأنها لا تريد أن تكون قريبة منه، وكأنها تريد أن تقول له: أنت وحدك، لا أحد معك، لا أحد سينقذك.

تذكر المخيم المهجور. تذكر الرماد البارد الذي علق بأنفه، والرجل المجنون الذي لم يفارق صوته أذنيه. عيناه الغارقتان في الظلال، وهذيانه الذي كان يخلط بين الحقائق والكوابيس، كلماته التي كانت تسقط كالحجارة في ماء راكد.

كلماته علقت في رأسه كشوكة:

ستصير أحمقًا.

هل كان يتنبأ فعلًا؟ أم مجرد هذيان عقل ضائع؟

لم يعرف. ولم يعد يهم.

---

نهض مجددًا، وواصل السير.

كان يمشي بصعوبة، كل خطوة أثقل من سابقتها. كان جسده يخبره أنه وصل إلى حافة قدرته، لكن شيئًا داخله كان يدفعه للمضي قدمًا. رباطة جأشه الوحيدة: لا يتوقف. لا يستسلم. ليس بعد.

الأشجار من حوله بدت وكأنها تكبر كلما تقدم. كانت ترتفع كأعمدة مظلمة، وأغصانها تشابكت فوق رأسه كسقف من ظلال متداخلة.

كل صوت يرن في الغابة كان يبدو كصرخة بعيدة، وكل ظل يتحرك على هامش رؤيته كان يبدو كخطر يقترب.

كان يسمع حفيف أوراق لا ترى ريحًا تحركها. كان يسمع طقطقة أغصان لا أحد وطئها. كان يسمع همسات لا تأتي من مكان محدد، تأتي من كل مكان ولا مكان.

أحيانًا كان يرى وجوهًا تظهر فجأة بين الأشجار.

أمه. عمه. فؤاد.

كانوا يقفون هناك، ينظرون إليه بصمت. لم يكونوا يتكلمون، لم يكونوا يتحركون. كانوا فقط هناك، كأنهم جزء من الغابة، كأنهم نبتوا بين جذوعها.

كان يمد يده نحوهم، يتقدم خطوة أو خطوتين، ثم يختفون. يتبخرون في الهواء كأنهم لم يكونوا هناك أبدًا. لا يتركون خلفهم سوى الفراغ، وصوت قلبه الذي يدق بعنف.

تمتم وهو يلهث:

— "هل فقدت عقلي؟ أم أن الجوع فقط يعبث بي؟"

قرقرة بطنه أجابت بدلًا عنه. كانت عالية هذه المرة، طويلة، كأن معدته تئن من الداخل. جعلته يطلق ضحكة جافة خرجت كالعطش من حلقه، ضحكة لم تكن مضحكة أبدًا، كانت أقرب إلى البكاء.

— "ربما كان المجنون على حق… هنا لا تختار سوى أمرين: أن تفقد عقلك… أو أن تفقد حياتك."

ضحك مرة أخرى، ثم سعل، ثم صمت.

واصل السير.

---

ساعات أخرى لا يعرف عددها.

كان يظن أن الغابة لن تنتهي، وأنه سيمشي هكذا إلى الأبد، أو حتى يسقط وجهه على الأرض ولا يقوم مجددًا. لم يعد لديه إحساس بالوقت.

كانت دقائق تطول كساعات، وساعات تقصر كدقائق. كان يمشي في حالة بين اليقظة والنوم، خطواته تتحرك وحدها كأنها تعرف الطريق أفضل منه.

لكن في لحظة انتباه خاطفة، سمع شيئًا.

خرير ماء. خافت، بعيد، لكنه حقيقي.

توقف فجأة.

أصغى بأقصى ما يملك. كان قلبه يدق بسرعة، وروحه تعلقت بذلك الصوت كأنه آخر حبل يربطه بالحياة.

تقدم خطوة، ثم أخرى، يتوقف كل مرة ليصغي مجددًا. الصوت كان يقترب، خافتًا في البداية ثم أوضح، ثم أصبح قريبًا لدرجة أنه كان يسمعه بوضوح فوق دقات قلبه.

تقدم شبه راكض حتى عثر على الجدول.

كان ضيقًا، يتسلل بين الصخور بهدوء، ماؤه صافٍ يلمع في الضوء الخافت. تدفق بطيء، كأنه ليس في عجلة من أمره، كأن الزمن عنده مختلف عن زمن يوسف.

ألقى بنفسه على ركبتيه دون أن يشعر بالألم. غرف بكفيه الماء البارد، كان باردًا جدًا لدرجة أنه شعر به في عظامه. شرب بنهم، جرعات سريعة متقطعة، كأنه يخشى أن يختفي الماء إذا لم يشرب بسرعة.

انساب الماء في حلقه، أطفأ لهيبًا كان يلتهمه من الداخل، أعاد بعض الحياة لجسده المنهك.

لكن الجوع — كبر أكثر.

جلس على حجر قرب الجدول، يتنفس بعنف. نظر حوله بعيون منهكة. لا حيوانات صغيرة للصيد هنا. لا ثمار على الأشجار. لا شيء.

كان يعرف أن بعض الجذور صالحة للأكل، لكنه لم يكن يعرف أي منها. كانت الغابة مليئة بالنباتات التي لا يعرفها، والألوان التي لم يرها من قبل.

لو جرب الجذور الخاطئة، فسيتسمم. أو سيموت ببطء بآلام شديدة في بطنه. أو سيفقد وعيه في مكان لا يجده فيه أحد.

كان عليه أن يبتعد عن هذه المنطقة. أن يجد مكانًا آخر. أن يستمر.

نهض ليواصل طريقه، لكنه توقف فجأة.

صوت. بعيد. لكنه ليس خرير الماء.

خطوات. حديث خافت. ضحكة مكتومة.

أصغى. كان قلبه ينبض بعنف الآن. لم يكن وهمًا. لم يكن من خياله. كانت هناك بشر.

تسارع قلبه لدرجة أنه شعر به في حلقه. اندفع نحو الصوت دون أن يفكر كثيرًا. كان جائعًا، مرهقًا، على حافة الانهيار، ولم يعد يهتم بأي شيء سوى أن يجد من يساعده.

كان يريد أن يصرخ، أن ينادي، أن يركض نحوهم بكل ما تبقى له من قوة.

لكن شيئًا داخله جعله يبطئ خطواته قبل أن ينكشف عليهم.

كان مجرد شعور غامض، ليس خطة ذكية ولا تحليلًا مدروسًا. كان فقط إحساسًا في قفا عنقه، كأن هناك من يهمس له: لا تندفع. لا تكن أحمق.

تسلل بين الأشجار بحذر. وضع قدميه حيث لا توجد أغصان يابسة. توقف كل خطوتين ليصغي. كان يتنفس بصوت خافت، وشفتاه مغلقتان بإحكام كأنه يخاف أن يفضحه أنفاسه.

حتى رأى وميض نار.

---

انحنى خلف جذع ضخم، وأخذ يتنفس ببطء وهو يراقب.

ثلاثة رجال جلسوا حول نار صغيرة.

كانت النار متواضعة، لا تزيد عن حفنة من أغصان مشتعلة، لكن ضوءها كان كافيًا ليكشف وجوههم في الظلام. ملابسهم غريبة، مصنوعة من جلود الحيوانات وحبال خشنة، ممزقة في بعض الأماكن ومُرقعة في أخرى. أمامهم قدر أسود يتصاعد منه بخار ثقيل.

رائحة اللحم ضربت أنف يوسف بقسوة.

شعر بدوار آخر غير دوار الجوع. كانت رائحة لم يشمها منذ أيام، منذ أن جرفته الأمواج إلى هذا المكان. رائحة طعام حقيقي، ساخن، يطهى على نار. شعر بأن فمه يمتلئ باللعاب رغمًا عنه، وبأن معدته تنقبض عليه كقبضة لا تطاق.

رأى وجوههم بوضوح الآن.

الرجل الأول كان عريض المنكبين، جلده خشن كأنه عانى من الشمس والريح سنوات طويلة. وجهه مليء بالندوب، بعضها قديم وأبيض، وبعضها لا يزال ورديًا كأنه حديث. عيناه زرقاوان، حادتان، تلمعان في ضوء النار كالزجاج المكسور. كان جالسًا على حجر مسطح، وسيف قصير موضوع بجانبه في متناول يده.

الرجل الثاني كان شابًا نحيلًا، بشعر أشعث طويل يغطي نصف وجهه. أصابعه رفيعة وطويلة، تعبث بسكين صغير تديره بين أصابعه كأنها جزء من يده. كان يبتسم بين الحين والآخر، لكن ابتسامته لم تكن ودودة. كانت تشبه ابتسامة من يجد متعة في مشاهدة شيء يتألم.

الرجل الثالث كان كبيرًا في السن. وجهه نحتته التجاعيد العميقة، ولحيته بيضاء كثيفة تغطي صدره. كان جالسًا منكمشًا على نفسه، بعيدًا قليلاً عن النار، وعيناه نصف مغمضتين كمن لا يريد أن يرى كثيرًا مما حوله. لم يكن يبدو مهتمًا بما يحدث، لكن عينيه كانت تتحرك أحيانًا ببطء، تتابع كل شيء دون أن يلاحظ أحد.

شعر يوسف بالخوف. كانوا يحملون أسلحة، ونظراتهم لم تكن ودودة. لم يكونوا يشبهون ناجين مثله. كانوا يشبهون أشخاصًا اعتادوا على العيش في هذا المكان، اعتادوا على القسوة.

لكن جسده كان يرتجف من الجوع. ورائحة الطعام جعلت رأسه يدور. لم يعد قادرًا على التفكير بوضوح.

تردد لحظة. ثم خرج من بين الأشجار رافعًا يديه.

---

انقطع صوتهم فجأة.

توقفوا عن الأكل في منتصف اللقمة. تحرك اثنان نحو رمحيهما بحركة سريعة، كأنهم تدربوا على ذلك ألف مرة. الشاب النحيل أوقف سكينه في منتصف الدوران. العجوز فتح عينيه للحظة، ثم أغلقهما مجددًا.

واجهوه بنظرات حادة لا تبشر بخير.

حاول يوسف أن يبدو هادئًا، لكن صوته خرج مبحوحًا، متقطعًا، بالكاد يشبه صوته الحقيقي:

— "أنا ضائع… أبحث عن مساعدة."

ساد صمت طويل.

كان يسمع طقطقة النار فقط، ونبض قلبه الذي كان يعتقد أنهم يسمعونه أيضًا. كان واقفًا هناك، يداه مرفوعتان، جسده المرتجف لا يخفي شيئًا من ضعفه.

الرجل ذو الندوب حدق فيه طويلًا. نظر إلى ملابسه الممزقة، إلى وجهه الشاحب، إلى يديه المرتجفتين. كان ينظر إليه كمن يقرأ شيئًا مكتوبًا على جسده.

ثم قال بصوت أجش:

— "من أين أتيت؟"

ابتلع يوسف ريقه. قال بسرعة، خائفًا أن يرفضوه:

— "غرقت سفينتي… جرفتني الأمواج إلى هنا."

الرجل ذو الندوب لم يرفع عينيه عن يوسف. سأل مجددًا، ببطء:

— "سفينة؟"

— "نعم… سفينة. كنا مسافرين… ثم العاصفة…" توقف يوسف، لم يستطع إكمال الجملة.

تبادل الرجال الثلاثة نظرات قصيرة. الشاب أوقف سكينه للحظة، ونظر إلى يوسف من تحت شعره المتدلي. العجوز فتح عينيه للحظة، ألقى نظرة خاطفة، ثم أغلقهما مجددًا كمن سمع ما يكفي.

ثم أشار الرجل ذو الندوب بيده:

— "اقترب… اجلس."

---

جلس يوسف قرب النار.

كان قريبًا جدًا منها لدرجة أنه شعر بالحرارة تلذع وجهه، لكنه لم يبتعد. الحرارة كانت تذيب البرد الذي تمكن من عظامه. أعادت الدم إلى أصابعه المتجمدة، وجعلته يشعر بأنه لا يزال حيًا.

رأى القدر عن قرب الآن. كان من حجر أسود، محفور يدويًا، تتصاعد منه رائحة كثيفة. قطع لحم صغيرة تغلي مع جذور داكنة اللون، والسائل حولها كان سميكًا داكنًا. لم يكن يعرف ما هو اللحم، ولم يكن يريد أن يعرف.

معدته قرقرت. كانت قرقرة عالية، طويلة، لا يمكن كتمها. شعر بالخجل للحظة، لكن الخجل لم يدم طويلاً.

الشاب النحيل ضحك. ضحكة خفيفة جافة، كأنه وجد شيئًا مسليًا.

ناول يوسف قطعة لحم على نصل سكينه. أمسكها من طرف النصل بحرفية من لا يريد أن يقطع يده، ومدها نحوه. قال بصوت فيه سخرية باردة:

— "جائع، أيها الغريب؟"

أخذ يوسف القطعة بيد مرتجفة. لم يهتم بالطعم. لم يهتم بأن اللحم كان نيئًا من الداخل قليلاً، أو أن الطعم كان غريبًا مرًّا، أو أن رائحته كانت مختلفة عن أي لحم تذوقه من قبل. ابتلعها بسرعة وكاد يختنق. همس:

— "شكرًا…"

لم يرد عليه أحد.

أخذ قطعة أخرى دون أن يطلب. كان يعلم أنه قد يبدو جشعًا، لكنه لم يعد يهتم. كان الجوع يلتهمه من الداخل، وكل لقمة كانت تطفئ جزءًا من لهيب كان يكاد يلتهمه.

كان الرجال يراقبونه. لم يأكلوا، كانوا فقط يراقبون. الشاب النحيل يدير سكينه بين أصابعه ببطء. الرجل ذو الندوب يشعل غصينًا جافًا من النار ويدخنه. العجوز ساكن كحجر، لكن عينيه نصف المفتوحتين كانتا تتابعان كل حركة.

سمع أحدهم يعلق على ملابسه الممزقة. قال بصوت خافت: "ما هذه الثياب؟ كأنها من مكان آخر." وعلق آخر على حذائه: "هذا لا يصلح للمشي هنا."

كانوا يتحدثون بلغته. كان يتعرف على الكلمات، على الجمل. لكن لهجتهم كانت غريبة. كانت الكلمات تخرج من الحلق لا من الفم، والنهايات تبتلع في الصدر، وبعض الحروف تنطق بطريقة لم يسمعها من قبل. لم يستطع تحديد مصدرها. لم تكن من أي بلد يعرفه.

بينما كان يأكل، حدث ما لم يتوقعه.

تحرك الشاب النحيل. لم يره يتحرك، بل شعر به فقط. كان يتحرك بسرعة، كأن جسده كله كان ينتظر هذه اللحظة. امتدت يده الطويلة إلى جيب يوسف الخارجي، وسحب شيئًا قبل أن ينتبه يوسف إلا وقد أصبح الهاتف بين أصابعه الرفيعة.

تجمد يوسف.

الهاتف لا يعمل. تلف في ماء البحر منذ الأيام الأولى. الشاشة سوداء ومتصدعة من إحدى الزوايا. الزر الجانبي عالق لا يعمل. كان مجرد قطعة زجاج ومعدن ميتة لا فائدة منها.

لكنه كان كل ما تبقى له من عالمه.

بدون الهاتف، حتى تلك الصور ستضيع. ولن يبقى له دليل على أن أمه كانت موجودة يومًا. على أن فؤاد كان صديقه. على أنه كان له حياة قبل هذه الغابة.

قال بصوت حاد:

— "أعيدوه لي!"

مد يده، لكنه لم يقترب أكثر. كان خائفًا. كان يعلم أن هؤلاء الرجال ليسوا من النوع الذي يمكنه مقاومته. لكنه كان غاضبًا أيضًا. غاضبًا من الجوع، من الغابة، من عجزه، ومن أن الشيء الوحيد الذي تبقى له يُنتزع منه بهذه السهولة.

الرجل ذو الندوب نظر إليه ببرود. ثم التفت إلى الشاب. لم يقل شيئًا، فقط أشار بيده بخفة. فألقى الشاب الهاتف إليه.

قلبه الرجل بين أصابعه الغليظة. نظر إلى القطعة الغريبة: زجاج أسود عاكس، حجم صغير، ثقل غير مألوف. ضغط على الزر الجانبي. لم يحدث شيء. ضغط مجددًا. لا شيء.

رفع عينيه إلى يوسف:

— "ما هذا؟"

توقف يوسف. كيف يشرح لرجل لا يعرف الهاتف ما هو الهاتف؟ كيف يقول له إن هذا الجهاز الميت كان يومًا ما نافذة على عالم كامل؟ قال بلهجة متوترة:

— "لا شيء. لا يعمل. فقط… شيء من بلادي."

نظر الرجل ذو الندوب إلى الهاتف مجددًا. قلبه بين يديه، كأنه يقدّر وزنه. نظر إلى يوسف، ثم إلى تمسكه الواضح بالقطعة. كان يوسف ينظر إليه بعينين لا تخفيان شيئًا من القلق.

ابتسم الرجل ابتسامة باردة.

— "لا يعمل؟" كرر كلماته ببطء، كمن لا يصدقها. "تمسك به كأنه روحك… إذن له قيمة."

وضع الهاتف في جيبه الداخلي. كان جيبًا مصنوعًا من جلد سميك، مربوط بحبل على صدره. وضع الهاتف فيه بحركة هادئة، كمن يضع شيئًا ثمينًا في مكان آمن.

ثم قال:

— "ثيابك لا تصلح هنا… سنجد لك ما يناسبك. وهذا… سنحتفظ به."

تسارعت دقات قلب يوسف. شعر بالغضب يعتصر صدره. أراد أن يصرخ، أن ينتزع الهاتف منه، أن يفعل أي شيء. لكنه نظر إلى أيديهم على الأسلحة.

نظر إلى الشاب النحيل الذي كان يدير سكينه بين أصابعه مجددًا، وإلى العجوز الذي فتح عينيه للحظة وأغلقهما كمن يقول لا تفعل شيئًا غبيًا.

ابتلع غضبه. لا يستطيع فعل شيء الآن. لا يستطيع أن يقاتلهم. لا يستطيع أن يهرب. الجوع أنهكه، وهو في وسط الغابة مع ثلاثة رجال لا يعرف إن كانوا سيئين أم لا، لكنهم بالتأكيد أقوى منه.

جلس صامتًا. عاد إلى الأكل ببطء. لم يكن يفكر في خطة ذكية، لم يكن يحلل. كان فقط يشعر بالعجز، ويريد الهاتف، ولا يعرف كيف يستعيده.

اقترب منه الرجل ذو الندوب ووقف. وضع يده الثقيلة على كتف يوسف، وكانت يده باردة وثقيلة في آن. قال بصوت خفيض:

— "لا تقلق… نحن نحب الضيوف."

لم يرد يوسف. كان يشعر بثقل يده، وبخطر لا يفهمه تمامًا، وبأنه دخل إلى شيء لا يعرف كيف سيخرج منه.

---

لم يطل جلوسهم حول النار. بعد أن أنهى يوسف طعامه — أو ما أعطوه إياه — وقف الرجل ذو الندوب وأطفأ النار بقدمه في حركة واحدة. لم يترك جمرة واحدة تشتعل.

— "سنمشي. الليل ليس آمنًا هنا."

أشار ليوسف أن يتبعه، فنهض مترددًا. كان الهاتف في جيب الرجل. كان يشعر بثقله هناك، رغم أنه لا يعمل. كان يشعر به كجرح لا يلتئم.

انطلقوا بين الأشجار. الرجل ذو الندوب في المقدمة، والآخران خلفه. سار يوسف في الوسط، واضعًا قدميه بحذر.

كان يحاول أن يتذكر الطريق: النهر خلفهم، الغروب أمامهم، شجرة منحنية هنا، صخرة كبيرة هناك. هذا كل ما استطاع أن يحفظه.

لم يكن يعرف إن كان يقترب من الأمان أم من خطر أكبر. لكنه لم يكن لديه خيار آخر.

كان الظلام كثيفًا بين الأشجار. لم يكن هناك قمر، أو كانت أغصان الأشجار تحجبه تمامًا. كانوا يمشون في ظلام شبه كامل، يعتمدون على ما تبقى من ضوء بعيد لا يعرف مصدره.

الرجل ذو الندوب كان يمشي بثقة، كأنه يعرف كل شجرة وكل جذر في هذا المكان. الرجلان الآخران كانا يتبعانه بصمت، وخطواتهما كانت خفيفة لا تكاد تسمع.

كان يوسف يتعثر بين الحين والآخر. كان يضع قدمه على جذر لا يراه، أو يده على لحاء شجرة ليتوازن. كان يحاول ألا يحدث صوتًا، لكن أنفاسه المتقطعة كانت تخونه.

ساروا هكذا وقتًا لا يعرفه. الدقائق امتدت إلى ساعات، أو الساعات تقلصت إلى دقائق. لم يعد يعرف. كان فقط يمشي، يضع قدمًا أمام أخرى، يحاول ألا يسقط.

كانت الأشجار تتكاثف كلما تقدموا. والظلال تزداد سوادًا. لم يتحدث أحد. فقط وقع الأقدام على التراب الرطب، وصرير الأغصان البعيدة، ونبض قلبه الذي كان يظن أنهم يسمعونه.

ثم توقف الرجل ذو الندوب فجأة.

رفع يده، فأوقف الجميع مكانهم. أصغى للحظة، كأنه يسمع شيئًا لا يسمعه غيره. ثم قال بصوت خافت:

— "نحن هنا."

أمامهم، بين جذوع ضخمة متشابكة، كان هناك ما يشبه معسكرًا صغيرًا. لم يكن خيمًا، بل مأوى من جلود الحيوانات مدعوم بأعمدة خشبية غليظة.

كانت الجلود ممتدة بإحكام، وبعضها مرقع بقطع أخرى من فرو مختلف. نار صغيرة كانت تكاد تنطفئ في وسطه، ترمش بضوء خافت كعين تنام.

أشار الرجل إلى يوسف:

— "هناك. ستنام هناك الليلة."

نظر يوسف إلى المأوى. كان صغيرًا، منخفضًا، بالكاد يتسع لشخص واحد. ثم نظر إلى الرجلين خلفه. كان الشاب النحيل يدير سكينه بين أصابعه مجددًا، والعجوز واقف كتمثال.

عرف أنه لا خيار له الآن.

دخل المأوى وهو يشعر بعيونهم على ظهره. انحنى ليدخل من الفتحة الضيقة، وجلس على الأرض الباردة. كانت الأرض ترابًا مكشوفًا، وبعض القش اليابس متناثر هنا وهناك. رائحة الجلود كانت ثقيلة، رائحة حيوانات وعفن وقديم.

سمعهم يهمسون خارجًا. كانت أصواتهم خافتة، متقطعة، لا يفهم كلماتها. لكنه فهم النبرة. لم تكن نبرة من يتحدث عن ضيف عزيز. كانت نبرة من يخطط لشيء لا يريد للضيف أن يعرفه.

أغمض عينيه. لم يكن لينام. كان ينتظر. يسمع. كان قلبه يدق ببطء الآن، ليس من الخوف فقط، بل من التعب الذي بلغ عظامه.

الهاتف — كل ما تبقى له من حياته السابقة — كان في جيب رجل لا يعرف اسمه. رجل لا يعرف شيئًا عنه. رجل ظن أن تمسك يوسف بالقطعة الميتة يعني أنها ثمينة، فاستولى عليها.

لكن يوسف كان لا يزال حيًا. وكان يعرف أنه إذا أراد أن يخرج من هذا، فعليه أن يكون حذرًا. ليس بطلًا، ليس عبقريًا. فقط رجل عادي يحاول ألا يخطئ الخطوة التالية.

كانت الهمسات خارج المأوى لا تتوقف. والنار كانت ترمش بضوءها الأخير. والغابة من حوله كانت صامتة، تنتظر.

كانت تنتظر ما سيفعله بعد ذلك.

---

نهاية الفصل الثامن

---

2026/03/28 · 2 مشاهدة · 3129 كلمة
نادي الروايات - 2026