---
الفصل التاسع: بين الرماد والدماء
--- معا تقدم الوقت
لم يعد التعب وحده ما ينهش جسد يوسف. كان هناك شيء آخر، أعمق من الجوع، أشد إيلامًا من وخز الأغصان التي خدشت وجهه وذراعيه.
كان الخوف.
ذاك الخوف الصامت الذي يستيقظ مع كل نفس، يخنق بصمت، ويزحف تحت الجلد كحشرة باردة تبحث عن مكان دافئ لتضع بيضها.
جلس قرب النار الخافتة، على بعد خطوات من القدر الذي كان يغلي قبل قليل.
كان جسده منحنيًا قليلًا إلى الأمام، كمن يحاول أن يشغل حيزًا أصغر، أن يختفي في ظله. عيناه لم تفارقا الغرباء الثلاثة الجالسين حول النار، لكنه كان حريصًا ألا تطول نظراته، ألا تثير انتباههم.
ضل ينظر إليهم من تحت حاجبيه، نظرات خاطفة سريعة، كمن يسرق شيئًا لا يريد أن يُقبض عليه.
كان يتظاهر بأنه لا يزال منشغلًا بشيء ما، لكن يده كانت تحت ردائه، تقبض على مقبض السكين الصغير الذي وجده في المخيم المهجور. كان سلاحه الوحيد.
سكين صغيرة صدئة، نصلها غير حاد، لكنها كانت أفضل من لا شيء. كان يعلم أنها لا تساوي شيئًا أمام رماحهم الطويلة وسيوفهم القصيرة، لكن وجودها في يده كان يمنحه شعورًا زائفًا بالأمان. كأنه طفل يظن أن غطاءه يحميه من الوحوش تحت السرير.
لم يكن ضعيفًا. كان يعرف ذلك. جسده كان لا يزال صلبًا، عضلاته ما زالت تحمل ذاكرة الأيام التي كان فيها قويًا. لكن التعب سرق قوته. الجوع أضعفه حتى شعر أن عقله نفسه بدأ يتفكك.
الأفكار كانت تأتي غير مكتملة، تتقطع في منتصفها، تختفي قبل أن يلتقطها. كان يفكر في الهرب، لكنه كان يعرف أن جسده لن يحتمل الجري. كان يفكر في البقاء، لكنه كان يعرف أن البقاء قد يكون موتًا أبطأ.
"إن هاجموني الآن، سأُسحق قبل أن أرفع يدي."
لم يكن هذا تحليلًا ذكيًا، كان مجرد إحساس غامز في قفا عنقه، إحساس يعرفه منذ أيام الطفولة عندما كان يقرر أي المعارك يخوض وأيها يترك.
كان يعرف متى يكون الخصم أقوى منه. وهؤلاء الثلاثة كانوا أقوى منه بمراحل. ليس فقط بالأسلحة، بل بالخبرة، بالقسوة التي رأى آثارها على وجوههم، بالطريقة التي يتحركون بها كمن اعتاد على العنف.
رأى ذو الندبة جالسًا في الطرف المقابل، بعيدًا قليلًا عن النار، متصلبًا كعمود حجر.
كان يمرر نصل رمحه على حجر شحذ صغير، فيصدر صوتًا معدنيًا رتيبًا، كنبض ثابت لا يتوقف. اليد التي تمسك بالرمح كانت غليظة، مليئة بالندوب القديمة التي تحولت إلى خطوط بيضاء على الجلد الأسمر. ومع كل حركة ليده، كان يوسف يشعر أن الرمح يمرر على عنقه هو، لا على النصل.
الشاب النحيل كان قريبًا من النار، يدير سكينه بين أصابعه بتلك الطريقة التي أصبحت تثير أعصاب يوسف. كان يرمق يوسف بين الحين والآخر، يبتسم ابتسامة خفيفة، كمن يعرف شيئًا لا يعرفه يوسف. لم تكن ابتسامة ودودة، ولا حتى ساخرة.
كانت ابتسامة من يجد متعة في مشاهدة شيء يخاف، كالقط الذي يلعب بفأر قبل أن يأكله.
أما الثالث، القصير زائغ العينين، فكان جالسًا منكمشًا على نفسه، يهمس بكلمات لا يسمعها أحد، وعيناه تتحركان باستمرار كمن يرى أشياء لا يراها غيره.
---
ثم حدث ما لم يتوقعه يوسف.
اشتعل بينهم جدال فجأة، كالنار التي تُغذى بحطب جاف. لم يسمع مقدماته، ربما كانوا يتحدثون بصوت منخفض قبل ذلك، لكن الصراع خرج إلى السطح بسرعة البرق.
كان الشاب النحيل أول من رفع صوته. قفز واقفًا، وجهه احمرّ فجأة، وعروق رقبته انتفخت. سكينه توقفت عن الدوران، ويده قبضت عليها بقوة كأنها تبحث عن عنق لا سكين.
— "كل هذا بسببك!" صرخ، صوته متقطعًا، مرتجفًا من الغضب. "أنت من قادنا عبر الوادي الملعون! لو لم تفعل… لما فقدنا جيرن!"
اسم جيرن أطلقه الشاب وكأنه يبصق شيئًا مرًا. ارتفعت حرارة الجو فجأة، حتى يوسف شعر بها. نظر إلى ذي الندبة، فلم يرَ على وجهه تغييرًا. كان لا يزال يمرر الرمح على الحجر، بنفس الإيقاع الرتيب، وكأن الصراخ لا يعنيه.
لكن الضخم ذا اللحية الكثة انفجر. قفز واقفًا، ركل القدر بقوة فانسكب الحساء على التراب مع صوت فحيح. تناثرت قطع اللحم والجذور الداكنة بين الرماد، وتصاعد بخار كثيف للحظة ثم تلاشى.
— "ومن قال لك أن تتبعه أيها الأحمق؟" صوته كان أجش، عالٍ، يملأ الفسحة الصغيرة. "كلنا اخترنا هذا الطريق! كلنا! لا تلم غيرك لتخفي ضعفك!"
شخص بإصبعه نحو الشاب النحيل، وكان الإصبع يرتجف. لم يكن يرتجف من الخوف، بل من الغضب الذي بلغ حده.
لم يتراجع الشاب النحيل. خطا خطوة نحو الضخم، سكينه في يده الآن وليست بين أصابعه. ضاقت عيناه، وصوته أصبح باردًا فجأة:
— "ضعفي؟ أنا الذي أنقذت جلدك مرتين! مرتين! في غابة الشمال! وفي ممر الصخور! قل لي، كم مرة أنقذتني أنت؟ كم؟"
صمت الضخم للحظة. كان صمته اعترافًا، لكنه سرعان ما استعاد غضبه:
— "هذا لا يغير شيئًا! جيرن كان يعرف المخاطر! كلنا كنا نعرف!"
تدخل الثالث فجأة، القصير زائغ العينين. قفز من مكانه كمن لسعته نار، ووجهه الذي كان هادئًا قبل قليل أصبح محتقنًا بالدماء. كان صوته أعلى من الاثنين معًا:
— "اصمتوا!" صرخ، ويداه ترتجفان إلى جانبيه. "اصمتوا! نحن نموت جوعًا منذ أيام! وأنتم تتشاجرون كالأطفال! لو لم نصطدم بذلك الكائن ليلة الأمس… لكان كل شيء مختلفًا!"
سكت الجميع للحظة. رأى يوسف كيف تغيرت وجوههم عند ذكر "ذلك الكائن".
الشاب النحيل أرخى قبضته قليلًا على السكين. الضخم أدار وجهه بعيدًا. حتى ذو الندبة أوقف حركة الرمح للحظة، للحظة واحدة فقط، ثم عاد إلى شحذه.
لم يفهم يوسف ما كانوا يقصدون، لكنه فهم الخوف في عيونهم. كان خوفًا حقيقيًا، مختلفًا عن خوفهم من بعضهم. كان خوفًا أعمق، أقدم.
ثم تدخل ذو الندبة. لم يقف، لم يرفع صوته. ظل جالسًا حيث هو، يمرر الرمح على الحجر، لكنه قال كلماته بهدوء قاتل، وبازدراء واضح:
— "كفاكم."
صمت الثلاثة فجأة. حتى الشاب النحيل، الذي كان على وشك الانفجار، توقف وابتلع ما كان سيقوله.
أكمل ذو الندبة بنفس الهدوء، كمن يشرح درسًا لتلاميذ عاصين:
— "إن كنا سنهلك، فالسبب ضعفكم أنتم. ليست القوانين ولا مملكة لاينهارت ولا أي شيء آخر."
الاسم سقط بينهم كحجر في ماء ساكن. لاينهارت. سمعها يوسف بوضوح، رغم أن ذا الندبة قالها باحتقار، كمن يبصق شيئًا لا يريد أن يبتلعه.
ساد صمت ثقيل. لا أحد تحدث. جلس الضخم مجددًا على الأرض، جلسة منهكة، ووضع رأسه بين يديه.
عاد الشاب النحيل إلى مكانه، لكنه لم يعد يدير سكينه. كان يمسكها بقبضة بيضاء، ينظر إلى الأرض. همس القصير زائغ العينين بشيء لا يُسمع، ثم جلس منكمشًا على نفسه مجددًا.
جلس يوسف صامتًا. كان قلبه يدق بسرعة، لكنه حاول ألا يظهر شيئًا. ظل ينظر إلى الرماد المنسكب، إلى قطع اللحم المتناثرة، يتظاهر بأنه لا يسمع. لكنه سمع كل شيء.
لاينهارت. مملكة. قوانين. نفي. لم تكن هذه غابة عادية. كان هناك عالم منظم وراءها، عالم فيه سلطة وسجون وأشخاص يتم نفيهم. عالم أكبر من هذه الغابة.
أراد أن يعرف أكثر، لكنه عرف أن السؤال سيكون خطيئة الآن. لم يكن الوقت مناسبًا.
---
بينما كانوا غارقين في جدالهم، كانت أصواتهم ترتفع وتنخفض، تتشابك كأغصان الأشجار المتشابكة.
كانوا مشغولين تمامًا، عيونهم مشتعلة غضبًا، كل منهم يلوم الآخر، لا ينتبهون إلى أي شيء سوى غضبهم. كان الشاب النحيل يتحدث بسرعة، كلماته تتسابق خارج فمه. كان الضخم يرد بقسوة، صوته يرتفع كل مرة. كان القصير زائغ العينين يحاول التوسط، لكن صوته كان يغرق في الصراخ.
وذو الندبة جالس في طرفهم، لا يشارك، يراقب.
شعر يوسف بأن قلبه يقفز في صدره. كانت فرصة. ربما الفرصة الوحيدة.
حرك يده ببطء شديد، كمن يحركها في ماء ثقيل. ابتعد قليلًا عن مكانه، متظاهرًا بأنه يريد أن يجلس في مكان أكثر راحة. لم ينتبه له أحد. كانوا غارقين في صراخهم.
مد يده نحو الرماد البارد عند حافة النار. كان الرماد باردًا، ناعمًا، كالغبار الذي يغطي كل شيء في هذا المكان. قبض حفنة كبيرة. كانت دافئة قليلًا من تحت، حيث لا تزال جمرة خفية تختفي. شعر بها على راحة يده، لكنه لم يتراجع.
نظر إليهم للحظة الأخيرة. كان الشاب النحيل يشير بيده نحو الضخم. الضخم يقف على رجليه. القصير زائغ العينين يقف بينهما. ذو الندبة جالس، لكن عينيه كانتا تتابعان الجدال.
لم يكن يوسف يفكر. كان يتصرف. رفع يده، وفي لحظة خاطفة، رمى الرماد بكل قوته نحو وجوههم.
ارتفعت سحابة سوداء. الرماد والفحم المشتعل تفتت في الهواء، تساقط على أعينهم وأفواههم. سمع صوت فحيح خفيف حيث لامس الفحم الساخن الجلد. علت صرخاتهم فجأة. صرخ الشاب النحيل وتراجع، يفرك عينيه بكلتا يديه. سعل الضخم بعنف، الرماد دخل حلقه وملأ فمه. أطلق القصير زائغ العينين صرخة مكتومة وتدحرج على الأرض.
حتى ذو الندبة نهض فجأة، لأول مرة يتحرك بسرعة. لكن الرماد أصابه أيضًا، وسمعه يلعن بصوت خفيض وهو يمسح وجهه بكمه.
لم ينتظر يوسف. وثب للخلف كأنه نابض، وجسده انطلق بين الأشجار قبل أن يكملوا مسح أعينهم.
الأغصان خدشت وجهه وذراعيه. الحجارة كادت تسقطه كل خطوة. كان يركض دون أن يرى أين يضع قدميه، ودون أن يهتم. كانت قدماه تتعثران بين الجذور، وركبتاه تصطدمان بالصخور الخارجة من الأرض، لكنه كان يواصل. كان الألم خافتًا مقارنة بالخوف الذي يدفعه.
خلفه، سمع السباب تتصاعد. سمع صوت الضخم يصرخ: "أمسكوه!" وسمع الشاب النحيل يلعن بصوت عالٍ. لكن لم يسمع خطوات تطارده. كانت الغابة كثيفة، والظلام حالكًا. ربما قرروا ألا يلاحقوه. ربما فقدوه في الظلام. ربما كانوا لا يزالون يفركون الرماد من أعينهم.
لكنه واصل الجري. لم يلتفت. كان يعرف أن الالتفات قد يبطئه، وقد يكون الفرق بين الحياة والموت.
ركض حتى توقف صدره عن احتمال. كان اللهاث يخرج من فمه كالسكاكين، يجرح رئتيه كل مرة يدخل فيها الهواء. ارتجفت ساقاه فجأة، وفقد السيطرة عليهما. تدحرج على الأرض، سقط على ظهره بين أوراق يابسة وأغصان مكسورة، وظل هناك يلهث كحيوان منهك.
انحنى على ركبتيه، يداك على ركبتيه، رأسه يكاد ينفجر من الدوار. سال العرق على وجهه مختلطًا بالرماد الذي كان لا يزال عالقًا بملابسه. شد الجوع معدته بقبضة لم يشعر بها من قبل، كأنه نسي الجوع أثناء الركض، والآن عاد ليعاقبه على نسيانه.
جلس على الأرض، ظهره مستندًا إلى جذع شجرة ضخمة. أغمض عينيه للحظة، يسمع دقات قلبه التي كانت تكاد تنفجر. كان الليل كثيفًا حوله، والظلام يحجب كل شيء.
"لا أستطيع المواصلة… جسدي يخونني."
كان يعرف ذلك. كان يعرف أن الجوع أنهكه لدرجة أنه لا يستطيع المشي لمسافة طويلة، ناهيك عن الجري. كان يعرف أن أي مطاردة ستنتهي بالقبض عليه بسرعة. كان يعرف أن حظه في الهروب كان مجرد صدفة، وأنهم لو قرروا اللحاق به لكانوا فعلوا.
لكنهم لم يفعلوا. لم يسمع خطوات تقترب. لم يرَ مصابيح تبحث عنه. سمع فقط صوت الليل: صرير الحشرات، نعيق بومة بعيدة، وحفيف الريح في الأغصان. كل شيء كان يهمس: "أنت وحدك. أنت وحدك."
جلس هناك دقائق طويلة، يستعيد أنفاسه. كان يفكر. لكن الأفكار لم تكن منظمة، كانت متقطعة. كان يفكر في الهاتف الذي تركه في المخيم. كان يفكر في صور أمه التي ستضيع إلى الأبد. كان يفكر في الطريق الذي لا يعرفه، والغابة التي لا تنتهي، والجوع الذي لا يموت.
ثم تذكر وجوههم. مرت في عقله واحدة تلو الأخرى: الضخم ذو اللحية، الذي بدا قويًا لكنه كان أول من انهار في الجدال. القصير زائغ العينين، الذي كان يهمس ويبدو خائفًا طوال الوقت. ذو الندبة، الذي كان الأكثر هدوءًا والأكثر خطورة.
"ذلك ذو الندبة… هو الخطر الحقيقي."
لم يكن يعرف لماذا اعتقد ذلك. ربما لأن هؤلاء الذين يتكلمون قليلًا هم أخطر من الذين يصرخون. ربما لأن عينيه الزرقاوين كانتا باردتين حتى في لحظات الغضب. ربما لأن الندوب التي تغطي وجهه لم تكن لتُترك إلا من معارك كثيرة، لم يخسرها جميعًا.
لكن الآن، لم يكن قادرًا على مواجهة أي منهم. كان بالكاد يقف على قدميه.
صمت طويل. ثم قرر.
"سأعود."
لم يكن القرار منطقيًا. كان يعرف ذلك. العودة إلى المخيم بعد أن هرب منهم كانت جنونًا. لو عادوا ووجدوه هناك، لن يتركوه يهرب مجددًا. ربما لن يعطوه فرصة للهروب. ربما يقتلونه فورًا.
لكن الهاتف كان هناك. كان الشيء الوحيد الذي يربطه بعالمه. صور أمه التي لن يراها ربما أبدًا. رسائل فؤاد التي قرأها مئات المرات قبل أن يبتلع البحر السفينة. الشيء الوحيد الذي يثبت أنه كان إنسانًا في مكان آخر قبل أن تجرفه الأمواج إلى هذا الجحيم.
نهض. كان جسده يئن من الداخل، لكنه تجاهل الألم. مشى ببطء، يتذكر الطريق الذي جاء منه. كان يضع قدميه بحذر، يحاول ألا يحدث صوتًا. كان يعرف أنه إذا صادف أحدهم في الطريق، فلن تكون لديه القوة للهرب مجددًا.
كانت الغابة مظلمة كفم وحش. رائحة الطين والندى تملأ أنفه، ورائحة أخرى كانت تختلط بها، رائحة عفن قديمة لا يعرف مصدرها. كان يمشي بين الأشجار كشبح، كل خطوة تحسب بحساب.
لم يمض وقت طويل حتى سمع وقع خطوات.
توقف فجأة. قلبه كاد يقفز من صدره. انكمش خلف شجيرة كثيفة، جثم على الأرض، يحبس أنفاسه. كان يسمع الخطوات تقترب، سريعة، مترنحة. ليست خطوات واثقة. خطوات من يهرب أو يتعثر.
ظهر الرجل القصير زائغ العينين من بين الظلال.
كان يركض بلا وجهة، عرجته التي لاحظها يوسف منذ البداية أصبحت أكثر وضوحًا الآن. كان يتعثر كل خطوتين، يمسك بجذع شجرة ليتوازن، ثم يواصل الركض. كانت عيناه تائهتين، لا تنظران إلى أمامهما، بل إلى كل مكان، كمن يبحث عن شيء لا يراه.
بدا كمن يهرب من شيء لا يُرى. شيء لا يزال خلفه.
لم يتحرك يوسف. كان جاثمًا خلف الشجيرة، لا يتنفس. رأى القصير يمر على بعد خطوات قليلة منه، يتعثر، يسقط على ركبتيه، ينهض بسرعة كأن الأرض تحترق تحت قدميه، ثم يختفي في الظلام.
انتظر يوسف. عد إلى عشرين. ثم ثلاثين. ثم خمسين. ثم نهض ببطء، وواصل طريقه.
---
لكنه لم يمشِ طويلًا.
رأى الدماء أولاً. كانت بقع صغيرة على أوراق الشجر اليابسة، تتلألأ في الظلام كبريق أحمر خافت. تقدم خطوة، فرأى المزيد. بقع أكبر هذه المرة، تلطخ العشب، تلطخ جذع شجرة قريب، تلطخ صخرة كبيرة.
توقف. شعر بالخوف يتسلل إلى صدره. لم يكن خوفًا من المجهول، بل خوفًا من شيء يعرف أنه سيراه قريبًا.
تقدم مجددًا. كانت قدماه تتحركان وحدها، كأنهما لا تريدان أن تذهبا لكنهما مضطرتان. وراء شجرة كبيرة، خلف صخرة مكسورة، وجد ما كان يبحث عنه وما كان يخشاه.
وصلت الرائحة إليه قبل أن تراه عيناه.
كانت رائحة الحديد. رائحة الدم التي تعرفها منذ الطفولة عندما كان ينزف من جرح في ركبته، لكنها هنا كانت أقوى بعشر مرات، أكثر كثافة، مختلطة برائحة شيء آخر — رائحة حلوة كريهة، تشبه رائحة اللحم الذي يبدأ بالتعفن تحت شمس حارة. رائحة الأمعاء الممزقة التي أفرغت ما فيها على التراب البارد.
ارتفع الغثيان إلى حلقه قبل أن تنظر عيناه.
ثم نظر.
أحشاء مبعثرة على الأرض. كانت رمادية اللون، مائلة إلى الزرقة في بعض الأماكن، لامعة ورطبة كأنها خرجت لتوها. بعضها كان لا يزال يتلوى بحركات صغيرة مريعة، كأن شيئًا من الحياة لا يريد أن يفارقها. انسكبت على الأوراق اليابسة، مختلطة بدم غليظ بدأ يتخثر عند الحواف وتحول إلى قوام يشبه الهلام.
للحظة، ظن أنها أحشاء حيوان. لكن اليد — كانت يدًا بشرية، مقطوعة من الرسغ، موضوعة بجانب البقايا كأنها تذكار — أنهت وهمه.
ارتجف يوسف. شعر بالغثيان يرتفع من معدته الخاوية إلى حلقه. طعم الصفراء ملأ فمه، مرًّا وساخنًا. أدار وجهه بسرعة، وأغمض عينيه. كان يحاول ألا يتقيأ، لكن المعدة كانت فارغة، ولم يخرج سوى سعال جاف مؤلم مزق حلقه وأخرج معه شهقة مكتومة.
"يا رب… هذا ليس صيدًا… هذا إنسان."
ثم رأى الرأس.
كان موضوعًا على جذع شجرة منخفض، كمن وضعه هناك بانتظار شيء ما. كان الرأس للضخم ذي اللحية. كانت عيناه منزوعتان، تاركتين فراغين داميين في وجهه.
كان الجلد حول محجر العينين ممزقًا بشكل غير منتظم، كأن شيئًا حفر فيهما بأصابع أو بمخالب. بقايا دموع متجمدة من الدم الجاف رسمت خطين رفيعين على وجنتيه.
وفمه كان مفتوحًا على اتساعه، متجمدًا في صرخة أبدية. كان بإمكان يوسف أن يرى داخل فمه — اللسان المقطوع من جذره، الحلق العميق المظلم الذي خرجت منه آخر صرخة قبل أن تسكت إلى الأبد.
رائحة الرأس كانت مختلفة. كانت رائحة العرق القديم المخلوط بالدم، ورائحة شيء محروق قليلًا عند الحواف حيث لامس الجلد شيئًا ساخنًا. كان الشعر ملتصقًا ببعضه من الدم المتخثر، وذبابة صغيرة كانت تدور حول إحدى العينين الفارغتين، تبحث عن مكان تهبط فيه.
تراجع يوسف خطوتين. شعر بحذائه يلتصق بالأرض — كان هناك دماء تحت قدميه، لزجة، دافئة لا تزال. ثم ثلاث خطوات أخرى. شعر بساقيه ترتجفان، وكاد يسقط على الأرض. تمسك بجذع شجرة خلفه، وشعر باللحاء الخشن يخدش كفه، ورائحة الشجر الرطبة تملأ أنفه محاولة أن تطرد الرائحة الأخرى التي علقت في خياشيمه.
"لقد كان حيًا منذ لحظات… كان يتشاجر معهم… كان يصرخ… والآن…"
دارت الأرض تحت قدميه. أغمض عينيه، وحاول أن يأخذ نفسًا عميقًا. لم يستطع. كانت الرائحة قوية جدًا، دخلت إلى فمه وإلى حلقه، شعر بطعم الدم على لسانه رغم أنه لم يلمسه. شعر بأن جلده يتقلص من الداخل، وأن كل شعر في جسده قد وقف.
"ليس الغرباء… شيء آخر قتله."
هو يعرف ذلك. كان يعرف أن ما فعل هذا ليس إنسانًا. الرماح والسيوف لا تترك مثل هذه الآثار. الرماح والسيوف تقتل، لكنها لا تمزق، لا توزع الأحشاء كالحلوى، لا تترك الرأس على جذع شجرة كتذكار.
"ماذا في هذه الغابة؟"
لم يجد جوابًا. لكنه تذكر ما قاله الشاب النحيل قبل قليل: "لو لم نصطدم بذلك الكائن ليلة الأمس، لكان كل شيء مختلفًا."
ذلك الكائن. كانوا يعرفون. كانوا يعرفون أن هناك شيئًا في هذه الغابة، شيئًا يفعل هذا. وهم أتوا إلى هنا رغمًا عنهم. أو أرسلوا إلى هنا.
لكن يوسف لم يكن معهم. لم يكن يعرف شيئًا. ولم يكن يريد أن يعرف.
نهض. كان جسده يرتجف، لكنه نهض. أدار وجهه عن الرأس، عن الأحشاء، عن اليد المقطوعة. نظر في الاتجاه الذي كان يأتي منه. كان المخيم قريبًا. كان يعرف ذلك من رائحة النار التي لا تزال تصل إليه، ومن الضوء الخافت الذي يراه من بين الأشجار.
الهاتف. كان الهاتف هناك.
وقف للحظة، مترددًا. عقله قال له: "اركض. ابتعد. لا تعود. ليس الأمر يستحق." لكن شيئًا آخر، شيء أعمق، قال له: "لا تتركه. إن تركته، فلن يبقى لك شيء."
أغمض عينيه. تذكر صورة أمه. تلك الصورة التي التقطها في آخر عيد، حيث كانت واقفة أمام البيت تبتسم، ويدها ترفع يدها لتخفي شعرة بيضاء ظهرت فجأة. تلك الصورة كانت في الهاتف. كان الهاتف لا يعمل، لكن الصورة كانت هناك. كانت تنتظر أن يعيد شحنه يومًا، أن يراها مجددًا.
فتح عينيه.
"إن كان سيحصل لي شيء، فليكن. لكن لن أتخلى عنه."
لم يكن هذا شجاعة. لم يكن هذا قرارًا مدروسًا. كان مجرد تمسك بشيء لا يريد أن يفقده. كان قرارًا متهورًا، ربما أكثر قرار متهور اتخذه في حياته. لكنه كان قراره.
تقدم نحو المخيم.
---
رأى ضوء النار من بعيد. كان خافتًا، يترمش كعين مريضة، لكنه كان كافيًا ليرى الفسحة الصغيرة بين الأشجار.
توقف على الحافة، وزحف ببطء بين الأعشاب. كان جسده كله على الأرض، يتحرك كالحية، كل حركة محسوبة. كانت الأعشاب طويلة هنا، تصل إلى صدره حتى وهو زاحف، فكانت تخفيه جيدًا.
بدا المخيم هادئًا على نحو مخيف. كانت النار ما زالت مشتعلة، لكنها أكلت معظم الحطب وكانت على وشك الانطفاء. كانت الحقائب في مكانها، متناثرة حول المكان الذي جلسوا فيه. القدر كان مقلوبًا على الأرض، والحساء المنسكب تحول إلى بقعة داكنة في التراب.
لكن لا أثر للغرباء. لا الشاب النحيل، ولا القصير زائغ العينين، ولا ذو الندبة.
انتظر يوسف. دقيقة. دقيقتان. خمس دقائق. كان يراقب، لا يتحرك. عيناه تفحصان كل زاوية، كل ظل، كل حركة. لم يسمع شيئًا. لم يرَ شيئًا.
تقدم خطوة. ثم أخرى. كان يمشي كالقط، يضع قدمه حيث لا يحدث صوتًا، يتحرك بين الظلال.
وصل إلى مكان الحقائب. كانت حقيبته ملقاة على الأرض، مفتوحة، محتوياتها متناثرة حولها. كان الدماء قد لطختها. بقع حمراء داكنة على القماش، بعضها لا يزال طريًا.
جثا على ركبتيه، وبدأ يفتش. كانت يداه ترتجفان، والأشياء كانت تفلت منه كل مرة. وجد قميصه الممزق. وجد بقايا الطعام الذي جمعه. وجد قطعة القماش التي كان يستخدمها منشفة. ثم وجد الهاتف.
كان تحت الحقيبة، مغطى بالتراب وببقع دم جافة. أخذته، وقلبه بين يديه. كانت الشاشة لا تزال سوداء، متصدعة من الزاوية. لم يتغير شيء. لكنه كان موجودًا.
ضمه إلى صدره للحظة. شعر ببرود الزجاج على جلد صدره، وثقل القطعة الصغيرة في يده. كان كمن يستعيد شيئًا فقده، كمن يستعيد جزءًا من روحه.
نظر حوله. كانت الحقائب الأخرى مفتوحة أيضًا. رأى فيها ملابس، وأوانيًا، وبعض الأدوات. لكنه لم يلمس شيئًا. لم يرد أن يأخذ أي شيء ليس له. ورائحة الدم كانت قوية هنا، تجعله يريد المغادرة بسرعة.
وضع الهاتف في جيبه الداخلي، حيث كان دائمًا. شعر به هناك، ثقيلاً، مطمئنًا.
نهض. كان مستعدًا للرحيل. كان سيبتعد عن هذا المكان، عن هذه الجثث، عن هذا الخوف. كان سيمشي حتى يجد مكانًا آمنًا، حتى يجد طريقة للخروج من هذه الغابة.
لكن الأرض اهتزت.
لم يكن اهتزازًا قويًا، كان خفيفًا، كمن يمر شيء ثقيل في مكان قريب. لكنه كان كافيًا ليجمد يوسف مكانه. شعر به في قدميه أولاً، ثم في عموده الفقري، ثم في أسنانه التي احتكت ببعضها قسرًا.
ارتجفت الأشجار من حوله. تحركت الأغصان دون ريح، وتساقطت الأوراق كأنها خائفة. الهدوء الذي كان سائدًا تحول إلى صمت ثقيل، صمت لا يسمع فيه سوى نبض قلبه.
ثم سمع الصرخة.
كانت بعيدة، لكنها كانت عالية، عالية جدًا. صرخة رجل. لم تكن صرخة خوف فقط. كانت صرخة رعب، صرخة يأس، صرخة من يعرف أنه لن ينجو. ارتفعت من بين الأشجار، مزقت سكون الليل، ثم توقفت فجأة، كمن قطعها شيء.
شعر يوسف بشعره يقف على مؤخرة عنقه. شعر بالبرد يسري في عروقه، برد ليس من الليل، برد من الداخل. وقف هناك، جامدًا، لا يستطيع التحرك. عيناه مفتوحتان على اتساعهما، تنظران إلى الظلام حيث جاءت الصرخة.
رفع رأسه ببطء. كانت عيناه تبحثان بين الأغصان، بين الظلال، بين كل شيء وكل شيء. كان ينتظر أن يرى شيئًا. كان يخاف أن يرى شيئًا.
لكنه لم يرَ شيئًا.
فقط الظلام. فقط الأشجار. فقط الصمت الذي عاد بعد الصرخة، صمت أثقل من أي صمت قبله.
وقف هناك، لا يتحرك. الهاتف في جيبه، والدماء حوله، والرأس على جذع الشجرة خلفه، والصمت يخنقه.
"ما الذي أيقظته؟"
لم يكن يعرف. لم يكن يريد أن يعرف.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: أنه ليس وحيدًا في هذه الغابة. وأن ما كان يصطاد هؤلاء الرجال لم ينته بعد.
بدأ يمشي. ببطء أولاً، ثم أسرع. لم يعد يهتم بالصوت الذي يحدثه. كان يريد فقط أن يبتعد، أن يكون في أي مكان آخر غير هذا المكان.
كانت الغابة من حوله تتسع وتضيق في آن. كانت الأشجار تتحرك كأنها تراقبه، والأغصان تهمس كأنها تتحدث عنه. والظلام كان يلاحقه، لا يتخلى عنه، يظل خلفه كأنه ظل ثانٍ لا يريد أن يفارقه.
ركض حتى اختفت النار خلفه. ركض حتى لم يعد يرى شيئًا سوى الظلام. ركض حتى شعر أن رئتيه ستتفطران.
لكنه لم يتوقف.
كان يعرف أن التوقف الآن يعني أن ما في الغابة قد يصل إليه.
فاستمر في الركض.
---
نهاية الفصل التاسع
---