في مُقاطعة شانيبو...
في منتصف النهار وبينما الشمس في أوجها.. مضت تجرّ قدمها معها فوق الأرض بينما تمرّ في الطرقات الضيقة على الأرض.. التي غطاها النازحون من أطراف شانيبو بطبقةٍ من خيامهم..
تلف حول عنقها قطعة قماشٍ فيروزية اللون.. وتمتد قطعة القماش لتغطي رأسها..
تُمسك يدها الصغيرة ذات البشرة الداكنة قليلاً بيد أخيها الصغير الذي لم يتجاوز الخامسة بينما تقوم هي ذات الإثني عشر ربيعا بموازنة الجرّة الفخاريّة التي تحملها فوق رأسها بيدها الأخرى..
يقول أخوها في ضجر: "نيالي! لماذا علينا المشي كلّ هذه المسافة لأجل تعبئة جرّة واحدةٍ من المياه؟"
تلتفتُ لهُ باسمةً ثم تقول في بشاشة: "أعلمُ أنّ الأمر مُتعبٌ بالنسبة لك يا يونس.. ولكن ليس بيدنا حيلة"
= "إذاً فلماذا عليّ أن آتي معكِ.. كان بإمكانكِ تركي في الخيمة!"
- "وهل كنت تفضَل ترك أختك تذهب وحيدة؟ هذا ليس رجولياً منك بالمرّة"
= "لا.. لقد فهمت الأمر بشكلٍ خاطئ.. ولكن..."
- "لا بأس.. ما يهمُ الآن هو أنّك معي.. وستظل معي للأبد صحيح؟"
= "لماذا بدأ هذا يصبح حزيناً.. أجل يمكنكِ إفتراض ذلك"
- "إذاً.. ماذا سنأكل اليوم...."
لم يستمع إلى ما قالت.. فقد إنشغل بمراقبة أحد الأمهات تُطعم ولدها رغيف خبز.. وكانت عيناه تتبعان رغيف الخبز بلهفة
تُلاحظه نيالي فتقول: "عندما نعود سنقوم بالخبز معاً!"
يلتفت مُرتبكاً ثم يرد: "مرحى"
- "لكن.. لا أستطيع وعدك أن يكون الخبز جيّدًا"
= "مالذي تعنينه؟"
- "لم أخبز أيّ شئ من قبل.. لذا لا ترفع آمالك كثيرا"
= "من الأفضل لكِ أن يكون الخبز جيدًا"
بينما يمشيان يمرّان على رجالٍ ونساءٍ كُثر متجمعين حول عجوزٍ طاعنٍ في السن.. يقف العجوز فوق كرسيٍ خشبيّ مهترئ بينما يخطب فيهم..
العجوز: "ولهذا.. وكما أسلفت.. فإنّ تغيير وضعنا بأيدينا وحدنا!"
يقول أحد الجماهير مستغرباً: "ومالذي يمكننا فعله؟"
يرد قائلاً: "بإمكاننا أن نطالب الملك بحقوقنا كلها.."
ثم يرى الحماسة بدأت تعتري وجوه الناس حوله فيسارع في إستكمال حديثه: "لكن علينا فعل ذلك دون فوضى أو سفك دماء"
يتابع: "ولأجل ذلك جئتُ أدعوكم اليوم للإنضمام إلينا.. بإمكاننا أن نكوّن جماعة توصل مطالبنا إلى الملك.. سنكون صوت شانيبو الذي يدافع عن أهلها ويردّ لهم حقوقهم.. سنصنع بداية عصرٍ لا طبقيّ غير قائم على التفرقة المجتمعية للناس.. وتقسيمهم بناء على وضعهم الماديّ.. وبعدها سنبدأ بملأ الفجوات بين الطبقات المختلفة حتى يكون العالم كله كقرية واحدة.."
يصمت العجوز لوهلة حتى يرى ردّة فعل الناس حوله فيجدهم ينظرون إلى بعضهم البعض في عجب
يقول أحدهم: "لم أفهم شيئاً..."
وتقول أخرى: "لست متأكدّة حقا ولكنّه يبدو كمن يعرف عمّاذا يتحدّث"
يصرخ العجوز : "لأجل شانيبو!"
فينظرون إليه ويرددون: "لأجل شانيبو! لأجل شانيبوا! لأجل شانيبوا!"
تندفعُ نيالي بين الجماهير بينما تُمسك بيد أخيها وتقترب من العجوز ثمّ تقول: "أنا لستُ أفقه شيئاً مما تقول حقاً"
"ولكن"
"ولكن.. أخبرني!"
"هل سيعطينا هُرائك الفارغ ذاك طعاماً ومنزلاً؟"
فيتوقف الجميع وينظرون إلى العجوز منتظرين منه الرد على سؤالها..
يعجز عن الردّ لفترة بينما ينظرُ إلى جموع الناس الذين بدأت تسوارهم الشكوك ثم يسارع فالرد قائلاً: "أجل..! بالطبع ستحصلون على منازل جديدة وطعام كافٍ للجميع.. هذا هو ما سنهدف نحوه جميعاً!"
ثم يلتفت إلى نيالي ويقول: "ولكن لتحقيق هذه الغاية يا صغيرتي على الجميع هنا العمل معاً"
تنظر له نيالي بشكّ ثم تأخذ بيد أخيها وتبتعد من بين الناس كما دخلت..
نيالي: "هيّا بنا.. فلنذهب من هنا"
يصلان عند بئرٍ قديمة في وسط الصحراء.. خلف البئر توجد شجرة دون أوراق.. تضع نيالي الجرّة الفخارية برفقٍ على الأرض..
تقول: "حسناً! بما أننا سنقوم بالخبز هذه المرّة فسنحتاجُ إلى كميةٍ إضافية من المياه لهذا الأسبوع"
تتوجه نحو الرافعة التي في البئر وتبدأ بتدويرها بينما تقول: "يونس.. هلّا أتيت بالجرّة إلى هنا وثبتها لأصبّ فيها الماء"
يردّ: "أجل!"
تصبُ نيالي المياه شيئاً فشيئاً داخل الجرّة الكبيرة حتى تملأها تماما.. ثم تضع عليها غطائها.. نيالي: "حسناً أعتقد أنّ هذا أكثر من كافٍ!"
تُحاول نيالي رفعها إلا أنّها تعجزُ عن فعلِ ذلك.. تُحاولُ من جديد فتفشل.. فتنظر إلى أخيها وتقول: "يبدو أن إحضارك إلى هنا كان أمراً جيداً في النهاية"
"هلّا ساعدتني في حملها؟"
يمشيان بها ببطءٍ ورويةٍ حتى يصلان إلى خيمتهما وقت الغروب...
يستلقيان على سجّادة القماش التي كانت على أرضيّة الخيمة بينما يلهثان من التعب..
يونس: "لقد فعلناها حقاً!"
نيالي: "أجل!"
نيالي: "أنا مُرهقة جدا اليوم يا يونس.. هلّا أجلّنا الخبز ليومٍ آخر؟"
يونس: "كلّا.. هذا ليس عدلاً!"
نيالي: "هيّا.. أرجوك.. ليوم واحدٍ فحسب"
يُقاطع حديثهما صوت بكاءٍ يصدر من خارج الخيمة.. فتُسرع نيالي بالنهوض وترفع ستار الخيمة بيدها لتخرج فترى طفلةً متروكةً وسط الطريق تبكي.. تبدو صغيرة السن للغاية..
تجري نيالي نحوها ثم تنزل على ركبتيها حتى تكلمها وجها لوجه بينما تضع يديها على كتفي الطفلة وتقول: "هل أنتِ ضائعة؟ أين والداكِ؟"
لا ترد الطفلة وتستمر بالبكاء فتحتضنها نيالي وتقول: "لا بأس عليكِ الآن"
تُمسك نيالي بيد الطفلة وتأخذها إلى داخل الخيمة
يونس: "من هذه؟"
نيالي: "يبدو أنّها إما ضائعة.. أو من الذين فقدوا أهلهم إثر الإنفجار"
يونس (حزيناً) : "كم أشتاق إليهما..."
تقوم نيالي بإجلاس الطفلة أمامها وتصب بعض الماء في طبق فخاريّ ثم تُسقي الطفلة من ذاك الطبق..
نيالي: "إذاً.. ما إسمك؟"
الطفلة: "ماو... ماو"
نيالي (مبتسمة): "إسمٌ جميلٌ يا ماو.. بمثلِ جمالك"
تلتفت نيالي إلى يونس وتقول: "هلّا ناولتني جرّة اللبن؟"
يذهب يونس ويأتي بجرّة اللبن ثم يعطيها لنيالي...
تقوم نيالي بصبّ بعض اللبن في ذات الطبق ثم تناوله من جديد إلى ماو وتقول: "آسفة يا ماو.. ولكن هذا كل ما نملك في الوقت الراهن"
تنظرُ ماو إلى الطبق الذي تقدمه نيالي.. ثم تحول نظرها نحو نيالي نفسها بينما تبدأ عيناها في البريق..
تتناول الطبق وتشربه جرعة واحدةٌ ثم تضعه أرضاً وتتجشأ...
تضحك نيالي ويضحك معها يونس...
تراقبهما ماو يضحكان لفترة فتبدأ بالضحك معهما...
تصدر معدة ماو صوتاً فتقول نيالي: "يبدو أنّه لا مفرّ لي من الخبز اليوم.. حسناً فلتنتظرا قليلاً"
تتجه نيالي نحو نهاية الخيمة حيث توجد قطعة قماشٍ فوقها بعض القطع النقدية
تنظر إليها نيالي بشفقةٍ وتقول بصوتٍ منخفض: "ليس كافياً..."
تلتفت خلفها إلى يونس الذي بدأ يلعب مع ماو فتعبس وتكاد تذرف الدمع لولا أنّها تمالكت نفسها...
تقوم وتتجه نحو مدخل الخيمة بينما تُبعد وجهها عنهما حتى لا يرياه ثم تخرج من الخيمة بينما تقول: "سأذهب لشراء بعض الحاجيات الآن"
**********************************************************************************************************************************
يبدأ الصبيّ بالتقيئ على حذاء الملك نتيجةً لما تجرّعه من نبيذ..
فيصرخ الملك: "ياللقرف!"
ويركل رأس الصبيّ بعيداً...
الملك: "حسناً ليس لديّ وقتٌ لك الآن يا صعلوك!"
يتقدّم رجل في الخامسة والثلاثين من عمره من بين الجنود الذين قد حاصرو الملك وقتلوا جميع حرّاسه نحو الملك ضاحكا بينما يقول: "لقد إنتهى وقتك يا أبي!"
ينظر الملك لإبنه بإستهتار بينما يكمل حديثه: "أول ملكٍ يموت قبل إنتهاء مدّته أليس كذلك؟"
الإبن: "ما رأيك أن أملأ الصحف بعناوينٍ كـ "الملك الذي مات حزناً على فقراء شعبه؟" "
الإبن: "سيتذكرك الناس لسنين مديدة بعد كل ما حدث"
الملك: "دعني أخبرك شيئاً"
الملك: "ألم تتسائل يوما عن السبب الذي يجعل فترة ملوك هذه المدينة ثابتة؟"
الإبن: "مالذي تعنيه؟!"
الملك: "دائما ما كان الملوك يعيشون لمدة عشرين سنة بعد توليهم زمام الحكم"
الملك: "وكأن هناك شيئاً يخبرنا أن علينا عدم التعلق بذاك العرش المهترئ"
الملك: "وطوال القرون الماضية لم نشهد أن ملكاً قد عاش أكثر من عشرين سنة بعد تنصيبه"
الملك: "أتعرف السبب؟"
الملك: "لإن الأمور دائماً سارت كما أراد.. أجل.. منذ اليوم الذي تم تنصيبي فيه.. لا زلت أذكر ذلك الوجه! ذلك الضوء!"
الملك: "تظن أنك حر فيما تفعل.. ولكن... وقبل أن تدري تُصبح إرادته جزءاً من إرادتك..."
الإبن: "من تقصد بكلامك؟"
الملك: "آه.. وأخيراً قد وصلت إلى هذه المرحلـ..."
صوت رصاصة هوائية
يسقط الملك أرضاً قبل أن يكمل حديثه
الإبن: "لا تمتحن صبري أيّها العجوز!"
###################################################################################################
أعتذر عن التأخير في تنزيل الفصل
سيكون موعد التنزيل ثابت بدءاً من الفصل القادم .. كل يوم جمعة ❤
شكراً على قراءة الفصل ❤
###################################################################################################