فتاة صغيرة قصيرة..

وجهها أبيض كالثلج وعيناها لهما لون أخضر كورق الأشجار...

تبدأ بالجري نحو غرفة تقع أمامها مباشرة مقتحمة تلك الغرفة ببسمتها البريئة..

يستلقي والداها على سريرهما الملاصق للحائط.. وما هي إلا بضع ثوان حتى يقتحم الغرفة أخوها الصغير محاولا الإمساك بها فتقول ضاحكة: "لن تمسك بي"

فيبتسم الفتى بينما يكمل ملاحقتها.. أما هي فتقفز على السرير لعدم وجود مهرب غيره..

تشاهد الأم ما يحدث فتبتسم إبتسامة فرح ممتزج بحزن بينما تراقب ولديها يلعبان

أما والدهما فيرى المشهد فيفتح فمه في محاولة للإبتسام لكنه سرعان ما يتراجع عن ذلك ليصرخ في أولاده قائلا: "أنتما! إهدآ قليلا!"

يتوقف الطفلان عن الجري وتنظر الفتاة إلى والدها نظرة تحد ثم تشيح بوجهها عن والدها وكأنها غاضبة...

تمر لحظات على هذا الحال ولكن فجأة يقفز الطفلان فوق الأب بينما يقولون: "حضن جماعي!"

يرد الأب مبتهجا ومدعيا الخوف: "لا... إلا الحضن الجماعي"

ترد الفتاة في نبرة تحاول محاكة نبرة التكبر: "إذا.. أحضر لي برتقالا.. وإلا ستحصل على حضن جماعي!"

ينظر الأب إلى ملابس ولديه البالية بحزن خفيف ويصمت دون رد..

فتبادر الأم: "ليس الآن يا عزيزتي.. فكما تعلمين.. لا نملك نقودا كافية الآن!"

تلتفت الفتاة إلى والدتها وتنظر لها قليلا ثم تشير بإصبعها نحو طبق زجاجي به قطع نقدية وتقول: "أليست تلك نقودا؟ إذا لم لا نشتري بها بعض البرتقال؟"

ترد الأم في صوت غاضب قليلا: "نحن نحتاج تلك النقود لأجل أشياء أخرى يا كارلا.. لذا ربما يوما ما..."

يقاطعها الأب: "لا بأس.. بإمكاننا التغاضي مرة عن ذلك.. لا تقلقي يا حبيبتي.. سآتيك بكل ما تشتهين من برتقال غدا!"

تقفز كارلا في حضن والدها وتقول: "أنت الأفضل يا أبي!"

ثم تلتفت إلى والدتها وتخرج لسانها مع إغلاقها لإحدى عينيها...

تتعجب الأم من فعلة كارلا ثم تضحك ولكن سرعان ما تحاول تدارك ضحكتها لتحافظ على مظهرها القاس قليلا..

الفتى: "إذا عندما أكبر سأكون طبيبا.. وعندها سأتمكن من شراء البرتقال بنفسي!"

كارلا: "آها إذا! أتعتقد حقا أنك ستجعلني أسامحك عن طريق الرشوة؟"

الفتى: "أنت الخاسرة إذن!"

كارلا: "إذا سأسبقك وأكون..."

الفتى: "تكونين ماذا؟"

تبتسم كارلا إبتسامة ساذجة وتقول: "لا أدري بعد.. لكني سأكون شيئا ما!"

تقول الأم: "عليكي أن تفكري بمستقبلك منذ الآن.. فأنت لا تريدين أن تعيشي دون فعل شئ"

تقفز كارلا من فوق السرير وتجري نحو ركن الغرفة البعيد عنهم جميعا وتقول: "إذا فسأقرر الآن ماذا أريد أن أكون..."

تقاطعها هزة أرضية قوية تبعها صوت إنفجار قوي.. وما هي إلا ثوان حتى وصل ذلك الإنفجار إليهم.. إبتلع أخاها.. ثم أمها.. ثم أباها.. وعندها أصبح الوقت يمر ببطء شديد بالنسبة لها وسألت نفسها...

"مالذي... أراه؟"

"هل هو... الموت؟"

"إذا.. يا سيد موت.. هلا تأخرت قليلا.. فلا زلت لم أنجز شيئا في حياتي بعد"

يستمر الإنفجار بالإقتراب منها شيئا فشيئا دون أن يتوقف..

تذرف الفتاة دمعة صامتة ثم تقول: "يا سيد موت.. ألا يمكنك.. أن تتأخر.. قليلا؟"

وعندها يبتلعها الإنفجار كما إبتلع عائلتها بالكامل ويساوي بمنزلها الأرض وكأنه لم يوجد يوما...

***********************************************************************************************************************************

تقف إيلا بجانب ليام مسندان ظهرهما إلى حائط مبنى قد تدمر معظمه دون أن يكونا مقيدان..

يحيط بهما الدمار من كل مكان.. أجزاء من مبان قد قذف بها الإنفجار.. ونيران مشتعلة تملأ الجو دخانا أسودا داكنا..

يقول ليام بينما يسعل بسبب الدخان : "مالذي.. حدث.. حدث بحق الجحيم؟"

ترد إيلا وهي تعاني أيضا بسبب الدخان: "لا.. لا أدري.. فجأة ضوء ثم إنفجار ثم... لو لم تقم أوليفيا بجعلنا نجري ثم نختبئ خلف هذا المبنى لكنا هلكنا!"

ليام: "ألم تتأخر أوليفيا؟"

إيلا: "أجل.."

يمر من أمامهما جنود كثر منقسمين إلى ثلاثة فرق... تأتي العربات التي تحمل العتاد في الأمام.. بينما يتبعها المشاة بخطوات منتظمة كدقات الساعة.. أما قائدهم فيجلس فوق إحدى العربات من الفرقة التي تمشي في المنتصف بين الفرقتين الأخرتان.

يرتدون جميعا ملابس قرمزية اللون ويحملون بندقية هوائية بيدهم وسيفا على خصرهم يلبسون قبعة من الحديد.

تنظر لهم إيلا بذهول وتعجب بينما يعبرون ثم تقول: "أليس أولئك... الحرس الشخصي للملك؟!"

يراقب كل من ليام وإيلا الحرس الملكي وهم يتحركون.. وبينما هم خائفون وتركيزهم منصب على ما يجري أمامهم يسمعون صوتا من خلفهم يقول: "أعتذر على تأخري"

تلفت إيلا ثم تقول في غضب: "أين كنت يا أوليفيا بحق..."

تقاطعها أوليفيا قائلة: "ليس الآن.. أعلم أن لديكم أسئلة كثيرة ولكن علينا أن نذهب حيث ألفين الآن"

ليام: "ومن أين لنا أن نعرف مكانه بالتحديد؟"

تشير أوليفيا بإصبعها إلى السماء فينظرون جميعا ويجدون غرابا يطير متجها نحو المركز فتقول أوليفيا: "هذا.. هو دليلنا!"

***********************************************************************************************************************************

يفتح ألفين المستلقي على الأرض عيناه الداميتين فيبصر السماء السوداء فوقه.. القمر مكتمل ويملأ الدنيا نورا.. كما أن السماء مرصعة بالكثير من النجوم على غير ما إعتاده ألفين..

يقول مبتهجا: "القمر بدر.. ياللجمال!"

تسقط في فمه قطرة ماء فيقول: "ماء مالح؟"

تسقط قطرة أخرى على يده اليمنى فينظر إليها ليجد النقوش التي على يده تضئ وتخفت بشكل متكرر..

يقول: "ما هذا؟ مالذي حدث ليدي؟"

بعد ثوان تتوقف نقوش يده عن الإضاءة حينها يهم واقفا بسرعة ثم ينظر حوله ليجد الأرض مسطحة من في كل الإتجاهات.. يبدأ بتحريك عينيه في كل إتجاه ولكنه لا يجد أي أثر لمخلوق...

يحادث نفسه: "مالذي حدث؟ أين فين؟ وأين ذهب ذلك الرجل؟... لا أذكر شيئا منذ فقدت وعيي"

يمسح عينه التي يغطيها الدم بذراعه ثم يمشي قليلا في إتجاهات مختلفة لعله يبصر شيئا ولكنه يشعر بالألم في كل مكان في جسده جراء الضرب الذي تعرض له.. يحاول إجبار نفسه على التحرك لكي يبحث ولكن الدخان المحيط به يجعله يفقد الأمل في رؤية شئ..

ينظر إلى السماء مرة أخرى فيجد غرابا يطير.. وحينما يصير الغراب فوق رأسه مباشرة يبدأ بالهبوط حتى يصل إلى كتف ألفين.. ينظر إليه ألفين فيتعرف عليه ويقول: "أنت؟! كيف؟ كيف وصلت إلى هنا حتى؟"

يرفرف الغراب جناحيه ثم يطير مرة أخرى فيراقبه ألفين ثم يقول: "ربما.. ربما أستطيع إيجاد فين إن تبعت الغراب"

***********************************************************************************************************************************

يصل الحرس الملكي إلى مكان الإنفجار.. ينزل قائدهم من فوق العربة ويمشي أمامهم بخطى ثابتة نحو الأرض التي تسطحت بالكامل.. يجد الفراغ يملأ المكان.. الدخان لا يزال يملئ المكان جراء النيران المشتعلة..

يصرخ في جنوده بصوت عال بينما يشير بيده إليهم: "الفرقة 213.. إبدأوا بإخماد النيران.. أما البقية فلتنتشروا بحثا عنه.. ذلك الحجر لن يدمره أي شئ.. لذا فلا بد أنه قريب من هنا"

يبدأ الجنود في الإنقسام للبحث.. بينما يقوم أعضاء الفرقة 213 بإطفاء النيران المحيطة..

يتجه القائد نحو أحد الضباط ويسأله: "من كان مسئولا عن حراسة ذلك الحجر؟"

الضابط: "لقد كان الضابط توماس... توماس ستون يا سيدي!"

القائد: "سمعت هذا الإسم من قبل .. هل هو ذلك الضابط الذي أهان الملك؟"

الضابط: "أجل يا سيدي!"

يرفع القائد يديه ليقربهما نحو وجهه ويتذكر حين كانتا مغطتان بالدماء أثناء تعذيبه لتوماس ثم يقول: "لابد أنه مات بسبب الإنفجار.. لولا أن الملك أعطاه فرصة أخرى لكنت قتلته بنفسي على أي حال!"

يصمت القائد قليلا ثم ينزل يداه وينظر إلى الأرض ويقول: "أتمنى.. لو يأتي يوم أعفائي من كل هذا سريعا!"

يأتي أحد الجنود مسرعا نحو القائد فيلتفت له القائد ثم يقول: "هات ما عندك بسرعة!"

يقدم الجندي التحية ويقول: "لقد قمنا بتمشيط منطقة بنصف قطر يساوي خمسة كيلومترات من مركز الإنفجار... ولكننا لم نجد شئ"

القائد: "لا بد أنك تمازحني؟ أكره الأغبياء.. إذهب وإبحث مرة أخرى..."

ينادي جندي آخر على القائد: "أيها القائد.. فخامة الملك.. يريد الحديث معك على الهاتف!"

***********************************************************************************************************************************

يمشي ألفين بصعوبة متبعا بعينيه الغراب الذي يطير في السماء فوقه وأثناء مشيه يقول: "يبدو أن إتباعي لذلك الغراب لن يفضي إلى أي نتيجة"

صحراء شاسعة تحيط به.. الرمال من كل مكان حوله.. رمال صفراء جعلها القمر فيروزية اللون

يتوقف الغراب ويهبط على فرع شجرة ميتة تكاد تخلوا فروعها من الأوراق.. ويتجه نحو عش يقع فوق أحد الفروع ليأخذ الغراب فرخ غراب من العش ثم يطير به إلى مكان قريب توجد به جثة غراب آخر ملقاة على الأرض وبجانبها وردة وحيدة متفتحة على أوراقها تجمدت بضع قطرات من الدماء..

يعود الغراب إلى عشه ويحضر فرخا آخر ويضعه بجانب الفرخ الأول.. ثم يعاود الكرة مرة أخيره حتى يجمع الثلاث فراخ بجانب جثة الغراب بينما ألفين يراقب من بعيد أفعال الغراب في عجب..

وعندما تم جمع الغراب الفراخ الثلاثة معا بدأ ألفين يقترب من الفراخ فوجدها جميعا ميتة..

ينزل ألفين على ركبتيه فيشعر بلألم قليلا لكنه يتابع النزول ثم يمسك إحدى فراغ الغراب ويتحسس معدتها ثم يقول: "من الجوع إذا!"

يبدأ الغراب بحفر أربعة حفر بمنقاره ثم يدفع بجثث الغربان فيها!

_______________________________________________________________

يتذكر ألفين ما دار بينه وبين جيمس مسبقا...

جيمس : "أتعلم .. يقال أن أول من دفن جثة لأحد بني جنسه كان غرابا

ألفين : "ولم ذلك؟"

جيمس : "لكي يعلمنا نحن البشر ماذا نفعل عند موت أحدنا"

ألفين (بصوت يخلط بين الحزن والسخرية) : "ياللسخرية! حتى عندما تعلمنا الرحمة تعلمناها من الغربان"

_______________________________________________________________

وبعد أن ينتهي الغراب يقترب منه ألفين ثم يضع يده على رأس الغراب ويقول: "لقد خسرت كل شئ.. أليس كذلك"

ثم يقف ألفين بينما نظره لا يزال متركزا على الغراب..

فيطير الغراب ثم يهبط على كتفه فيبتسم ألفين ويقول: "لا زلت تريد أن تعيش؟ حتى بعد خسارتك لكل ما تملك؟"

تهب عليهم رياح شديدة ولكنهما لا تؤثر فيهما.. إنما تتسبب الرياح في إنقشاع الضباب الذي كان أمامهما.. وحينها يرون جثثا عديدة لأناس كثر مترامية بعضها فوق بعضها... فينظر ألفين إليها بخوف ويقول: "ما؟.. ما هذا؟"

###################################################################################################

شكراً على قراءة الفصل ❤

ملحوظة: للغراب قصة جانبية.. فهل إستطعت إستنتاجها؟

###################################################################################################

2021/03/21 · 72 مشاهدة · 1452 كلمة
نادي الروايات - 2026